المرشح الفلسطيني منصور عباس زعيم حزب “القائمة العربية الموحدة” يُدلي بصوته في أحد مراكز الاقتراع، 27 تشرين الأول 2026
حطمت نسبة تصويت الفلسطينيين في شرقي القدس كل الأرقام القياسية منذ ضم شرقي القدس في العام1967، وكانت أعلى بثلاثة أضعاف مما كان في الانتخابات السابقة. لقد مارس أكثر من 10 آلاف من السكان حقهم الانتخابي، وصوتت الغالبية العظمى للقائمة المشتركة، ونسب كثير من الناخبين هذا القرار إلى الرغبة في إزاحة سموتريتش وبن غفير من الحكومة. يعتقد كثيرون في شرقي القدس أن المحظور السياسي والاجتماعي المفروض على المشاركة في الانتخابات انتهى، وأن كسر هذا المحظور سيكون له أثر كبير في الانتخابات البلدية التي ستجرى بعد سنتين، وهي انتخابات، خلافاً لانتخابات الكنيست، يحق لكل سكان شرقي القدس التصويت فيها.
لا يحق للغالبية العظمى من سكان شرقي القدس الفلسطينيين التصويت للكنيست على الإطلاق، حيث امتنعت إسرائيل عن منحهم الجنسية الكاملة بعد الضم، واكتفت بإعطائهم وضع “المقيمين الدائمين” الذي يعطيهم الحق في التصويت في الانتخابات المحلية وليس الانتخابات الوطنية. ورغم ذلك، حصل الآلاف منهم على الجنسية الإسرائيلية على مر السنين. وتشير التقديرات إلى أن 5 – 7 في المئة من سكان شرقي القدس هم اليوم مواطنون ومسجلون في سجل ناخبي الكنيست.
مع ذلك، حتى الذين لهم حق التصويت دأبوا على مقاطعة الانتخابات المحلية والوطنية. لسنوات طويلة كان ينظر للتصويت على أنه عمل يضفي الشرعية على الاحتلال، ودعت الحركات السياسية الفلسطينية، بما في ذلك فتح وحماس، إلى مقاطعة الانتخابات، بل وهاجمت المرشحين والناخبين. وهذا هو السبب أيضاً من وراء امتناع الأحزاب العربية في إسرائيل عن القيام بحملات انتخابية في شرقي القدس. وصرح عضو بارز في القائمة المشتركة أمس: “أنا لا أقوم بحملات انتخابية في شرقي القدس لأنها أرض محتلة، لكن الشعب اتخذ قراره بنفسه. لقد شعروا بالضغط والقلق والخوف، وقرروا فعل كل ما في استطاعتهم للإطاحة ببن غفير”.
في كل شرقي القدس، فتح أول أمس 24 مركز اقتراع موزعة على ثلاث مجموعات فقط: في حي صور باهر جنوبي المدينة، وفي الحي المسيحي بالبلدة القديمة، وفي مدرسة عبد الله بن الحسين في الشيخ جراح. وقد اضطر بعض السكان إلى قطع مسافة طويلة للتصويت، ولكن رغم ذلك، كانت نسبة التصويت غير مسبوقة. ففي حي صور باهر مثلاً صوت 56 في المئة من الذين لهم حق الاقتراع مقارنة مع 16 في المئة في 2022، و13 في المئة في العام 2021. وفي مركز الاقتراع في مدرسة عبد الله بن الحسين، بلغت نسبة التصويت 53 في المقارنة مقارنة مع 16 في المئة في العام 2022. بالإجمال، صوت أكثر من 10 آلاف ناخب فلسطيني في شرقي القدس من الذين لهم حق الاقتراع. كان المستفيد الرئيسي هو “القائمة المشتركة” التي حصلت على 80 في المئة من الأصوات.
أ.، وهو أحد سكان صور باهر وممن صوّتوا أول أمس للمرة الأولى قال: “شعرت أنه واجب علي، وأن هذا يمثل تهديداً وجودياً. كل هذا الخوف والعنصرية أمر غير طبيعي. والحديث عن الطواقم الطبية وكأنها إرهابية وصل إلى مستويات خطيرة جدا”. وقال إنه خلافاً للسابق، لا يواجه الناخبون أي معارضة في الشارع الفلسطيني في القدس. تعود النشطاء الفلسطينيون التجمع حول مراكز الاقتراع لمراقبة من يدخل إليها، وكان الناس يشعرون بالخجل. أما أول أمس، فقد دخل الناس بتفاخر ولم يتستر أحد. شاهدت العائلات تنادي بصوت مرتفع والآباء يحثون أبناءهم على التصويت. أ. على قناعة بأن هذه الخطوة ستؤثر أيضاً على الانتخابات للبلدية. وقال: “أول أمس كسر حاجز الخوف، وهذا سيحدث تغييراً في المستقبل”.
محمد نجم، وهو رجل أعمال في شرقي القدس، صوت أول أمس للمرة الأولى، وقال: “لم يحدث هذا منذ العام 1967، ولم يخطط له أحد. في السابق كان الناس يخافون، أما الآن فقد خرجوا كي لا يصل بن غفير وسموتريتش إلى السلطة. لقد مرت أربع سنوات صعبة في شرقي القدس. فرحت برؤية الآلاف وهم يصوتون. بعضهم قالوا لي: أتمنى لو كنت مواطناً لأتمكن من التصويت”. ويعتقد نجم أن التصويت أول أمس رمز إلى نهاية المحظور المفروض على المشاركة في الانتخابات في شرقي القدس.
حتى رئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، عطا الله حنا، الذي يعتبر شخصاً معادياً لإسرائيل ومعارضاً شرساً للتطبيع، فاجأ الكثيرين في شرقي القدس عندما شارك عبر “فيسبوك” بدعوة من الدكتور محمود الخطيب من كفر كنا في الجليل للخروج والتصويت. وكتب الخطيب في منشوره: “للمرة الأولى في حياتي سأصوت للكنيست. لستُ على قناعة على الإطلاق بأهمية التمثيل العربي في الكنيست، لكني سأصوت ضد بن غفير وسموتريتش ونتنياهو. إذا كان لصوتي تأثير ولو صغير جداً في منع سفك نقطة دم واحدة من حمام الدماء في المجتمع العربي (داخل إسرائيل) أو في منع هجمات المستوطنين على شعبنا في الضفة الغربية، أو تخفيف الحصار على غزة ولو ليوم واحد، فسأصوت. لا لأنني أعتقد أن البديل سيكون أفضل بكثير… بل لأن أي تحسن طفيف في ظل كل هذه المعاناة قد يكون هاماً جداً”.
وحسب أ. فإن التغيير في أوساط الفلسطينيين في شرقي القدس ينعكس أيضاً في أسباب السعي إلى الحصول على الجنسية الإسرائيلية. وقال: “في السابق كان هدف الحصول على الجنسية هو الحفاظ على الوضع القانوني، وعدم سحب بطاقة الهوية إذا كنت أعيش خارج حدود المدينة (يمكن الغاء مكانة المقيم بسهولة، على عكس الجنسية). أما الآن فالأمر يتعلق وبحق بأن أكون جزءاً من التجربة الإسرائيلية”.
يمثل التغيير الجذري في نمط التصويت في شرقي القدس مرحلة أخرى في مسيرة اندماج الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي، وهي مسيرة طويلة الأمد. بدأت هذه المسيرة بعد بناء جدار الفصل العنصري، وتسارعت وتيرتها بعد زوال الأفق السياسي لتقسيم المدينة من خلال المفاوضات. وهي اليوم واضحة جداً في مجالات رئيسية. مثلاً، في مجال العمل، انخرط الفلسطينيون في مهن ومجالات جديدة تشمل الحماية والخدمات وقطاع الصحة والمواصلات العامة، وانخرطت النساء في سوق العمل. وفي مجال التعليم، يتعلم طلاب الصفوف الأول والسابع الجدد في التعليم الرسمي في شرقي القدس في هذه السنة، للمرة الأولى منذ العام 1967، حسب المنهاج الإسرائيلي بدلاً من المنهاج الفلسطيني. وتظهر هذه المسيرة بوضوح أيضاً في التعليم العالي، حيث شهدت معظم مؤسسات المدينة، بما في ذلك الجامعة العبرية والكليات، زيادة ملحوظة في عدد الطلاب الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.
نير حسون
هآرتس 29/10/2026