باريس- «القدس العربي»: مع اقتراب موعد تصويت مجلس الأمن الدولي على تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، تطرح مجلة «جون أفريك» الفرنسية خمسة أسئلة لفهم حسابات واشنطن ومآلات مشروع قرارها، الذي يستهدف تسريع تسوية النزاع وإعادة رسم دور البعثة الأممية، وسط خلافات لا تزال تعرقل التوصل إلى اتفاق بين الأطراف.
ففي 31 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2025، وضع القرار رقم 2797 الخطة المغربية للحكم الذاتي في صلب المفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع حول الصحراء الغربية. وبعد عام، تسعى واشنطن إلى تجاوز هذه المرحلة نحو خطوة أبعد، حيث يجعل مشروع القرار الأمريكي الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية «الحل الوحيد القابل للتطبيق»، ويحدد برنامجًا لتقليص الوجود العسكري الأممي بصورة كبيرة.
يجعل مشروع القرار الأمريكي الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية «الحل الوحيد القابل للتطبيق»، ويحدد برنامجا لتقليص الوجود العسكري الأممي بصورة كبيرة
وقبل أيام من انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، قد يجد دونالد ترامب في إحراز تقدم بشأن الصحراء فرصة لتقديم إنجاز دبلوماسي جديد.
لكن الرهان يتجاوز الحسابات الانتخابية، إذ قد يشكل النزاع اختبارًا لتصور ترامب بشأن منظمة أممية أقل ميلًا إلى تمديد بعثات حفظ السلام وأكثر توجهًا نحو تسريع التسويات السياسية. وحملت المسودة الأولية عنوان «الصحراء الغربية – المسودة الصفرية»، وصدرت في 20 أكتوبر/تشرين الأول، قبل تداولها بين أعضاء مجموعة أصدقاء الصحراء الغربية، التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا وإسبانيا.
أما النسخة الثانية، التي اطلعت عليها مجلة «جون أفريك»، فقد أدخلت بالفعل تعديلات على عدد من الصياغات الحاسمة. وبين طموحات واشنطن وتطلعات الرباط ومقاومة خصومها، تطرح خمسة أسئلة لفهم ما يجري قبل 31 تشرين الأول/ أكتوبر.
لماذا يريد ترامب تسريع الجدول الزمني؟
لا يقتصر المشروع الأمريكي على تجديد ولاية بعثة “مينورسو”، المنتشرة في الإقليم منذ عام 1991. بل ينص على خفض عدد الأفراد النظاميين المصرح بنشرهم بنسبة لا تقل عن 50% بحلول 31 كانون الثاني/ يناير عام 2027، وإنهاء ولاية حفظ السلام في 30 نيسان/ أبريل، ثم استبدال البعثة ببعثة سياسية خاصة حتى 31 تشرين الأول/ أكتوبر. بمعنى آخر، تحدد واشنطن جدولًا زمنيًا لتحويل طبيعة البعثة قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.
ويتعلق التغيير أيضًا بحرف واحد: حرف «R»، الذي يرمز إلى كلمة «Referendum» أي الاستفتاء، سيُحذف من اسم البعثة نفسها، لتصبح «مينوسو» (Minuso) وفق المشروع الأمريكي. وهذا ليس مجرد تغيير في الاختصار، بل يمثل محوًا رمزيًا لهدف أُدرج في الولاية الأصلية للبعثة عام 1991، لكنه لم يتحقق قط.
وتتمثل إحدى الغايات في إنهاء عملية سياسية ظلت متعثرة لعقود. أما على المستوى المؤسسي، فتسعى واشنطن إلى إثبات إمكانية إعادة هيكلة بعثة أممية وتقليص حجمها لخدمة المفاوضات، بدلًا من تجديد ولايتها بصورة آلية.
كما أن ديباجة المشروع تشيد بـ«القيادة» التي يتمتع بها دونالد ترامب، وهو أمر يمنح المبادرة طابعًا شخصيًا لافتًا. وقد توفر انتخابات التجديد النصفي القريبة فرصة لتسليط الضوء على هذه المبادرة، لكن ذلك لا يشكل دليلًا على أن الموعد الانتخابي هو الذي يحدد الاستراتيجية الأمريكية.
هل تسعى الرباط وواشنطن إلى الهدف نفسه تمامًا؟
من حيث المبدأ، يبدو التوافق بين الطرفين قويًا؛ فالولايات المتحدة تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وتريد جعل الحكم الذاتي الإطار الحصري للمفاوضات. لكن الاتفاق على الوجهة لا يعني الاتفاق على الطريق المؤدي إليها.
وتعطي واشنطن للسرعة وإعادة تنظيم الوجود الأممي، في حين تحتاج الرباط إلى ضمانات وترتيبات قوية بما يكفي لترسيخ الحكم الذاتي على المدى الطويل. وقد عكست تصريحات مسعد بولس، المستشار الخاص لدونالد ترامب للشؤون الإفريقية، خلال مقابلة مع قناة «فرانس 24» في 25 أيلول/ سبتمبر، هذه الفوارق الدقيقة. فمع تمسكه بالموقف الأمريكي، أقر بولس بأن التوصل إلى حل ليس وشيكًا، كما وصف الجزائر بأنها شريك مهم للولايات المتحدة. وهذا تذكير بأن واشنطن تريد أيضًا الحفاظ على قنوات الحوار مع الجزائر.
أقرّ مسعد بولس، مستشار ترامب للشؤون الإفريقية، بأن الحل ليس وشيكًا، مؤكدًا أهمية الجزائر شريكًا لواشنطن وضرورة إبقاء قنوات الحوار معها مفتوحة
والأهم أن المفاوضات، وفق ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، ما تزال بعيدة عن حسم التفاصيل. فبعد اجتماعات عقدت في واشنطن ومدريد، تناولت المناقشات إنشاء مجلس انتقالي، والضمانات الدولية، ونزع السلاح، وآليات تطبيق حكم ذاتي فعلي. ويشدد السفير المغربي السابق محمد لوليشكي، في دراسة حديثة نشرها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، على ضرورة توفير ضمانات ومواكبة مؤسسية. لكن هذه المقترحات تظل أفكارًا طرحها خبراء، ولا تمثل تنازلات رسمية أعلنتها الرباط. أما المشروع الأمريكي، فلا يقدم تفاصيل كثيرة بشأن هذه الآليات.
هل يستطيع مجلس الأمن تكريس السيادة المغربية؟
تقع الصياغات اللغوية في صميم المفاوضات؛ حيث تأخذ «المسودة الصفرية» علمًا بتزايد عدد الدول التي تعترف بالسيادة المغربية، وتؤكد أن الحكم الذاتي تحت هذه السيادة يمثل الحل الوحيد القابل للتطبيق. وقد يشكل ذلك مكسبًا سياسيًا محتملًا للرباط. غير أن الإشارة إلى اعتراف دول منفردة بالسيادة المغربية لا تعني أن مجلس الأمن نفسه قد اعترف قانونيًا بهذه السيادة.
وفي نسخة أخرى من المشروع، اطلعت عليها مجلة «جون أفريك»، استُبدلت الإشارة إلى الدول التي تعترف بالسيادة المغربية بعبارة «الدعم المتزايد للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية». كما أُضيف توضيح ينص على ضرورة أن يقوم الحل على موافقة الأطراف واحترام ميثاق الأمم المتحدة. وتكشف هذه التعديلات مدى أهمية الكلمات القليلة في تحديد الأثر السياسي والقانوني للنص. ومع ذلك، لا يزال مصدر هذه التعديلات وتسلسلها الزمني الدقيق بحاجة إلى التحقق.
وبالتالي، فإن السؤال لا يتمثل فقط في معرفة ما إذا كانت واشنطن تريد الذهاب إلى أبعد مما وصل إليه القرار 2797، بل أيضًا في تحديد المدى الذي سيقبل بقية أعضاء مجلس الأمن السير فيه معها. وتملك روسيا والصين، على وجه الخصوص، حق النقض «الفيتو». ولذلك، لا يتحول المشروع الأمريكي إلى قرار أممي بمجرد رغبة الدولة التي تقدمت به. أما الدول العشر الأخرى التي يُنتظر أن تصوت، فهي: البحرين، وكولومبيا، والدنمارك، واليونان، ولاتفيا، وليبيريا، وباكستان، وبنما، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال. وقد أعلنت ست دول من بينها رسميًا دعمها للخطة المغربية.
من سيمثل الصحراويين في المشاورات؟
يمثل هذا الجانب أحد أقل التغييرات إثارة للانتباه من الناحية الشكلية، لكنه من أكثرها حساسية من الناحية السياسية. فالمشروع يطلب من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، التشاور مع طيف واسع من المحاورين الصحراويين، يشمل سكان الإقليم، واللاجئين في المخيمات، وأفراد الجاليات الصحراوية في الخارج، بما في ذلك أشخاص لا ينتمون إلى الأطراف المشاركة في المفاوضات.
وقد يتيح هذا الانفتاح فرصة لحركة الصحراويين من أجل السلام (MSP)، وهي حركة منشقة عن جبهة البوليساريو، إذ استقبل مايك والتز وفدًا منها في نيويورك في أواخر يونيو، ثم التقى الوفد عددًا من الدبلوماسيين، من بينهم دبلوماسيون فرنسيون وبريطانيون.
توسيع دائرة المشاورات لا يحسم مسألة الموافقة الشعبية
وتطالب الحركة بالحصول على مكان في العملية السياسية، كما تعترض على احتكار جبهة البوليساريو تمثيل الصحراويين. لكن توسيع دائرة المشاورات لا يحسم مسألة الموافقة الشعبية. ففي تقريره الصادر في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على ضرورة إجراء مشاورات حقيقية وذات مغزى مع السكان المعنيين، وتوفير ضمانات قوية تتيح تحقيق حكم ذاتي فعلي.
غير أن المشروع الأمريكي لا يحدد آلية الموافقة على الاتفاق النهائي، ولا يوضح الهيئة الناخبة التي قد يُعتمد عليها في حال تقرر إجراء تصويت. فالتشاور مع عدد أكبر من الصحراويين لا يعادل تحديد الكيفية التي سيُعبّرون بها عن موافقتهم أو رفضهم. وهناك بند آخر قد تترتب عليه عواقب مهمة، إذ يطلب المشروع تسجيل اللاجئين في مخيمات تندوف لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خلال ستة أشهر.
وستؤثر هذه العملية في ملف المساعدات الإنسانية، كما ستلامس مسألة سياسية شديدة الحساسية، وهي: من هم الأشخاص الذين ينبغي احتسابهم ضمن السكان المعنيين بتسوية النزاع؟. ومن دون تعاون الجزائر، التي تستضيف المخيمات على أراضيها، سيكون تحقيق هذا الهدف صعبًا.
هل تستطيع جبهة البوليساريو عرقلة الاستراتيجية الأمريكية؟
في رسالة مؤرخة في 22 تشرين الأول/ أكتوبر وموجهة إلى مجلس الأمن، هددت جبهة البوليساريو بالانسحاب من عملية السلام إذا اعتُمد المشروع من دون إدخال تعديلات جوهرية عليه. وترفض الجبهة فرض حل محدد سلفًا، كما تعترض على توسيع المشاورات لتشمل محاورين من خارج الأطراف المشاركة في المفاوضات.
يكشف هذا التحذير مفارقة المشروع الأمريكي: فكلما تم تضييق إطار الحل ليتمحور حول الحكم الذاتي، ازدادت صعوبة الحصول على موافقة الأطراف التي ترفض هذا الخيار. وتنص واشنطن على إمكانية أن ينظر مجلس الأمن في اتخاذ «تدابير أخرى» إذا لم تُبد الأطراف التزامًا بنّاءً بالعملية السياسية.
وتمثل هذه العبارة وسيلة للضغط السياسي، لكنها لا تعادل اتخاذ قرار بفرض عقوبات. كما أن غياب جبهة البوليساريو عن طاولة المفاوضات لن يؤدي إلى اختفاء الأسئلة المتعلقة بنزع السلاح، وعودة اللاجئين، والأمن، وقبول الوضع النهائي للإقليم.
تمتلك الجزائر أوراق ضغط مهمة، مستمدة من علاقاتها بجبهة البوليساريو، واستضافتها مخيمات اللاجئين الصحراويين، فضلاً عن علاقاتها مع روسيا والصين، اللتين يمكنهما التأثير في صياغة القرار
وتحتفظ الجزائر بأوراق ضغط مهمة في هذا الملف، بفضل دورها في علاقتها بجبهة البوليساريو، واستضافتها مخيمات اللاجئين، وعلاقاتها مع عدد من أعضاء مجلس الأمن. ومن جانبها، تستطيع روسيا والصين التأثير في صياغة القرار.
وسيُظهر تصويت 31 تشرين الأول/ أكتوبر إلى أي مدى ستنجح واشنطن في تغيير الإطار الذي تدير الأمم المتحدة من خلاله هذا النزاع. لكن تحويل هذا التغيير إلى اتفاق دائم سيتطلب تحقيق انتصار من نوع آخر، يتمثل في إقناع الأطراف المعنية بقبول الاتفاق وتنفيذه على أرض الواقع، تختتم «جون أفريك».