في واشنطن… حالة إحباط من نتائج الانتخابات الإسرائيلية واستمرار “الإجهاد” من نتنياهو


لندن- “القدس العربي”: وصفت مجلة “بوليتيكو” في تقرير أعدته دانييلا تشيسلو، نتائج الانتخابات الإسرائيلية غير الحاسمة بأنها محبطة للمسؤولين في واشنطن، حيث كان الكثيرون منهم يتطلعون لطي صفحة بنيامين نتنياهو السياسية.

فقد أدى الجمود الانتخابي في إسرائيل إلى تبديد الآمال في واشنطن بإعادة ضبط سريعة للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وهو تحالف تدهور عبر الانقسامات الحزبية خلال فترة حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الطويلة.

ورغم الدعم العلني الذي أبداه الرئيس دونالد ترامب لنتنياهو، كانت معسكرات في الإدارة الأمريكية وكلا الحزبين في الكونغرس تأمل في انتصار المعارضة الإسرائيلية وبدء إصلاح لسنوات من تدهور العلاقات التي يعزونها إلى نتنياهو.

ووصف مسؤول سابق في إدارة ترامب، المزاج السائد في واشنطن عقب إعلان النتائج: “ستكون هذه فرصة لوقف نزيف التوتر من خلال حكم إسرائيل بطريقة أقل استفزازا” و”هناك تعب من نتنياهو هنا”.

وقالت المجلة إن منتقدي حكومة نتنياهو في واشنطن هم من كل الأطياف السياسية: الديمقراطيون، المعتدلون والتقدميون منهم، وكبار مسؤولي ترامب مثل نائب الرئيس جيه دي فانس وبعض قواعد حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (ماغا) التي تمقت الحروب الامريكية في الخارج.

وعلى الرغم من وجود حلفاء لنتنياهو داخل الكونغرس، مثل السناتور الجمهوري عن تكساس، تيد كروز، والذي يترأس لجنة الشؤون التجارية بمجلس الشيوخ، والسناتور الديمقراطي عن بنسلفانيا، جون فيترمان، إلا أن الانتقادات الموجهة إليه كانت شديدة.

فقد جادل السناتور الديمقراطي عن كونيتيكت، كريس ميرفي بأن نتنياهو يمثل عقبة رئيسية أمام انسحاب الولايات المتحدة من الحرب الإيرانية.

وقال ميرفي في فعالية نظمها معهد الشرق الأوسط يوم الأربعاء: “إذا أُعيد انتخابه، فسيظل صوته مؤثرا في أذن ترامب لمواصلة السعي لتغيير النظام” في إيران.

وتعني نتائج الإنتخابات الإسرائيلية غير الحاسمة، والتي سيكون فيها حزب نتنياهو الأكبر داخل الكنيست، مع أن ائتلافه خسر أغلبيته المطلقة، أن المفاوضات على تشكيل الحكومة قد تستغرف أسابيع أو أشهرا. وسيكون نتنياهو صاحب القرار في إسرائيل مع دخول الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي الأسبوع المقبل، وقد يحافظ على السلطة لفترة طويلة بعد ذلك.

وأضافت المجلة أن نتنياهو الذي حكم بشكل متقطع منذ منتصف التسعينيات، بات رمزا للعديد من سياسات إسرائيل غير الشعبية لدى الناخبين الأمريكيين. وتشمل هذه السياسات حملته التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 74,000 فلسطيني في غزة ردا على هجوم حماس عام 2023، بالإضافة إلى رفضه خطة ترامب لنزع سلاح حماس في غزة وتشجيعه الولايات المتحدة على خوض حرب مع إيران. وقد أكد ترامب يوم الأربعاء دعمه لنتنياهو، زاعما أن دعمه ساعده على تجنب هزيمة ساحقة.

ونقل عن  ماثيو بارتليت، الذي عمل في وزارة الخارجية خلال إدارة ترامب الأولى، قوله إن الجمهوريين منقسمون بشأن إسرائيل وإن ترامب نفسه عبر عن هذا الانقسام. وأضاف: “في يوم من الأيام، يتحدث علنا عن عدائه ومحادثاته الحادة مع نتنياهو، بما في ذلك استخدام ألفاظ نابية، وفي اليوم التالي، يتحدث عن العلاقة وينخرط في هجمات عسكرية.. هذه شيزوفرينيا” أو انفصام بالشخصية. ووفقا لمسؤول سابق في البيت الأبيض لا يزال على اتصال بدائرة ترامب المقربة، فإن تأييد ترامب لنتنياهو نابع من علاقاتهما الشخصية واعتبارات تكتيكية.

وقال المسؤول السابق، مستخدما لقبا لنتنياهو: “إن تأييد بيبي يضمن استمرارية العلاقات والصداقة إذا ما خالف الليكود التوقعات مرة أخرى. وإذا ما تولى آيزنكوت أو أي شخص جديد الرئاسة، فسيكونون في أمس الحاجة إلى الرئيس لتقديمهم إلى أمريكا والعالم”.

من جانبهم، يأمل الجمهوريون الداعمون لإسرائيل، بتغيير في الحكومة الإسرائيلية بدلا من الإطاحة الكاملة بنتنياهو. وقد يشمل ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية تستبعد أكثر القادة الإسرائيليين تطرفا في حكومة نتنياهو الحالية، وهما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وذلك على حد قول مسؤول سابق في البيت الأبيض، مشيرا إلى كلا الوزيرين “إنهما يصعبان الأمور”، حيث سرع سموتريتش بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، بينما أمر بن غفير بفرض ظروف قاسية على الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية. ودعا كلاهما إلى “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من قطاع غزة.

وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن نتنياهو طرح فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية على البيت الأبيض، إلا أن آيزنكوت رفض الاقتراح.

وقال مسؤول سابق آخر عمل في إدارة ترامب الأولى إن البيت الأبيض كان على الأرجح يرغب في حكومة إسرائيلية “أكثر انصياعا” من حكومة نتنياهو الحالية، مشيرا إلى أن “وجود سموتريتش وبن غفير في الحكومة من شأنه أن يقوض تقريبا كل رؤى ترامب حول كيفية تحقيق النصر في ملف السلام في الشرق الأوسط”. وأوضح المصدر أن هذه المشكلة يمكن حلها حتى مع بقاء نتنياهو في السلطة.

وفي الجانب الديمقراطي، حاول المشرعون توحيد الحزب حول فكرة أن نتنياهو هو المشكلة في سلوك إسرائيل، فالسناتور الديمقراطي عن نيويورك وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تحول لناقد شديد لإسرائيل، ولكن بدون قطع الدعم العسكري عنها. وقد بات من الصعب التفريق في الولايات المتحدة بين سلوك نتنياهو وإسرائيل، حيث علق السفير الأمريكي السابق في إسرائيل دان شابيرو، بالقول إن “تراجع مكانة إسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي واضح في جميع استطلاعات الرأي، وفي جميع الفئات الديموغرافية. وينطبق هذا بشكل خاص على الشباب ويرتبط جزء كبير من هذه السلبية بنتنياهو”.

وكان استطلاع لبوليتيكو قد كشف أن معظم الأمريكيين لا يهتمون كثيرا بانتخابات إسرائيل أو حتى يجهلون انعقادها، وبالتالي لا تعتبر عاملا مهما في قراراتهم الانتخابية. وأظهر الاستطلاع، الذي شمل نحو 2000 مشارك، عدم وجود زعيم إسرائيلي بارز من شأنه تعزيز الدعم السياسي لإسرائيل في الولايات المتحدة، وأن نحو نصف المشاركين يرون أن الحملة الإسرائيلية في غزة غير مبررة أو تجاوزت الحد.

وقال موقع تاكر كارلسون على التواصل الاجتماعي ساخرا يوم الأربعاء: “لم يظهر فائز واضح في الانتخابات الإسرائيلية، مما يجعل دونالد ترامب عضوا سيقضي العامين المقبلين في خدمة إسرائيل”.

وفي مؤشر على مدى تطلع الكثيرين من اليسار إلى فوز ساحق للمعارضة، أعلنت جماعة “جيه ستريت” الليبرالية التي انتقد رئيسها، جيريمي بن عامي، بشدة تصرفات نتنياهو في قطاع غزة والضفة الغربية، فوزا “لا لبس فيه” للمعارضة استنادا فقط إلى استطلاعات الرأي الأولية التي أجريت يوم الثلاثاء، والتي أظهرت حصول كتلة آيزنكوت على أغلبية واضحة، وهذا ما أدى إلى تبدد كل شيء بين عشية وضحاها.

وعند سؤاله عن النتائج، أكد إيلان غولدنبرغ، كبير مسؤولي السياسات في منظمة “جيه ستريت” والمستشار السابق لكامالا هاريس، أن الأولوية لمن يرغبون في التغيير في إسرائيل هي رحيل نتنياهو. وقال: “لن يتغير شيء إيجابي فيما يتعلق بالمصالح الأمريكية الكبرى والسلوك الإسرائيلي في الشرق الأوسط طالما أن نتنياهو رئيس للوزراء” و”إذا أُقيل، فستظل هناك خلافات مع الحكومة الجديدة، لكنها ستكون خطوة في الاتجاه الصحيح”.

وهناك مخاوف داخل الحزب الجمهوري، الذي يواجه أيضا شريحة كبيرة من الناخبين الشباب المنتقدين لإسرائيل، من أن يؤدي بقاء نتنياهو في السلطة إلى تفاقم هذه الانقسامات. وقال موظف سابق في مجلس النواب الجمهوري، متحدثا عن مُقدمي البودكاست المحافظين: “نتنياهو هدف سهل للمؤثرين وهذا يمثل ما يحدث في الشرق الأوسط الذي يثير استياءهم”. ومع ذلك، أشار الموظف السابق إلى أن هذا قد لا يترجم إلى تغييرات فورية من جانب المشرعين الجمهوريين، الذين استقبلوا حتى الآن انتقادات إسرائيل بتجاهل تام.

ولكن مسؤولين مهمين مثل نائب الرئيس جيه دي فانس انتقدوا إسرائيل، حيث قال إنها لم تعد تملك تقريبا أي أصدقاء في العالم، ودافع عن مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران كانت إسرائيل قد انتقدتها بشدة.

والجدير بالذكر أنه امتنع عن تأييد نتنياهو، مع أنه أكد أنه قرر ببساطة عدم التدخل. وقال بارتليت، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب: “هناك انقسام هائل” حول إسرائيل داخل الحزب الجمهوري.

وتحظى شخصية آيزنكوت الصارمة، التي تشكلت على مدى أربعة عقود في الخدمة العسكرية، بما في ذلك عمله كرئيس أركان الجيش السابق لنتنياهو، بإعجاب بعض الأمريكيين ذوي الخبرة في المنطقة، مع أن حكومة برئاسة آيزنكوت لن تعيد بالضرورة لإسرائيل مكانتها المتدهورة في الولايات المتحدة.

ورغم تعهده بقمع عنف المستوطنين في الضفة الغربية ودعم تنفيذ خطة ترامب للسلام في غزة، إلا أن آيزنكوت  استبعد قيام دولة فلسطينية ووعد بتفكيك حكم حماس خلال 18 شهرا. وذكر الناخبين بأنه فقد ابنه وابني أخيه على يد حماس في غزة، وقال: “لا أحد في دولة إسرائيل يرغب في تدميرهم أكثر مني”.

وعلق حسن بايكر، وهو مذيع ومعلق ليبرالي مؤثر على منصة “تويتش”: “يريد الديمقراطيون المعتدلون والصهاينة الليبراليون أن تكون إسرائيل شيئا مختلفا عما هي عليه. تكمن مشكلة إسرائيل في نظام الفصل العنصري والاحتلال والإبادة الجماعية ولا أعتقد أن السياسات الإسرائيلية ستتغير جذريا بمجرد خروج نتنياهو من منصبه”.

وفي إسرائيل، قد يكون للوضع السياسي المعلق آثار بالغة على المنطقة. وترى شيرا إيفرون، الخبيرة السياسية الإسرائيلية في مؤسسة “راند”، والتي قدمت المشورة لوزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي الإسرائيليين، أن نتنياهو قد يلجأ إلى قصف إيران في إطار مساعيه للبقاء في السلطة. وتضيف: “لا يقتصر الأمر على عرقلة تشكيل الائتلافات المختلفة، بل يهدف أيضا إلى إجبارها على تشكيل حكومة وحدة وطنية”.

وقد تسفر مفاوضات تشكيل الائتلاف أيضا عن تغييرات محتملة للفلسطينيين. إذ من المتوقع أن تحصد الأحزاب التي يقودها الفلسطينيون، وهم الأقلية الفلسطينية التي تُشكل 20% من سكان إسرائيل، رقما قياسيا بلغ 19 مقعدا في الكنيست بشكل يجعلهم صانعي القرار في ائتلاف آيزنكوت. وقد استبعد نتنياهو وبعض حلفاء آيزنكوت ائتلافا مع أحزاب عربية، على الرغم من أن زعيم المعارضة نفسه لم يستبعد هذا الاحتمال.

وتقول زها حسن، التي قدمت المشورة لفريق التفاوض الفلسطيني، وهي الآن زميلة في وقفية كارنيغي للسلام الدولي: “في نهاية المطاف، لن تتغير الأمور إلا بشكل طفيف بالنسبة للفلسطينيين” في ظل حكومة معارضة. “لكن هذا ليس بالأمر الهين في ضوء الأهوال التي يعيشها البعض في غزة والضفة الغربية”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *