الأردن يدفع ثمن حرب لم يشعلها!


في الحروب، لا تتوزع الخسائر بقدر ما تتوزع المسؤوليات؛ فهناك من يتخذ قرار الحرب، وهناك من يدفع ثمنها، من دون أن يكون شريكاً في القرار أو قادراً على منع تبعاته. والأردن أحد هؤلاء. لم يختر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ولم يكن طرفاً في إشعالها، ودعا دائما لضبط النفس، لكنه وجد نفسه في مواجهة تداعياتها المباشرة: صواريخ ومسيّرات تخترق أجواءه، ومخاطر أمنية تتجاوز حدوده، واقتصاد يتحمل كلفة حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، لكنه لا يملك ترف تجنّب آثارها.
وهذه ليست المرة الأولى، بل تحمل الأردن تبعات قرارات للحرب لم يتخذها مرارا. لن أعود بالتاريخ لأكثر من خمسة عشر عاما وإلا سأفقد المغزى من هذا المقال وأنا أسرد التاريخ فقط. فمنذ 2011 يعيش الأردن سلسلة متصلة من الأزمات الإقليمية، تبدأ كل منها قبل أن يلتقط أنفاسه من سابقتها. بدأت مع الربيع العربي، حين تعرض أنبوب الغاز المصري في سيناء لسلسلة اعتداءات، وكان ذلك الغاز يولّد أكثر من 90% من كهرباء المملكة، فاضطر الأردن إلى شراء الوقود البديل بأسعار السوق العالمية، وارتفعت ديون شركة الكهرباء الوطنية، التي تحملت هذا الفرق في الأسعار لتصل نحو 5.5 مليار دينار، وما زالت تحملها وتعتبر عبئا على المديونية العامة.
ثم جاءت الأزمة السورية، فأُغلقت الحدود وخسر الأردن طريق تجارته إلى تركيا ولبنان وأسواق التصدير والاستثمارات في سوريا، واستقبل أعداداً هائلة من اللاجئين، تقدّرها الحكومة بنحو 1.3 مليون، كان لكلفة استضافتهم المباشرة أثراً كبيراً على المديونية العامة..
وارتفع الطلب على المياه والطاقة والصرف الصحي في مناطق تمركز اللاجئين، فبات على البنية التحتية أن تتوسع أكثر مما تحتمل. ثم اندلعت حرب غزة، فأعادت معها صدمة القطاع السياحي وأضعفت الاستثمار، في وقت لم يكن الاقتصاد قد استعاد توازنه بعد من تبعات جائحة كورونا. وهكذا تتابعت الأزمات على الأردن من دون أن تتاح له فرصة لالتقاط أنفاسه. ثم جاءت الحرب الأخيرة على إيران لتضيف حلقة أخرى إلى سلسلة متصلة من الصدمات.
ونتيجة هذا التتابع واضحة، فكل صدمة تستنزف جزءاً من الاحتياطيات، وتضيف عبئاً إلى الدين، وتضيّق هامش المناورة الذي يحتاجه أي اقتصاد صغير ليتعامل مع الأزمة التالية. وما يزيد الأمر قسوة أن الأردن اعتمد في تجاوز كل مرحلة على تحمل المجتمع الدولي لتبعات حروب لم يبدأها، وهو اعتماد لا يمكن أن يستمر بلا حدود، ولا شك بأن الطاقة كانت في قلب هذه الأزمات منذ البداية: فمن انقطاع الغاز المصري بسبب التفجيرات المتتالية لأنبوب الغاز عام 2011 إلى انقطاع غاز ليفياثان عام 2026، يتكرر السيناريو نفسه، وتتكرر معه الكلفة والمديونية وارتفاع الأسعار والكلف بشكل عام وكل تبعاتها. ومن هنا، فإن أول ما تكشفه هذه الحرب، كما كشفته سابقاتها، هشاشة الاعتماد على الخارج في الطاقة. فالأردن يعتمد على استيراد الطاقة، وحين بدأت العمليات العسكرية توقف تدفق غاز ليفياثان، الذي يعتمد عليه في توليد قرابة 60% من الكهرباء، ولم تعد الإمدادات إلا بعد 33 يوماً. وفي تلك الفترة اضطر النظام الكهربائي إلى بدائل أغلى كالديزل والغاز المسال، فبلغت الكلفة الإضافية، وفق هيئة تنظيم قطاع الطاقة، ما يصل إلى 100 مليون دينار في الشهر.

الاقتصاد الذي يصمد في كل أزمة يفعل ذلك من رصيده، والرصيد لا يتجدد إذا لم تتح له فرصة لالتقاط أنفاسه. ومن هنا فإن ما أثبته الأردن من قدرة على الصمود يجب أن يكون دافعاً لتعزيزها، لا ترك البلد يتحمل الفاتورة وحده

لكن هذا الرقم لا يروي إلا جزءاً من الحكاية. فالأزمة طالت أيضاً أسعار المحروقات التي ارتفعت عالميا كما محليا، وقررت الحكومة منذ البداية ألا تحمّل المواطن والقطاعات الإنتاجية كامل الكلفة، وحسبما أعلنته الحكومة، بلغ مجموع الدعم وفروقات الأسعار التي تحملتها الحكومة منذ بداية الأزمة حتى نهاية سبتمبر نحو 255 مليون دينار، وتواصل الحكومة هذا النهج حتى الآن.
وثمة دعم ثالث أقل ظهوراً للمستهلكين، يتحمله قطاع الكهرباء، فسعر الغاز المستورد، حسب العقود المبرمة، مرتبط بسعر خام برنت، وهذا السعر لم يتوقف عن الارتفاع حتى اليوم. ومع ذلك لم تنعكس هذه الزيادة على التعرفة الكهربائية، والنتيجة أن الفارق بين كلفة الغاز الحقيقية وسعر بيع الكهرباء للمستهلك لا يختفي، بل تتحمله الحكومة ممثلة بشركة الكهرباء الوطنية، التي كانت تحمل أعباء مالية كبيرة قبل الحرب. وهذا دعم فعلي، وإن لم يظهر في بند موازنة واضح، ويُضاف إلى الدعمين السابقين: دعم محروقات صريح، وكلفة بدائل التوليد خلال انقطاع الغاز.
هذه السياسة مفهومة ومبررة اجتماعياً، فرفع الأسعار بالكامل في اقتصاد تتجاوز فيه البطالة 22% ويعاني نموا بطيئا منذ 2010 قد يهز الاستقرار الاجتماعي، لكن لها ثمناً يجب أن يُقال بوضوح: عجز أكبر، ودين أعلى، وقدرة أقل على الاستثمار في مشاريع تحصّن الأردن من الصدمة القادمة، فالدولة تدفع اليوم من جيبها ثمن حرب لم تخترها، وتفعل ذلك من دون أن تحمّل المواطنين العبء كله.
وفي السياحة، لا تقل الصورة قسوة، فالقطاع يسهم بنحو 14% من الاقتصاد، ويوفر قرابة 60 ألف وظيفة مباشرة ويرفد دخل نحو 300 ألف آخرين. وقد تراجعت إيراداته في شهر مارس عام 2026 بنحو 23% وتوالى الانخفاض. فالمشكلة أن العالم يرى الأردن جزءاً من منطقة تشتعل، وإن كان هو في الواقع آمناً. أما ميناء العقبة فقد برز بديلاً لوجستياً مع تعطل هرمز، وسجّل ميناء الحاويات قفزة في حجم البضائع. لكن هذا الدور ليس مكسباً خالصاً: فقد ارتفعت كلفة شحن الحاوية من شرق آسيا إلى العقبة من 1500 إلى 6000 دولار في بداية الحرب، ونشأت اختناقات في الميناء وعند المعابر البرية، كما أن العقبة نفسها تعرضت للاستهداف بسبب موقعها الاستراتيجي، فالموقع الذي يرفع من الأهمية الاستراتيجية للأردن، يرفع معه الثمن الذي يدفعه. وكل ذلك يقع فوق اقتصاد لم يكن في أفضل أحواله، فقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو 2026 إلى 2.7% بعد أن كانت 3% قبل الحرب، وحذّر من أن طول أمد الحرب سيعني أثراً أكبر. ورغم كل ذلك استجابت الحكومة بحزمة تحفيز بقيمة 760 مليون دينار، وحافظت على تضخم قرب 2%، وهذا إنجاز يُحسب لها، يسعى لزيادة المنعة وحماية الاقتصاد، لكنه إنجاز مدفوع الثمن من الخزينة، والاحتياطيات تُستنزف، حين تتوالى الأزمات ومن دون وجود فرصة لأن يلتقط الاقتصاد أنفاسه ويجدد احتياطاته.
مع كل ما سبق، فإن الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى أن الأردن، رغم هذه السلسلة من الصدمات، أظهر منعة واضحة على مستوى الدولة والاقتصاد معا. فخلال 33 يوما من انقطاع الغاز، واصل النظام الكهربائي تزويد المواطنين والقطاعات الإنتاجية عبر بدائل مرنة، من دون انقطاعات تُذكر. وحافظت الحكومة على تضخم قرب 2%، وأطلقت حزمة تحفيز بقيمة 760 مليون دينار، وتحملت جزءاً كبيراً من الكلفة حمايةً للمواطن. ولا يزال صندوق النقد الدولي يتوقع نمواً إيجابياً لعام 2026 رغم خفضه، فيما برز ميناء العقبة بديلاً لوجستياً في لحظة اضطراب الممرات البحرية. وهذه المنعة ليست وليدة اللحظة، فهي نتاج استقرار سياسي وأمني ممتد، ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، وخبرة متراكمة في التعامل مع الصدمات الإقليمية منذ 2011. لكن المنعة لا تعني أن الكلفة غير موجودة، ولا أن قدرة التحمل بلا سقف، فالاقتصاد الذي يصمد في كل أزمة يفعل ذلك من رصيده، والرصيد لا يتجدد إذا لم تتح له فرصة لالتقاط أنفاسه. ومن هنا فإن ما أثبته الأردن من قدرة على الصمود يجب أن يكون دافعاً لتعزيزها، لا مبرراً لترك البلد يتحمل الفاتورة وحده. الأردن لا يستطيع اختيار جيرانه ولا حروبهم، لكنه يستطيع تقليل انكشافه، وأول الخطوات تنويع مصادر الغاز والكهرباء، فقد أثبتت الأزمة خطر الاعتماد على مصدر واحد: تسريع تطوير حقل الريشة، الربط مع شبكات الكهرباء في الدول المجاورة والقادرة على تزويد الأردن بالكهرباء، التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة مع التخزين، عدم الاعتماد على عقد واحد لشراء الغاز والابقاء على خيار استيراد الغاز المسال عبر العقبة. وثانيها إعادة النظر في آلية تسعير الكهرباء بما يوازن بين حماية المستهلك واستدامة شركة الكهرباء الوطنية، فدعم مستتر يتراكم في ميزانية الشركة يؤجل المشكلة ولا يحلها. وثالثها تنويع طرق الإمدادات لمصادر الطاقة، وعدم الاعتماد على ميناء العقبة وحده، وما يتبع ذلك من أنابيب نفط وأنابيب غاز وفتح البدائل عبر الممرات البرية. ورابعها توثيق الكلفة بدقة: ما تحملته الخزينة من دعم المحروقات، وما تحملته الشركة من فروقات الغاز، وما فقدته السياحة، وما أضافته المخاطر إلى التأمين والشحن. جميع هذه الكلف بأرقام دقيقة هي أساس أي نقاش جاد مع الشركاء.
وأخيرا يجب أن يتحول الدور الذي يؤديه الأردن إلى استحقاق دولي، فبلد يتحمل جانباً من كلفة الاستقرار الإقليمي، ويُنظر إليه بوصفه ركيزة أمن في منطقة مضطربة، ينبغي أن لا يُترك ليواجه الفاتورة وحده. فهناك العديد من الأدوات المتاحة: منح وتمويل ميسر، وتخفيف أعباء الدين، وبرامج دعم مخصصة لتداعيات هذه الحرب. وتستحق الدول التي لم تُشعل النار الإنصاف والذي يقتضي بدوره أن يعرف العالم كلفة الصمود وكلفة المساهمة في استقرار الإقليم وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل على الأقل جزءا من هذه الكلف.
*وزيرة الطاقة والثروة المعدنية سابقاً في المملكة الأردنية الهاشمية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *