باريس – “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن إسرائيل تستيقظ، في أعقاب انتخابات تشريعية حاسمة، على مشهد سياسي بالغ التعقيد، في ظل عجز المعسكرين الرئيسيين عن حصد أغلبية برلمانية تتيح تشكيل حكومة جديدة، رغم تراجع معسكر بنيامين نتنياهو.
وأخفقت المعارضة، بقيادة غادي آيزنكوت، بدورها في إزاحة حزب الليكود من صدارة المشهد السياسي، فيما حققت الأحزاب العربية اختراقا تاريخيا قد يجعلها طرفا حاسما في أي ترتيبات حكومية مقبلة، لتدخل البلاد مرحلة من الغموض السياسي قد تمتد لأسابيع أو أشهر.
نادرا ما تسفر انتخابات عن هذا العدد من الخاسرين مقابل هذا العدد المحدود من الفائزين. فبعد يوم من اقتراع شهد نسبة مشاركة مرتفعة بلغت 77.7%، تستيقظ إسرائيل، الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول، على احتمال دخول البلاد مرحلة لا تتوافر فيها أغلبية برلمانية واضحة، ولا تلوح فيها إمكانية تشكيل حكومة مستقرة.
مُني الائتلاف الحاكم، الذي يتولى السلطة منذ عام 2022، بهزيمة حسابية، إذ تراجع عدد مقاعده من 64 مقعدا قبل أربع سنوات إلى ما بين 54 و56 مقعدا، وفقا لاستطلاعات الرأي المحدّثة
فقد مُني الائتلاف الحاكم، الذي يتولى السلطة منذ عام 2022، بهزيمة حسابية، إذ تراجع عدد مقاعده من 64 مقعدا قبل أربع سنوات إلى ما بين 54 و56 مقعدا، وفقا لاستطلاعات الرأي المحدّثة التي نُشرت حتى فجر الأربعاء. غير أن معسكر المعارضة أخفق بدوره في تحقيق هدفه، إذ يُرجّح أن يحصل على نحو خمسين مقعدا فقط، من دون أن يتمكن من إزاحة حزب الليكود من الصدارة، وبالتالي الإطاحة بزعيمه بنيامين نتنياهو.
ومع ذلك، تظل هذه الصورة السياسية مؤقتة. فعلى الرغم من تقدم عمليات الفرز خلال الليل، مع احتساب نحو ثلث الأصوات، لن تُعرف النتائج النهائية إلا يوم الأربعاء، وربما الخميس، بعد جمع جميع بطاقات الاقتراع وفرزها.
أما الفائزون الوحيدون في هذه الانتخابات فهم الأحزاب العربية. فبفضل الارتفاع الكبير في نسبة المشاركة في المدن التي تقطنها غالبية من العرب الإسرائيليين، الذين يُشار إليهم أيضا باسم فلسطينيي الداخل، قد تحصل القائمتان العربيتان على ما لا يقل عن 18 مقعدا، أي ما يقارب ضعف ما حققتاه في انتخابات عام 2022.
وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، يقترب تمثيل العرب السياسي من نسبتهم الفعلية بين الناخبين، التي تبلغ 18%، وهو ما يخلّ بالتوازنات السياسية، إذ لم يعد بإمكان أي من الائتلافين الحاليين تشكيل حكومة من دون موافقتهم. وقال منصور عباس، زعيم حزب “راعم”، أحد الحزبين العربيين: “إن الرقم اللافت لمشاركة المجتمع العربي في الانتخابات يعكس شعورا باليأس والإحباط تحوّل إلى أمل”.
نتنياهو في مأزق حسابي
يتمثل الاستنتاج الأول، من الناحية الحسابية، في أن بنيامين نتنياهو لن يتمكن، وفق موازين القوى الحالية، من تشكيل حكومة بالاعتماد على حلفائه الحاليين، رغم أن نتائج معسكره جاءت أفضل مما كان متوقعا.
وبإمكان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تكليفه بتشكيل ائتلاف حكومي جديد خلال نحو اثني عشر يوما، وفق الجدول الزمني القانوني، على أن يستند هذا الائتلاف إلى اليمين المتطرف، الذي صمد نسبيا في الانتخابات، بحصوله على نحو اثني عشر مقعدا، مقابل 14 مقعدا في عام 2022.
لكن نتنياهو لن تتوافر له، في هذه الحالة، سوى فرص محدودة للحصول على ثقة الكنيست، إذ يُتوقع أن يمتلك خصومه، من الأحزاب الصهيونية من جهة والأحزاب العربية من جهة أخرى، نحو 70 مقعدا من أصل 120. وأكد رئيس الوزراء أمام أنصاره المجتمعين في القدس: “علينا تشكيل حكومة يمينية قوية”.
لمح إسحاق هرتسوغ، قبل الاقتراع، إلى أنه سيدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أحزابا من كلا المعسكرين، مثل حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحزب “ياشار” بقيادة غادي آيزنكوت، أو إلى ائتلاف يجمع حزب رئيس الوزراء بحزبَي نفتالي بينيت أو أفيغدور ليبرمان
ومع ذلك، لا شيء يمنع، في هذه المرحلة الجديدة تماما التي تلي التصويت، إعادة تشكيل التحالفات التي أُعلنت قبل الانتخابات. فقد لمح إسحاق هرتسوغ، قبل الاقتراع، إلى أنه سيدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أحزابا من كلا المعسكرين، مثل حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحزب “ياشار” بقيادة غادي آيزنكوت، أو إلى ائتلاف يجمع حزب رئيس الوزراء بحزبَي نفتالي بينيت أو أفيغدور ليبرمان، وهما أيضا من قوى المعارضة.
وكان الرئيس الإسرائيلي قد قال في مطلع أكتوبر/تشرين الأول: “أبذل كل ما في وسعي لكي تحظى إسرائيل بحكومة مستقرة. لكنني سأقول أكثر من ذلك: سأبذل كل ما في وسعي، فعلا كل ما في وسعي، لمنع إجراء انتخابات جديدة بصورة متكررة”.
حالة من عدم اليقين
كان غادي آيزنكوت قد رفض فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية قبل الانتخابات، وبدا أنه أغلق الباب أمامها مجددا. وقال: “سأعمل فورا على تنفيذ قرار الشعب، واستبدال حكومة نتنياهو، وتشكيل حكومة صهيونية ملتزمة بتجنيد اليهود في الخدمة العسكرية الإلزامية في أقرب وقت ممكن”.
وسار نفتالي بينيت، زعيم اليمين الليبرالي، على النهج نفسه، إذ قال: “سنبذل كل ما في وسعنا، بعيدا عن الأنا والمصالح الشخصية، لتشكيل حكومة صهيونية تضم أولئك الذين يؤدون الخدمة العسكرية”، مستبعدا بدوره أي تحالف يشمل الأحزاب الحريدية، أي الأحزاب التي تمثل اليهود المتشددين دينيا.
وأدان يائير غولان، زعيم حزب “الديمقراطيون”، هذا الخيار، قائلا: “يجب ألا نستسلم لإغراء العروض التي لا مستقبل لها. ويجب ألا نتراجع”.
ويزيد طول المفاوضات التي تعقب الانتخابات من تعقيد المشهد. فمن المرجح أن تواجه إسرائيل أسابيع، وربما أشهرا، من الجمود السياسي، مع استمرار بنيامين نتنياهو في تصريف الأعمال.
وفي الوقت نفسه، ما يزال خطر اندلاع حرب مع إيران مرتفعا للغاية، ولا سيما بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني. وقد يؤدي احتمال رد إيراني على هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك إلى إضافة عامل جديد إلى المعادلة السياسية، إذا وجدت إسرائيل نفسها تحت وابل من الصواريخ الإيرانية. وعليه، من المحتمل أن تتصاعد الضغوط الرامية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، الأمر الذي قد يدفع بعض القادة إلى التخلي عن تعهداتهم التي أطلقوها قبل الانتخابات وبعدها.
ويأتي ذلك في وقت أظهر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعما استثنائيا لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يُعرف بلقب “بيبي”. فقد دعا ترامب، قبيل الانتخابات، إلى التصويت لنتنياهو، قائلا: “صوّتوا لبيبي نتنياهو، يجب أن ننهي المهمة التي بدأناها!”، في إشارة إلى الحرب ضد إيران.
وردد نتنياهو الفكرة ذاتها خلال ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء، قائلا: “تواجه إسرائيل فرصة تاريخية فريدة، بالتعاون مع شريكنا الرئيس ترامب، للقضاء نهائيا على التهديد الوجودي الذي تمثله إيران”.
وثمة سيناريو آخر لإعادة تشكيل التحالفات، لكنه لا يقل هشاشة عن الأول. فصحيح أن معسكر المعارضة والقائمتين العربيتين يشتركون في رفضهم سجل نتنياهو وممارساته السياسية، لكن هذا التحالف المحتمل يضم بدوره تيارات شديدة التباين.
فحزب “الديمقراطيون”، بقيادة يائير غولان المنتمي إلى اليسار، لا يجد صعوبة في التحالف مع الأحزاب العربية، سواء من خلال إشراكها في الحكومة أو من خلال حصول الحكومة على تعهد منها بعدم التصويت لإسقاطها. أما حزب “ياشار” بقيادة غادي آيزنكوت، فلم يستبعد في البداية إمكانية التقارب مع الأحزاب العربية. لكن شريكا آخر في المعارضة، هو حزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان، جعل من رفض هذا الخيار خطا أحمر واضحا.
وكان آيزنكوت قد اضطر، في مطلع أكتوبر/تشرين الأول، إلى التأكيد قائلا: “لا أريد دعم الأحزاب العربية، ولا أدعوها إلى دعمي”. ويبدو أن نفتالي بينيت، العضو الأخير في هذا المعسكر، متحفظ بدوره بشدة على هذا الخيار، بعدما سبق له المشاركة في تحالف مماثل في الماضي، وهو أمر لم يغفر له جزء من جمهور اليمين حتى اليوم.
مشهد سياسي أكثر تشتتا من أي وقت مضى
كان غادي آيزنكوت قد طرح أيضا احتمال تشكيل حكومة أقلية. وقال في مطلع أكتوبر/تشرين الأول: “إذا وصلنا إلى وضع لا أمتلك فيه أغلبية من 61 مقعدا، فسأعرض حكومتي على التصويت، وسأدعو أيضا حزب الليكود وجميع الأحزاب الصهيونية إلى منحي دعمهم”.
لكن إذا حصل معسكره على عدد من المقاعد يقل عن عدد مقاعد معسكر نتنياهو، فإن هذا الاحتمال سيسقط عمليا.
ومع ذلك، ستسعى المعارضة إلى انتزاع رئاسة الكنيست، وهو منصب محوري في النظام البرلماني الإسرائيلي. ويبدو أن هدف التصويت سريعا على مجموعة من النصوص التشريعية الأولى، كما تسمح بذلك القوانين الأساسية حتى في غياب حكومة جديدة، أكثر صعوبة. وقد يكون الاستثناء الوحيد هو إنشاء لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، قبل نهاية نوفمبر/تشرين الثاني.
على الرغم من أن نتائج الانتخابات كرّست موقع غادي آيزنكوت زعيما للمعارضة، فإنها أضعفته على المستوى الشخصي. فالرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق طموحه المتمثل في جعل حزبه القوة السياسية الأولى في إسرائيل
وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات كرّست موقع غادي آيزنكوت زعيما للمعارضة، فإنها أضعفته على المستوى الشخصي. فالرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق طموحه المتمثل في جعل حزبه القوة السياسية الأولى في إسرائيل، إذ جاء بفارق واضح خلف حزب نتنياهو.
وكان حلفاؤه قد انتقدوه خلال الأسابيع الأخيرة، متهمين إياه بمحاولة الاستحواذ على حصة من أصوات قواعدهم الانتخابية. وفي مناسبات عدة، حاول قادة المعارضة التوصل إلى تفاهمات تحول دون ظهورهم في صورة المتنافسين بعضهم مع بعض، لكن محاولاتهم باءت بالفشل.
ومن مفارقات هذه الانتخابات أنها، وإن شكّلت رفضا حسابيا لنتنياهو، فإنها تؤكد في الوقت نفسه أن رفض شخصيته وسياساته لا يشكّل، في حد ذاته، برنامجا سياسيا ولا رؤية متكاملة لمستقبل البلاد.
فالاستراتيجية شديدة الحذر التي اتبعها غادي آيزنكوت، والتي تمحورت بالكامل حول معارضة نتنياهو، لم تنجح في توليد الزخم الكافي لتحقيق الفوز.
وكأن الجنرال السابق خاض حملة انتخابية تشبه حملات الجولة الثانية، تقوم على التوافق وتجنب المخاطر، في حين أن الانتخابات تُحسم من جولة واحدة، ويكون العامل الأهم فيها تعبئة القاعدة الانتخابية الخاصة بكل مرشح.
وكأنه لم يتمكن أيضا من فرض أجندته على النقاش العام في مواجهة قدرة رئيس الوزراء على المناورة السياسية، بعدما ظل نتنياهو البوصلة الأساسية للحياة السياسية الإسرائيلية على مدى ثلاثين عاما، رغم الصدمة الهائلة التي خلفتها أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
أما زعيم المعارضة الآخر، نفتالي بينيت، فلم يتمكن بدوره من تجاوز حالة انعدام الثقة التي لا يزال جزء من اليمين والوسط يكنّها له.