كان أبي يحب القراءة جدا خصوصا الروايات وما يقع في يده من كتب قديمة . كان يقرأ كثيراً بالرغم من أن تعليمه كان محدودا. كان يفيض بالمحبة والمودة لمن حوله حتى لأولئك الغرباء الذين يصادفونه في الطريق أو في باص المصلحة التي تنقله إلى مكان قريب من عمله.
كان يعمل في البناء في منطقة سكنية قيد الإنشاء. يبتسم والدي دائما للناس ويقهقه أحيانا ضاحكا دون سبب مرة، ومرات لأتفه سبب. يأخذني ماسكا يدي بقبضته الفولاذية متناولاً كفي الصغيرة الدافئة في كفيه. كانت قبضته دائمة البرودة حتى في الصيف اللاهب الحرارة، ومرات كثيرة بثمن الخبز، الذي تعطيه أمي له يقطع لي بطاقة لأشاهد عرضاً في السينما القريبة، ويتودد لبواب قاعة العرض بعد أن تطفأ الأضواء ويبدأ عرض الفيلم ليدخله القاعة من غير بطاقة، ويجلس إلى جواري سعيدا برؤيتي، وأنا أتابع أحداث فيلم طرزان والغوريلا. شاهدت معه مرات عديدة أفلام لشارلي شابلن، وكنت أراقب عينيه على لصفة ضوء العرض فلا أرى على الخدين المظلمين سوى التماع خطين من الدموع متأثراً بلقطات الفقر التي تعرضها أفلام شابلن الهزلية.
أبي كان حريصا على تنشئتي حرا، مجربا لكل شيء، وحين كنت في سن المراهقة كان يصحبني إلى أقرب حانة لأرى بنفسي السكارى وهم يتشاجرون أو يتقيأون ما شربوه من خمرة مغشوشة، مشيراً إلى أوضاعهم المزرية، لكي يلقحني ضد الخمرة وأماكن شربها!! تركني مرة أجرب السائل المُرْ الذي أشتراه بنصف يوميته لكي أكرهه طوال حياتي، بينما أنشغل هو بصلاة طويلة، طالبا من الله الصفح والمغفرة ومعللا ما فعله أنه يعد ولده لتجربة الحياة الصعبة ليعرف الصالح والطالح فيها.
أينسى حين قاده والده إلى الجامع القريب ليشما البخور وزيت العطر الذي يهيل علينا، كلما مرّ من قربنا مصل يدخل الجامع، وكان ينظر لي والدي بطرف عينه، وهو يؤدي صلاة النافلة كأنما ينتظر نتيجة امتحانه لي بفارغ الصبر، وعندما عدنا من الصلاة كنت مجلالا بالعرق، والخجل يعثر خطواتي، لأنني تذكرت أنني كذبت على والدي بشأن درجاتي الشهرية في المدرسة ورفعت من شأني أمامه كذباً وزوراً فحكيت له هذا ! فهمس ضاحكا ( أن ذلك يحدث دائما في المرة الأولى فقط وبعدها يتوب الأبناء عن الكذب على والديهم ) وبعدها تعلمت أن لا أكذب أبدا في كل شأن حتى لو كانت الحقائق تصغر من شأني أمام الناس .
كانت أمي تضربه بطبق الخبز القصبي حين يبدد نقود أجرته اليومية على الحمالين أصحاب العربات التي تدفع باليد، وعلى أولىك الٱفاقين الذين يقولون له شعراً شعبيا مادحين كرمه وطيبة قلبه وشجاعته وعلمه؛ فقد كان والدي يفهم عمليات الضرب والقسمة أفضل ممن يعرفون من المتعلمين؛ لكنه لا يرفع يده بوجهها أبداً، ويبقى يضحك وهي تضربه بقسوة، وحين يؤلمه الضرب يمدُّ كفيه الخشنتين إلى مكان الضربات، ويقول لها مازحاً : (ضرب الحبيب للحبيب مثل أكل الزبيب !!) ثم يسحبها من ذراعها حتى تقع في حضنه؛ ويتحول ذلك الشجار إلى عناق وعتاب وقبلات وقهقهات، فأتركهما وأمضي إلى شأن من شؤوني؛ فأنا قد حفظت عن ظهر قلب ختام هذه المعارك الصغيرة اللذيذة بين أمي وأبي !!
في مرة من المرات حين رفعت أمي كفها لتضربني عن خطأ ارتكبته دون قصد سمعت والدي يزمجر بوجهها؛ وذلك لم يفعله معها أبدا من قبل، ومنذ ذلك اليوم لم تمدّ أمي يدها لتضربني. تركاني أكبر كالعشب البري أخرج من ورطة لأدخل في أخرى وكلما ألمتني التجارب التي أمرُّ بها قلت مع نفسي نادبا حظي: أن لا أب لي ولا أم ليربياني تربية صالحة!! فها أنا أكبر كشجرة صبار كثيرة الأشواك والأغصان الميتة وأوراقها السميكة الصماء وطعمها الحنظلي .
عندما سقط والدي من سقالة العمل ومات. نقلوا جثمانه إلى دارنا رأت أمي على وجهه الشاحب تكشيرة لم تعجبها. لم تبك كالنساء المثكولات، ولم تشق ثوبها بل طردت نساء الجيران المعزيات، وبقيت مع جثة والدي، وأنا أرقبها، فلم تجرؤ على البقاء وحدها مع والدي، ولم تطردني من الغرفة كغيري، وربما نسيت أن تطردني بسبب المصيبة، وسمعتها تهدهد والدي كأنما تفعل ذلك مع طفل صغير، وبعد تفكير قصير أخرجت من صندوقها الذي تحتفظ داخله بأشيائها العزيزة.أخرجت علباً صغيرة تحوي مراهم وزيوتا عشبية، ورأيتها تدلك وجه والدي، وتقول له خرجت من منزلنا وأنت تضحك، فلم هذا العبوس؟ ثم أخذت تذكره بحوادث متفرقة عن حياتهما معا، وبدتْ كأنما تحدث حيا وأعتقدت أن أمي قد أصيبت بالجنون لهول صدمة فقدان أبي، وتخيلت أن موت أحدهما سيقتل الاخر بلا تأخير، وسأصبح وحيدا ورأيتها ترفع وجهها نحوي منتبهة إلى وجودي وبدا لي شعاع فرح في عينيها، وقالت لي بصوت هامس: أنظر إليه الٱن !!
وغالبت حزني لأرى وجه أبي. كانت ثمة ابتسامة على ثغره بدل تلك التكشيرة الكريهة السابقة، وفي تلك اللحظة التي شعرتْ فيها أمي أنها نجحت في تبديد حزن أبي أخذت تذرف الدموع بغزارة ثم شقت ثوبها وملأت البيت عويلاً كبقية الزوجات اللاتي يفقدن معيلهن.
كاتب عراقي