إقبال قياسي وانتخابات على حافة الانقسام.. إسرائيل تختبر مستقبل نتنياهو!


متابعة/المدى

يتوجه الإسرائيليون، اليوم الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع في انتخابات تشريعية تُعد الأكثر حساسية منذ هجمات السابع من تشرين الأول 2023 والحروب التي أعقبتها، وسط مشاركة مرتفعة واستقطاب سياسي واجتماعي حاد، بينما تشير التقديرات إلى صعوبة حصول أي من المعسكرين المتنافسين على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

وأفادت القناة الـ12 الإسرائيلية بأن نسبة المشاركة بلغت 44.9% حتى الساعة الثانية بعد الظهر بالتوقيت المحلي، مقابل 38.9% في الانتخابات السابقة، مشيرة إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين ناخب أدلوا بأصواتهم.

وقالت لجنة الانتخابات المركزية إن المشاركة المسجلة خلال الساعات الأولى هي الأعلى منذ عقود، وطلبت من اللجان تسريع الإجراءات بسبب كثافة الإقبال. وكانت اللجنة قد أعلنت عند الظهر مشاركة أكثر من 31% من الناخبين، وهي الأعلى في ذلك التوقيت منذ عام 1977.

ويحق لنحو 7.3 ملايين ناخب المشاركة في اختيار أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120 عضواً، فيما يحتاج أي معسكر إلى 61 مقعداً لتشكيل الحكومة. وتغلق صناديق الاقتراع عند الساعة العاشرة مساءً بالتوقيت المحلي، على أن تبدأ استطلاعات الخروج وإعلان النتائج الأولية بعدها.

استنفار داخل الليكود

وجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نداءً وصفه بـ«الطارئ» إلى ناخبي حزب الليكود، مطالباً إياهم بالتوجه إلى مراكز الاقتراع واصطحاب أفراد عائلاتهم وأصدقائهم وجيرانهم.

وقال نتنياهو إن «مستقبل الدولة اليهودية على المحك»، مقدماً الانتخابات بوصفها مواجهة بين حكومة يمينية قوية وحكومة يسارية قد تعتمد على دعم الأحزاب العربية.

وتعكس لهجة النداء مخاوف الليكود من ارتفاع المشاركة في معسكر المعارضة والبلدات العربية، ولا سيما أن استطلاعات ما قبل الانتخابات أظهرت تقارباً بين الكتل وعدم امتلاك أي منها طريقاً مضموناً إلى الأغلبية.

وتُجرى الانتخابات للمرة الأولى منذ هجمات تشرين الأول 2023، وتمثل عملياً استفتاءً على قيادة نتنياهو وإدارته للإخفاق الأمني والحروب اللاحقة في غزة ولبنان وإيران، فضلاً عن ملف المحتجزين والأزمة الاقتصادية والخلاف على إعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية.

ولا يُتوقع أن يحسم الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد تشكيل الحكومة تلقائياً، إذ يعتمد النظام الإسرائيلي على التمثيل النسبي والتحالفات، وقد تستمر مفاوضات تشكيل الائتلاف أسابيع أو أشهراً إذا عجز المعسكران عن بلوغ 61 مقعداً.

توقيف شخص يحمل سكيناً

تزامن الاقتراع مع توقيف شخص كان يحمل سكيناً بعد اقترابه من رئيس حزب الديمقراطيين المعارض يائير غولان خلال جولة لحشد الناخبين في تل أبيب.

وقال حزب الديمقراطيين إن الرجل تحرك بطريقة تهديدية باتجاه غولان قبل أن يتدخل عناصر الحماية ويوقفوه، فيما أعلنت الشرطة العثور على سكين بحوزته واقتياده إلى التحقيق.

لكن روايات متباينة ظهرت بشأن طبيعة الحادث، إذ وصفه الحزب بأنه محاولة اعتداء محتملة، بينما أشارت رواية للشرطة إلى عدم ثبوت تهديد غولان بصورة مباشرة، ما يجعل توصيف الواقعة النهائي مرتبطاً بنتائج التحقيق.

ويأتي الحادث في ظل تصاعد المخاوف من العنف السياسي، بعدما تعرضت شخصيات معارضة خلال الحملة الانتخابية إلى تهديدات وتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

كتلتان دون أغلبية واضحة

تظهر استطلاعات الرأي أن معسكر نتنياهو، الذي يضم الليكود وأحزاباً قومية ودينية متشددة، يواجه منافسة قوية من أحزاب المعارضة التي يقودها عدد من السياسيين والعسكريين السابقين، وفي مقدمتهم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت.

لكن المعارضة نفسها ليست كتلة متجانسة، إذ تضم قوى وسطية ويمينية ويسارية تختلف في مواقفها من الحرب والعلاقة مع الفلسطينيين ومستقبل المستوطنات والإصلاحات القضائية.

وقد تصبح الأحزاب العربية عاملاً حاسماً إذا أخفق المعسكران في تحقيق الأغلبية، ولا سيما مع توقع حصول القوائم العربية مجتمعة على عدد مؤثر من المقاعد.

غير أن معظم الأحزاب اليهودية، بما فيها قوى معارضة لنتنياهو، ما زالت مترددة أو رافضة للدخول في ائتلاف يعتمد على الأحزاب العربية، ما قد يعرقل تشكيل حكومة مستقرة ويفتح الباب أمام حكومة أقلية أو ائتلاف واسع أو جولة انتخابية جديدة.

التجنيد يفجر الخلاف مع الحريديم

يمثل إعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية أحد أبرز الملفات التي تعمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.

ويعاني الجيش الإسرائيلي نقصاً في القوى البشرية بعد سنوات من العمليات العسكرية واستدعاء جنود الاحتياط، وسط تقديرات سابقة تحدثت عن حاجة المؤسسة العسكرية إلى آلاف الجنود الإضافيين.

وأدى تمديد فترات الخدمة وتقليص الإجازات واستدعاء الجنود بصورة متكررة إلى تنامي الغضب داخل أوساط جنود الاحتياط وعائلاتهم، الذين يرون أن أعباء الحرب لا تتوزع بالتساوي.

في المقابل، تتمسك الأحزاب الحريدية بتقنين إعفاء طلبة المدارس الدينية من التجنيد واستمرار تمويل مؤسساتهم التعليمية، وتضع ذلك شرطاً للمشاركة في أي حكومة مقبلة.

وتعتمد قدرة نتنياهو على تشكيل ائتلاف يميني على دعم هذه الأحزاب، إلا أن إقرار إعفائها قد يشعل احتجاجات واسعة في أوساط الجنود والعائلات التي تحملت أعباء الحرب.

كما شهدت الأشهر الماضية صدامات بين قوات الأمن وشبان حريديم خلال محاولات اعتقال مطلوبين بتهمة التهرب من الخدمة، ما يكشف صعوبة تطبيق قرارات التجنيد بالقوة.

العرب خارج معادلة التجنيد والحكم

لا تستدعي إسرائيل غالبية المواطنين العرب للخدمة العسكرية، في إطار سياسة غير منصوص عليها بصورة واضحة في قانون شامل، لكنها مطبقة منذ عقود لدواعٍ سياسية وأمنية واجتماعية.

وأثار استمرار استثناء العرب والحريديم تساؤلات داخلية بشأن المساواة في تحمل أعباء الدفاع، خصوصاً أن المجموعتين تمثلان نسبة كبيرة من السكان والناخبين.

لكن الدعوات إلى تجنيد العرب تبقى محدودة، في ظل الحرب على غزة والتوتر في الضفة الغربية واتساع الفجوة بين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ومؤسسات الدولة.

ويواجه المواطنون العرب، في الوقت نفسه، ارتفاعاً في معدلات الجريمة وتراجع الخدمات واتهامات للحكومة بالإهمال والتمييز، ما جعل حجم مشاركتهم في الانتخابات عاملاً مهماً في تحديد النتيجة.

وسجلت بعض البلدات العربية إقبالاً لافتاً خلال الساعات الأولى، وفق تقارير ميدانية، وهو ما قد يرفع تمثيل القوائم العربية ويمنحها دوراً مؤثراً إذا تقاربت نتائج المعسكرين.

حرب طويلة واقتصاد تحت الضغط

تجري الانتخابات بعد سنوات من الصراعات الإقليمية التي رفعت الإنفاق العسكري وأثقلت الموازنة والاقتصاد الإسرائيلي.

وارتفعت نسبة الإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي الإجمالي بصورة حادة بعد تشرين الأول 2023، فيما يروج نتنياهو لفكرة تحويل إسرائيل إلى قوة عسكرية أكثر اعتماداً على قدراتها الذاتية، ضمن ما وصفه سابقاً بنموذج «سوبر إسبرطة».

لكن زيادة الإنفاق العسكري تعني تقليص الموارد المخصصة للتعليم والصحة والبنى التحتية والحماية الاجتماعية، في وقت تعاني فيه الأسر أصلاً من ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والطاقة والخدمات.

وتحذر أوساط اقتصادية إسرائيلية من أن استمرار الإنفاق الدفاعي بالمستويات المرتفعة سيزيد العجز والدين العام، ويجبر الحكومة المقبلة على فرض ضرائب أو تقليل النفقات المدنية أو الجمع بين المسارين.

كما تأثرت سوق العمل باستدعاء جنود الاحتياط، وتضررت أعمال صغيرة ومتوسطة بسبب غياب العاملين وتراجع النشاط الاقتصادي، فيما أفاد جزء من الموظفين وأصحاب الأعمال بأن دخولهم ما زالت أقل من مستوياتها قبل الحرب.

كلفة معيشة تفوق دولاً أوروبية

يشكل غلاء المعيشة مشكلة مزمنة في إسرائيل، إذ ترتفع أسعار الغذاء والسكن والكهرباء والتعليم والخدمات مقارنة بعدد من الدول الأوروبية ذات الدخول المرتفعة.

وسبق أن دفع الغلاء الإسرائيليين إلى موجات احتجاج واسعة، أبرزها احتجاجات عام 2011 التي بدأت بحملات ضد أسعار المنتجات الغذائية ثم تحولت إلى تظاهرات تطالب بالعدالة الاجتماعية وخفض أسعار السكن.

وتتصل الأزمة بضعف المنافسة وهيمنة عدد محدود من الشركات على قطاعات رئيسة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الاستيراد والعقارات والأجور.

وأثار مشروع إصلاح قطاع الألبان خلافاً جديداً بين وزارة المالية والمزارعين، بعدما اقترح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش خفض السعر المدفوع للمنتجين وإزالة رسوم جمركية على الواردات.

ورد المزارعون باحتجاجات وتعليق توريد الحليب لفترة، ما أدى إلى تراجع الإمدادات وفرض قيود على الكميات المتاحة في بعض المتاجر.

وقد لا يكون الاقتصاد القضية الأولى لدى جميع الناخبين في ظل هيمنة الملفات الأمنية، لكنه سيواجه الحكومة المقبلة سريعاً، خصوصاً إذا استمرت العمليات العسكرية وارتفعت كلفة خدمة الدين وتراجعت الاستثمارات.

عزلة دولية ومخاوف من العقوبات

تدخل إسرائيل الانتخابات وسط انتقادات دولية واسعة بسبب عملياتها في غزة والضفة الغربية، وتزايد دعوات فرض قيود تجارية وعقوبات على المستوطنات ومسؤوليها.

وتصاعد القلق الإسرائيلي من تحول التدهور في الصورة الدولية إلى خسائر اقتصادية، عبر تراجع الاستثمارات أو فرض قيود على التجارة والتعاون الأكاديمي والتكنولوجي.

كما حذر نتنياهو من احتمال تعرض إسرائيل إلى عقوبات مالية قد تؤثر في اتصالها بالنظام المصرفي العالمي، وتحدث عن ضرورة الاستعداد باستخدام تقنيات مالية بديلة، بينها العملات المشفرة وشبكات «البلوك تشين».

وتخشى أوساط اقتصادية من أن يتحول تراجع سمعة إسرائيل إلى ما يشبه «ضريبة» إضافية على تجارتها، إذا أصبحت الشركات الأجنبية أكثر حذراً في الاستثمار أو التعامل مع المؤسسات الإسرائيلية.

وتزداد خطورة هذه السيناريوهات في حال امتدت القيود إلى الاتحاد الأوروبي، أحد أبرز الشركاء التجاريين لإسرائيل، أو طرأ تغير أوسع على الدعم السياسي والعسكري الأميركي.

انقسام يتقدم على الخطر الخارجي

لا تقتصر المخاوف الانتخابية على تشكيل الحكومة، بل تمتد إلى مستقبل التماسك الاجتماعي داخل إسرائيل.

وكان الرئيس الأسبق للمحكمة العليا أهارون باراك قد حذر في آذار 2025 من توجه إسرائيل نحو سفك الدماء والحرب الأهلية، في ظل النزاع بشأن القضاء والانقسام بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها.

وأظهرت استطلاعات لاحقة أن نسبة واسعة من الإسرائيليين ترى الاستقطاب والانقسامات الداخلية من أخطر التهديدات التي تواجه الدولة، بل يتقدم هذا القلق في بعض الاستطلاعات على الخطر النووي الإيراني.

ويغذي هذا الاستقطاب الخلاف بشأن الحرب والتجنيد والمحكمة العليا والمستوطنات وحقوق المواطنين العرب، إلى جانب الانقسام بين المتدينين والعلمانيين وبين سكان المدن والمستوطنات.

ولا يعني وجود هذا القلق أن إسرائيل تتجه حتماً إلى حرب أهلية، لكنه يعكس تراجع الثقة بين المكونات السياسية والاجتماعية وارتفاع حدة الخطاب المتبادل.

السلاح ينتشر بين المدنيين

تضاعفت المخاوف من العنف الداخلي مع التوسع الكبير في منح تراخيص السلاح للمدنيين بعد هجمات تشرين الأول 2023.

وقاد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير حملة لتخفيف شروط الترخيص وتأسيس فرق أمنية محلية، تحت شعار تمكين المواطنين من مواجهة أي هجوم قبل وصول القوات النظامية.

لكن منتقدي السياسة يحذرون من أن انتشار الأسلحة في مجتمع شديد الاستقطاب قد يرفع احتمالات استخدامها في النزاعات السياسية أو الاجتماعية أو الاعتداءات على الفلسطينيين.

كما يعود جنود الاحتياط من فترات خدمة طويلة وهم يعانون في بعض الحالات صدمات نفسية وضغوطاً اقتصادية، فيما تبقى علاقاتهم بوحداتهم العسكرية قائمة بسبب الاستدعاءات المتكررة.

ولا يعني ذلك أن المحاربين العائدين سيتحولون إلى جماعات عنيفة، لكن اجتماع انتشار السلاح مع الاستقطاب والشعور بعدم المساواة في التجنيد والتدهور الاقتصادي يمثل مصدر قلق متنامٍ لدى باحثين ومؤسسات إسرائيلية.

انتخابات تتجاوز مصير نتنياهو

لا تحدد انتخابات اليوم هوية رئيس الحكومة المقبلة فحسب، بل تختبر قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إدارة التناقضات التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

فإذا تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة يمينية جديدة، فسيواجه مطالب حلفائه الحريديم بشأن الإعفاء من التجنيد، وضغوط اليمين المتطرف لتوسيع المستوطنات وتشديد السياسات تجاه الفلسطينيين، بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية والعزلة الدولية.

أما إذا حصلت المعارضة على فرصة لتشكيل الحكومة، فستواجه صعوبة جمع أحزاب مختلفة سياسياً وأيديولوجياً داخل ائتلاف واحد، وقد تضطر إلى الاختيار بين إشراك الأحزاب العربية أو محاولة استقطاب قوى من معسكر اليمين.

وفي حال بقاء النتائج دون أغلبية واضحة، قد تدخل إسرائيل مفاوضات ائتلافية طويلة أو تتجه مجدداً إلى صناديق الاقتراع.

وبين الإقبال المرتفع، والنداءات الطارئة التي أطلقها نتنياهو، وحادثة توقيف حامل السكين قرب يائير غولان، تبدو الانتخابات تعبيراً عن شعور قطاعات واسعة بأن مستقبل النظام السياسي والاجتماعي بات مطروحاً للتصويت، وليس مجرد توزيع جديد لمقاعد الكنيست.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *