رام الله- “القدس العربي”: من الأمور التي تتفرد بها الانتخابات الإسرائيلية (الكنيست 26)، التي تجري اليوم الثلاثاء، فاتحة الطريق أمام خيارات أفضلها وأحلاها “مر” بالنسبة للفلسطينيين، هو أن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، أو ما يعرف (بالجماعة العربيّة المجنّسة إسرائيليًّا)، أصبحوا ذوي حضور وثقل أصوات أكبر من وزنهم النسبي (20% من عدد السكان)، وبالتالي أصبحوا بمثابة الفاعل الأهمّ في هذه الانتخابات.
وفي مقابل هذه الحقيقة، يرى باحثون ومحللون تحدثت معهم “القدس العربي” أن هذه هي المرة الأولى التي يتحول فيها الاهتمام بهذه الانتخابات من اهتمام رسمي وحزبي فلسطيني إلى اهتمام شعبي كبير جدا، وهو ما انعكس على “طوفان” الدعوات التي أطلقها فلسطينيون من الضفة الغربية أو القدس أو قطاع غزة لفلسطيني الداخل المحتل من أجل المشاركة في الانتخابات والتصويت بفعالية.
خلال اليومين الماضيين، غصت الشبكات الاجتماعية بدعوات التصويت، وهو ما ظهر وكأنه أكبر حملة شعبية تدعو للمشاركة بفعالية والخروج من أجل التصويت بهدف إقصاء اليمين الإسرائيلي. وهو أمر تمم دعوات الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 إلى رص الصفوف والمشاركة في الانتخابات.
وتشير التوقعات إلى أن نسبة الاقتراع المتوقعة ستصل إلى 75%، للخلاص من حكومة الحرب والعنف التي يقودها نتنياهو وسموتريتش وبن غفير. وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإنه كلما ارتفعت نسبة التصويت زادت الصعوبات أمام الأحزاب الصغيرة في اجتياز نسبة الحسم، لكن زيادة نسبة التصويت في الوسط العربي ستؤثر على المعسكرين، فيما يعد حصول القوائم العربية على 14 مقعدا إنجازا كبيرا، ويبعد المعسكرين عن فرصة تشكيل الحكومة بمفردهما.
وقال الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة لـ”القدس العربي” إن ارتفاع نسبة التصويت في الوسط العربي سيبعد أيا من المعسكرين عن حد الـ61 مقعدا، ويساهم في رفع نسبة الحسم التي ستساهم في إسقاط الأحزاب التي تلامس نسبة الحسم، مثل جماعة عوفر فنتر ويوسف حداد، وتحالف زليخا – هندل.
في السياق ذاته، كتب من القدس الطبيب أشرف داوود يقول: “ليس لأنه عرس ديمقراطي.. وليس لأننا نوافق أو نختلف مع الأحزاب العربية المشتركة.. إنما لكون صوتك يمكن له يغير حياة ابنك بالمستقبل”.
أما الأكاديمي والمحاضر في العلوم السياسية الدكتور بلال الشوبكي، فرأى أن التفكير في مسألة أن صوتك يمكنه أن يخفف من الأذى الذي يتعرض له الفلسطيني في كل مكان، “فإن ذلك يفرض عليه واجب عدم التأخر في تقديم الصوت”.
وأضاف: “الموقف بشأن المقاطعة لعدم شرعنة المؤسسات هو موقف محترم ويقدر، ولكنه موقف غير مقدّس، وبالتالي لسنا في موقع الذي يستطيع أن ينظّر للمواقف الجذرية والقضايا الكبرى، في ظل أن النّاس تتجرّع الأمرّين”.
وختم قائلا في دعوة غير صريحة للتصويت: “لو كان صوتك قد يحمل احتمالية التخفيف بشكل طفيف من المعاناة فهو واجب من وجهة نظري”.
أما الباحثة في الشأن الإسرائيلي هنيدة غانم فكتبت تقول: “بدنا نصوت عشان نخفف من التوحش ولو شوية، بدنا نصوت عشان وجودنا عالمحك”.
وتابعت: “كل واحد بيروح عالصندوق ياخد معاه امه وجارته وجاره، يعني بدنا نهتم بالذات بالناس اللي عادة بتروحش تصوت، خلي نسبة التصويت تتجاوز 70%، واحنا بنقدر، هذه انتخابات مصيرية واهم من انتخابات المجالس المحلية اللي نسب التصويت فيها بتتجاوز 90% في بعض الأماكن”.
وتختم على حسابها الشخصي على فيسبوك: “هالمرة وجودنا عالمحك، وهذا مش تهويل بالمرة، وصوت كل واحد ووحدة منا مهم”.
وكتب الناشط محمود حريبات، فكتب على صفحته على فيسبوك مخاطبا الأصدقاء في الداخل المحتل ممن لهم حق التصويت: “الأعزاء، بعيدًا عن كل الآراء والنقاشات ووجهات النظر الدائرة حاليًا.. لإخواننا في الداخل المحتل: إذا كان في إمكانية لتغيير نتنياهو وعصابته، ليش لا؟ وإذا كان التصويت ممكن يخفف ولو جزءًا من الظلم الواقع علينا، ليش لا؟”.
وأضاف: “إذا كان صوتكم اليوم قادرًا يغيّر شيئًا في الواقع، ويعطينا ولو بصيص أمل ونَفَس، في ظل ما وصلت إليه غزة والضفة من وجع ودمار وقهر، فليش ما نتمسّك بهالفرصة؟ اطلعوا انتخبوا، وحاولوا تغيّروا الواقع، وواجهوا العنصرية بصناديق الاقتراع”.
في مقابل دعوات المشاركة، أعاد فلسطينيون كثر من الضفة الغربية مشاركة منشورات وفيديوهات لأعضاء القوائم العربية المشاركة في الانتخابات، في معرض تعزيز وصول الفيديوهات للفلسطينيين في الداخل المحتل لتكثيف الحشد والدعم والتعبئة.
أضعف الإيمان
وأكد مؤيد طنينة، الباحث في الحقل السياسي، الملاحظة المرتبطة بزيادة كبيرة في التفاعل الشعبي الداعم للمشاركة في الانتخابات، ورأى أن الملاحظة تعكس أن الضفة الغربية تعول على الانتخابات الإسرائيلية، وهو أمر غريب وجديد ويستحق الانتباه والتوقف.
وشدد على أن المواطن الفلسطيني يفترض أن يهتم بالانتخابات التي تتعلق به، وألا تكون عينه على الانتخابات في الخارج كما يحصل اليوم، معتبرا أن ممارسة الكتابة وتوجيه دعوات المشاركة والتصويت مسألة تستحق التحليل والاهتمام، “هي محاولة تبدو كأضعف الإيمان، أي محاولة التأثير وإعلان الموقف السياسي للمشاركة في الانتخابات عبر تشجيع الأصدقاء والأقارب في صفوف فلسطيني الداخل”.
وتابع طنينة في حديث لـ”القدس العربي”: “هناك ملاحظة أخرى حيث يمكن أن نلحظ تعويلا مضاعفا على الانتخابات في مناطق الأطراف والقرى الفلسطينية القريبة من المستوطنات ومناطق التماس وكأنها حالة من انتظار الفرج والحل في ظل الواقع السيئ الذي لا حل له حتى اللحظة”.
فـ”أمام إرباك السلطة الفلسطينية وضعف محاولاتها للتدخل عبر تشجيع الفلسطينيين في الداخل على المشاركة، نلحظ اهتمام المواطنين وتفاعلهم”.
ورأى أن ذلك يعود إلى كون السلطة تعيش حالة إرباك وانتظار من دون أي فاعلية كما كان الأمر سابقا، فهي “تخاف أن تدفع ثمنا سياسيا إضافيا، وهو ما يجعلها ربما للمرة الأولى من دون أي تدخل سياسي”.
وحول فعالية النشر المرتبط بسكان الضفة وتأثيره على نسبة التصويت ومعدل الاستجابة، يرى طنينة أن نسبة المشاركة في الداخل لن تكون بسبب دعوات سكان الضفة لهم، “إنهم يشعرون بثقل المسؤولية وأهمية المشاركة من دون دعوات أو نصائح”.
ورأى أن المشهد في الضفة والتفاعل عبر الدعوات الكثيرة يعكسان ويحكيان عن حال الضفة أكثر من حال الداخل المحتل، وهو أمر يعكس اهتماما كبيرا جدا من الفلسطينيين في الضفة وغزة بالانتخابات الإسرائيلية.
وأضاف الباحث طنينة: “هناك سؤال حول متى نشأ هذا الاهتمام بالانتخابات؟ والجواب قد لا يكون مرتبطا بفترة زمنية محددة، إنما بمسألة حديثة نسبيا، وهي فقدان قدرتنا على ترتيب الشأن الداخلي الفلسطيني، ليحل مكانها الاهتمام بالشأن الداخلي الإسرائيلي، نحن نهتم بالشأن الخارجي أكثر، هو يؤثر علينا لكنه في المقابل لا يد لنا فيه إطلاقا”.
وختم قائلا: “هذا الاهتمام المرصود يعكس حالة انتظار فلسطينية داخلية.. ويعكس حجم تأثير الانتخابات الإسرائيلية علينا وثقل البرامج السياسية التي تطرحها الكتل المتصارعة، رغم أنها تتشابه إلا أن حدتها مختلفة نوعا ما.. وبالتالي يتمسك الفلسطيني بالأمل ويسعى إلى التعبير عنه في حد أدنى للفعل السياسي”.
للمرة الأولى
أما الباحث السياسي أحمد العاروري فأكد تضاعف الاهتمام، ورأى أن الملاحظة المرصودة خلال الأيام الماضية ترتبط بتكثيف النشر من عامة المواطنين، “هذه مسألة تبدو لي أنها تحدث للمرة الأولى في التاريخ الفلسطيني الحديث.. إنها أول مرة أرى فيها سكان الضفة يتصرفون بشكل فردي بدعوة الفلسطينيين في الداخل للمشاركة في الانتخابات على أمل ما”.
وتابع العاروري في حديث لـ”القدس العربي”: “لقد سبق لمنظمة التحرير الفلسطينية العمل على دفع الفلسطينيين في الداخل للتصويت من أجل ترجيح كفة طرف سياسي كانت المنظمة ترى أنه الأفضل بالنسبة لها في ظل برنامجها السياسي، لكن هذه المرة تبدو عاجزة وتراقب بصمت، ومن دون أدنى تحرك كما كان الأمر في السابق”.
ويتفق الباحث العاروري مع طنينة في أن المشهد في حد ذاته يعكس أزمة ومأزقا فلسطينيا أكبر من كونه يدل على تشجيع الفلسطينيين في الداخل على التصويت، وبالتالي التأثير على نسبة التصويت في الانتخابات الحالية.
وتابع: “يغيب المشروع السياسي الوطني وبعد حرب طاحنة وحرب إبادة لم نصل فيها إلى شيء حقيقي، نحن نبدو كمن يعيش في ظل خطر وجودي نتعرض له لحظيا، وفي المقابل نبدو من دون أدوات سياسية أو فاعلية، نحن نواجه الخطر بلا أسلحة حقيقية”.
وأكد أن محاولة تأثير الضفة في نسب التصويت، وهو الهدف والدافع لعملية النشر، قد لا تتحقق فعليا، كون ارتفاع نسبة التصويت والمشاركة يعد قرارا سابقا لهذه الدعوات.
وأشار إلى أنه قد يكون هناك تأثير ما، وتحديدا في ظل وجود بعض المتأرجحين بين التصويت وعدمه، وبالتالي قد تدفع المنشورات بعض المترددين إلى المشاركة، وقد تتحول الدعوات إلى فعل ضاغط إضافي في ظل أن الجميع يستشعر الخطر، سواء أكنا مع المشاركة أو مع المقاطعة”.