تحولات المرأة في «قمر شيراز» لعبد الوهاب البياتي


لم تكن المرأة في شعر عبد الوهاب البياتي صورة ثابتة تستقر عند حدود الحب والغزل، بل قطعت رحلة طويلة تحولت خلالها من امرأة ذات ملامح شخصية إلى رمز تتداخل فيه الذاكرة والمنفى والوطن والأسطورة والتصوف. ولعل تتبع هذه الرحلة في (قمر شيراز) وما تلاه يكشف جانبا مهما من تطور تجربته الشعرية؛ فالمرأة لم تعد مجرد موضوع للحب، وإنما أصبحت إحدى الوسائل التي يعبر بها الشاعر عن غربته وأسئلته عن الذات والوجود.
يبدو الحب في عدد من قصائد (قمر شيراز) مرتبطا منذ البداية بفكرة الغياب. فالمرأة لا تدخل القصيدة بوصفها حضورا مستقرا، بل تظهر من خلال ما تتركه وراءها: الذاكرة، والصورة، والمكان، والحلم، والجرح. ولذلك فإن غيابها لا يعني اختفاءها من النص، بل على العكس؛ إن الغياب يمنحها قدرة أكبر على الانتشار في القصيدة، ويجعلها قابلة للتحول من امرأة محددة إلى صورة تتداخل فيها الذات والمنفى والحب والموت.
وتتضح هذه المفارقة في (أولد وأحترق بحبي)، حيث يرتبط اسم لارا بالذاكرة أكثر مما يرتبط بالحضور المباشر. فالقصيدة تستعيدها عبر مجموعة من الأمكنة والصور الفنية والتاريخية، حتى تتحول المرأة من شخص إلى ذاكرة مركبة، ومن علاقة عاطفية إلى عالم من العلامات. يقول البياتي:
شمسُ حياتي غابت.
لا أحد يدري.
الحبُّ وجود أعمى ووحيد.
ما من أحد يعرف في هذا المنفى أحدا
الكلُّ وحيد.
قلب العالم من حجرٍ في هذا المنفى ـ ملكوت
هنا يتداخل الحب بالمنفى بصورة واضحة. فغياب المرأة لا يقود الشاعر إلى استعادة عالم عاطفي مكتمل، وإنما يدفعه إلى وعي أعمق بالعزلة والوحدة. والمنفى ليس مجرد مكان بعيد عن الوطن، بل حالة داخلية تتصل بالوجود نفسه.
ويقدم أحمد يوسف داود في كتابه (لغة الشعر) مفتاحا مهما لفهم هذه التجربة، حين يميز في حديثه عن البياتي بين النفي الوجودي المرتبط بعزلة الفرد ووحدته، والنفي الطبقي، والنفي الجغرافي الذي يبعد الإنسان عن الأرض التي ارتبط بها. ثم يقول إن الشاعر «حتى بعد أن يصل يحمل منفاه في داخله». وهذه العبارة تبدو شديدة الصلة بصورة المرأة في «قمر شيراز»، لأن المرأة الغائبة تصبح جزءا من هذا المنفى الداخلي، كما تصبح استعادتها محاولة لاستعادة شيء من الذات.
يقول البياتي في استحضار رحيل لارا:
لارا رحلت
لارا انتحرت
قال البواب وقالت جارتها، وانخرطت ببكاءٍ حارْ
أطلق في الفجرِ على نفسي النارْ
ثم يعود إلى استحضارها فيقول:
منفيا في ذاكرتي
محبوسا في الكلماتْ
أشرد تحت الأمطار
أصرخ «لارا»
فتجيب الريح المذعورة: «لارا»
اللافت هنا أن غياب لارا يتحول إلى شرط لاستمرار حضورها. فالمرأة التي غابت عن الواقع تستمر داخل القصيدة، ولكنها لم تعد مطابقة للمرأة الأولى؛ إنها تستعيد وجودها من خلال اللغة والذاكرة. وهكذا تنتقل من الحضور الجسدي إلى حضور الكلمات، ومن المرأة الواقعية إلى الصورة الشعرية. ويرتبط بذلك حضور المكان، فاللوفر والحمراء والبحر والغابة والثلج ليست مجرد أماكن في القصيدة، وإنما طبقات من الذاكرة تتراكم حول صورة لارا. فالمكان يستعيد المرأة، والمرأة تمنح المكان ذاكرته. وهذا التداخل بين المرأة والمكان ينسجم مع طبيعة المنفى عند البياتي، الذي لا يظل جغرافيا محضة، بل يتحول إلى حالة داخلية.
لكن المرأة لا تبقى في حدود الذاكرة والمنفى. فمع تطور تجربة البياتي تتحول من صورة شخصية إلى رمز أوسع، وتبدأ الأسطورة في إعادة تشكيلها. وقد أشار أحمد يوسف داود إلى أن البياتي أفاد من «التراث الضخم للحضارات السابقة والواقع العالمي المعاصر»، وعمل على خلق أساطيره الخاصة من خلال الأقنعة والشخصيات الحقيقية أو المبتكرة، للتعبير عن رؤيته للوجود وتطلعاته.
وفي «قمر شيراز» تبلغ هذه العملية درجة واضحة حين يقول:
«أرى كل نساء العالم في واحدة تولد من شعري، أتملكها، أسكن فيها، أعبدها».
فالمرأة هنا لم تعد امرأة بعينها، بل أصبحت كيانا شعريا تتجمع فيه نساء العالم. إنها تولد من الشعر، أي إنها تنتقل من الواقع إلى اللغة، ومن المرأة الفرد إلى الصورة التي يصوغها الشاعر وفق رؤيته الخاصة، ويرى داود أن هذه الصورة تكشف عن نزوع ذاتي ونرجسي شديد، لأن المرأة التي يصنعها الشاعر من شعره تصبح جزءا من عالمه الداخلي.
ومن هنا يمكن القول، إن الطريق إلى الرمز الأنثوي لم يبدأ مع عائشة، وإنما كانت لارا إحدى مراحله الأساسية. فلارا هي المرأة الغائبة التي تستعيدها الذاكرة، والمرأة التي يتحول غيابها إلى منفى، ثم تتسع المرأة لتصبح صورة تتجاوز حدود الشخص، قبل أن تظهر عائشة بوصفها اسما يحمل طبقات جديدة من الأسطورة والذاكرة والحب. في قصيدة (حب تحت المطر) يعود اسم عائشة:
«عائشة اسمي، قالت: وأبي ملكا أسطوريا كان يحكم مملكة دمرها زلزال في الألف الثالث قبل الميلاد».
إنها عودة مختلفة للاسم؛ فقد أحاطت به عناصر أسطورية واضحة: أب ملك، ومملكة، وزلزال، وزمن غائر في الماضي. ولم تعد عائشة امرأة يمكن استكمال سيرتها الواقعية، وإنما أصبحت شخصية تتشكل داخل فضاء أسطوري. وقد توقف أحمد يوسف داود عند هذا التحول، متسائلا عن طبيعة هذه الولادة الجديدة لعائشة، ويرى أن البياتي نقل مفهوم العشق الأسطوري ذي السمات الثورية إلى عشق صوفي شديد الذاتية.
وهنا يدخل التصوف بوصفه مرحلة أخرى في تطور الرمز. فالبياتي لم يكتفِ باستدعاء الأسطورة، وإنما انفتح كذلك على التراث الصوفي، ولا سيما شخصية الحلاج، ففي (قراءة في كتاب الطواسين للحلاج) يقول:
«كان الحلاج يعود مريضا وينام سنينا ويموت كثيرا ويهزُّ القضبان الحجرية في كلِّ سجون العالم».
ثم يسأل:
فلماذا يا ابني صُلب الحلاج؟
وقد أشار داود إلى اهتمام البياتي بالشعراء الصوفيين، ومنهم الحلاج، مبينا أنهم عانوا «محنة استبطان العالم، ومحاولة الكشف عن حقائقه الكلية من خلال تجربة التصوف الممتزجة بالرؤية الشعرية النافذة».
وهكذا تتضح حركة الرمز الأنثوي عند البياتي في مسار متدرج: من المرأة الحاضرة إلى المرأة الغائبة، ومن الغياب إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى المنفى، ومن المنفى إلى الأسطورة، ثم من الأسطورة إلى التصوف. وفي كل مرحلة لا تختفي الصورة السابقة، وإنما تدخل في الصورة اللاحقة وتمنحها شيئا من دلالتها.
ولهذا فإن عائشة لا تبدو بداية منفصلة عن لارا، بل نتيجة لمسار طويل بدأ بالمرأة التي غابت، ثم تحولت إلى ذكرى، ثم أصبحت رمزا. لارا هي المرأة التي يستعيدها الشاعر من خلال الذاكرة والمنفى، أما عائشة فهي المرأة التي تستعيد اسمها بعد أن اتسعت دلالتها حتى أصبحت قادرة على حمل الأسطورة والحب والمنفى والتصوف.
ومن هنا فإن المرأة عند البياتي لا تفقد حضورها الإنساني حين تتحول إلى رمز، وإنما تكتسب حياة أخرى داخل الشعر. فالمرأة التي تبدأ بوصفها محبوبة يمكن أن تنتهي وطنا، أو منفى، أو أسطورة، أو طريقا إلى الحقيقة. ومن لارا إلى عائشة، لا نكون أمام امرأتين فحسب، وإنما أمام مرحلتين من تحوّل الرمز الأنثوي؛ الأولى امرأة يسكنها الغياب، والثانية امرأة يسكنها الرمز. وبينهما تتشكل تجربة البياتي في الحب والمنفى والذاكرة والأسطورة والتصوف.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *