إسرائيلي يطلق استفزازات لفظية خارج مبنى كانت القائمة المشتركة تقعد مؤتمرا فيه هذا الشهر (رويترز)
الناصرة – «القدس العربي»: لا يقتصر الاستهداف العنصري الذي يتعرض له الفلسطينيون في الداخل المحتل على السياسات والممارسات الرسمية، بل يمتد إلى الخطاب العام، الذي يشهد تصاعدا في مظاهر التحريض والتشكيك بشرعية وجودهم ومشاركتهم في مختلف مناحي الحياة.
وتبرز هذه الممارسات بشكل متزايد في الفضاء الرقمي، حيث تتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصات لترويج خطاب الكراهية، واستهداف المواطنين العرب على خلفية هويتهم القومية وانتمائهم.
وعلى أعتاب انتخابات الكنيست، تتسع دائرة هذا الخطاب لتطال العاملين العرب في قطاعات حيوية، من بينها الصحة والتعليم والمواصلات العامة، في محاولة لتصوير وجودهم المهني باعتباره تهديدا للمجتمع الإسرائيلي؛ وفي هذا السياق، كشف بحث جديد أجرته منظمة «فايك ريبورتر» عن ارتفاع حاد في حجم المنشورات والتفاعلات التي تتضمن مضامين عنصرية وتحريضية ضد المواطنين العرب على شبكات التواصل الإسرائيلية.
وبحسب البحث، الذي يغطي الفترة الممتدة بين 15 آب/ أغسطس و14 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، رُصد نحو 400 ألف إشارة إلى المواطنين العرب، حصدت قرابة 67 مليون مشاهدة. ويمثل ذلك ارتفاعا يزيد على 100% في عدد الإشارات مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، فيما ارتفع عدد المشاهدات من نحو 26 مليونا إلى 67 مليونا.
الباحث غسان مطر: قفزة بنسبة 200% في حجم الخطاب الرقمي حول العمال العرب، وتركزه على الأطباء، والمعلمين وسائقي الحافلات
استهداف متزايد
وأظهر البحث ارتفاعا بأربعة أضعاف في حجم الخطاب المتعلق بالطواقم الطبية العربية مقارنة بالعام الماضي، فيما تجاوزت الزيادة 100% في الحديث عن العاملين العرب في قطاعي التعليم والمواصلات العامة. ورصد البحث تحريضا يصوّر هؤلاء العاملين باعتبارهم تهديدا، ويشكك في شرعية وجودهم داخل المؤسسات والمرافق العامة.
شبكة حسابات وهمية
وكشف البحث عن شبكة تضم عشرات الحسابات الوهمية تعمل على تضخيم رسائل الحملة الانتخابية لحزب «نوعام»، بقيادة آفي ماعوز، التي تدعو إلى الحفاظ على التعليم اليهودي التقليدي، وتصور عمل المعلمين والمعلمات العرب في المدارس اليهودية باعتباره تهديدا للهوية اليهودية.
ورصد الباحثون تعليقات ومقاطع فيديو تحريضية، من بينها: «تغيير في التعليم أم معلمون إرهابيون؟» و»هل تريدون أن يرتدي أطفالكم الكوفية أيضا؟»، إلى جانب تصوير المعلمات العربيات المحجبات على أنهن خطر على هوية الأطفال اليهود. وأشار البحث إلى أن هذه الحسابات تضخّم انتشار رسائل الحزب، دون أدلة تثبت إدارته المباشرة لها.
تحريض على سائقي الحافلات
وفي قطاع المواصلات العامة، رصد البحث ارتفاعا يزيد على 100% في الحديث عن سائقي الحافلات العرب، بالتزامن مع منشورات تشكك في أهليتهم المهنية وتصور وجودهم خلف المقود خطرا أمنيا.
ووثّق البحث منشورات للإعلامي اليميني ينون ماغال أثارت تعليقات عنصرية، من بينها: «إسرائيل تشغّل إرهابيين صغارا» و»كلهم إرهابيون محتملون».
كما رصد منشورا للناشط اليميني يغال مالكا استهدف العاملين العرب، وجاء فيه: «لقد ذبحوا عائلاتكم وأصدقاءكم، وأنتم تتحدثون عن الشراكة».
ويخلص البحث إلى أن التحريض يتجاوز استهداف العاملين العرب والتشكيك بأهليتهم، ليطال شرعية وجودهم ومشاركتهم في المؤسسات العامة وسوق العمل، الأمر الذي يتطور لاعتداءات عنصرية تطاول المواطنين العرب في الحيز العام.
حسابات وهمية وحملات في الفضاء الرقمي
سائق حافلة مقدسي
وروى سائق حافلة مقدسي تفاصيل تعرضه لاعتداء من قبل شرطي خلال عمله لـ»القدس العربي» قائلا إنه «نشب خلاف مع شرطي على خلفية مسار الحافلة، حيث طلب منه التوجه إلى مسار آخر، رغم وجود محطة على الطريق كان يتعين عليّ التوقف فيها لإنزال الركاب».
وتابع السائق – الذي فضل عدم ذكر اسمه – أن «الشرطي أجبرني على الدخول إلى شارع معروف بخطورته، قبل أن يطلب مني إبراز هويتي بحجة تحرير مخالفة. وعندما سألته عن السبب، سارع إلى تقييدي بالأصفاد والاعتداء عليّ، وسحبي بعنف قبل أن يلقي بي أرضا».
وأضاف أن «الشرطي أخرج هويتي من جيبي بينما كنت مقيدا، وحرر مخالفة بقيمة 500 شيكل، فيما جرى استدعاء طاقم إسعاف لنقلي إلى المستشفى، بعدما لم أعد قادرا على الوقوف أو الحركة بصورة طبيعية وسبب لي الاعتداء آثارا بالغة على جسدي وتورم عند عيني».
العنصرية باتت سلوكا طبيعيا
«العنصرية باتت سلوكا علنيا وطبيعيا» يقول بدر (25 عاما) من منطقة المثلث في الداخل الفلسطيني ويعمل في مجال البرمجيات لـ»القدس العربي» إن «العنصرية في ظل حكومة بنيامين نتنياهو لم تعد مقتصرة على فئات كانت تخفي مواقفها العنصرية، في ظل صعود اليمين المتطرف وتوفير الحكومة غطاء لهذه الممارسات».
وأوضح بدر أن «مظاهر العنصرية باتت واضحة في مختلف المجالات، من المواصلات العامة والأماكن العامة إلى المستشفيات وأماكن العمل» مشيرا إلى أن «التحريض العلني على الأطباء العرب يُثار بشكل متواصل، دون أن تقابل الحكومة هذه التصرفات برفض أو إدانة، بل جرى التعامل معها باعتبارها جزءا من حرية التعبير».
وأضاف بدر أن «هناك ازدواجية واضحة في التعامل مع هذه الممارسات، إذ إن التعبير عن مواقف مماثلة من جانب مواطن عربي قد يعرّضه للمحاسبة، بل وربما للفصل من عمله. وينعكس ذلك على التمييز في أماكن العمل، حيث بات بعض المشغّلين يفضّلون تشغيل العمال اليهود على العرب، ليس بسبب الكفاءة، وإنما بدوافع عنصرية».
وشدد بدر على أن «حكومة اليمين المتطرف جعلت العنصرية أمرا طبيعيا ومقبولا في الخطاب العام، فيما يُتوقع من المواطن العربي التزام الصمت أمامها، إذ أن أي تحرك لمواجهتها قد يعرّض أي شخص للمحاسبة. تطرف الحكومة أسهم في دفع قطاعات من المجتمع نحو مزيد من التطرف، وبات الأمر لا يتعلق بحكومة متطرفة فحسب، بل بحكومة تعكس مجتمعا بات أكثر تطرفا».
فلسطينيون يروون لـ»القدس العربي» حوادث اعتداء عليهم
زيادة كبيرة
وفي حديث مع «القدس العربي» قال الباحث في المصادر المفتوحة في منظمة «فايك ريبورتر»، غسان مطر إن «القفزة التي رصدناها بنسبة 200% في حجم الخطاب الرقمي حول العمال العرب، وتركزه تحديدا على الأطباء، والمعلمين في المدارس اليهودية، وسائقي الحافلات».
وأوضح مطر أن «التركيز على هذه المهن بالتحديد ليست محض صدفة، بل هو استهداف متعمد لأكثر المساحات حساسية من الناحية النفسية. ففي هذه المهن، يضع المواطن اليهودي حياته وأمن أطفاله فعليا بين يدي العامل العربي. وهنا تكمن خطورة التداعيات، إذ تعمد أطراف متطرفة إلى استغلال هذه الحساسية النفسية لتحويل الثقة اليومية إلى ذعر غير مبرر وشيطنة للمجتمع العربي بأسره».
وأشار مطر إلى أن «الأخطر من ذلك هو أن هذا التحريض لا يبقى حبيس العالم الافتراضي، بل يترجم سريعا على أرض الواقع ليعرض هؤلاء العمال لخطر العنف الجسدي والاعتداءات الفعلية، وذلك في ظل انحدار خطير للحملات الانتخابية اليمينية التي باتت تتخذ من تأجيج الخوف والتحريض وقودا وحيدا لكسب الأصوات بأي ثمن».
ورأى أن «جهات متطرفة تستغل هذه المساحة لبث المخاوف وزعزعة الثقة بالعاملين العرب، وتحويل التعامل اليومي معهم إلى مصدر للقلق والخوف، بما يساهم في تعميم صورة سلبية عن المجتمع العربي برمته».
وحذّر مطر من أن «خطورة هذه الحملات تتجاوز الفضاء الرقمي، إذ يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة على حياة العاملين العرب، وتعرّضهم لاعتداءات ومخاطر عنف جسدي، وذلك بالتزامن مع تصاعد خطاب التحريض في الحملات الانتخابية لأحزاب اليمين، التي باتت تعتمد على تأجيج المخاوف والتحريض ضد العرب وسيلة لحشد الأصوات وتحقيق مكاسب انتخابية».