بداية يجب الإشارة إلى أنني في هذا المقال أحاول قراءة تأثير الجريمة على المجتمع، ولست بصدد البحث في طبيعة الجرائم التي حدثت في سوريا. إذ أن موضوع الجريمة من المواضيع الواسعة، لدرجة تصعب مناقشتها في مقال، والخشية أن تصبح مألوفة وطبيعية في حياة الناس. ولا يهمنا إن كانت تلك الجرائم ستحدث تغييرا في سياسة الدولة، ما يهمنا هو التحول الاجتماعي الذي يمكن أن تحدثه تلك الجرائم.
بداية – كلنا نعرف- تعقيدات الإطار النظري لهذا البحث، لذلك يمكنني أن أبدأ بالسؤال التالي: هل تحولت الجريمة في سوريا إلى ظاهرة؟ في التصنيف المنهجي تعتبر الجريمة «مشكلة»، تتحول إلى ظاهرة إذا تكررت، وقد تكررت، وتكررت، لدرجة سقط معها فضول الناس في السؤال عن القاتل والقتيل وأسباب القتل! فالموت الذي كان غريبا، «أصبح من أهل البيت» يمشي بين ظهرانينا، من دون أن يسأله أحد: من أين جئت؟ أو لماذا؟ وكأن السؤال أصبح عبئا على حياتنا المثقلة بالأسئلة!
في المقابل ثمة من ينظر إلى تلك الجرائم من منظور «هوياتي»: طائفي أو إثني أو مناطقي. لتوزيع شهادات البراءة أو الإدانة. ونتيجة هذه الانتقائية توضع الجريمة في سياق «العدالة الإلهية» عند العامة، أو في سياق «العدالة البديلة» عند الجماعة. فيجد السوريون أنفسهم بين أموات فقدوا أرواحهم، وأحياء فقدوا ضمائرهم.
وثمة مشكلة في الحياديين إذ أن غالبيتهم يضع القاتل والمقتول في سلة واحدة، ويتحدث عن اللاعبين الكبار، وكثيرا ما يتم اختصارهم بـ(أمريكا وإسرائيل). وكأننا لسنا في وطن عمره من عمر الحضارة، بل في رقعة شطرنج، ويد واحدة تحرك الملك والقلعة والفيل والجنود!
لست مضطرا أن تكون وطنيا لتفهم ما يجري، عليك فقط، أن تكون إنسانا لتتبرأ مما يحدث، أيا كانت الذريعة. وتأخذ موقفا منه. في كتاب نبيل ملحم «الطاعة» يسأل: كيف تبدأ الضربة، وكيف يتحول الأمر إلى طاعة، والطاعة إلى جماعة، والجماعة إلى حرب؟
إن أخطر وظيفة تؤديها «الجريمة» باعتبارها ظاهرة، هي انتقالها من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي، عند هذا المستوى تصبح اجتماعية الفرد مرتبطة بقدرته على القتل، باعتبار القتل من القيم المشتركة بين أفراد الجماعة. وهذا يسمى «الاغتراب العلائقي»؛ حيث ينفصل الإنسان عن ذاته الحقيقية من أجل الاندماج في الجماعة. وهناك يذوب الفرد في توقعات القطيع، فالعناصر الفردية ـ حسب النظرية البنيوية في علم الاجتماع- لا تملك معنى في ذاتها، بل تكتسب معناها من علاقتها بالعناصر الأخرى داخل النسق الكلي.
يرى إميل دوركهايم أن الجريمة (بنسب معينة) لها «وظيفة إيجابية». فهي تساعد، المجتمع على إعادة تأكيد قيمه الأخلاقية ورسم الحدود بين الصواب والخطأ، كما أن معاقبة المجرم تعزز التضامن الاجتماعي بين المواطنين الصالحين. إذن نحن أمام فرصة لتأكيد قيمنا الأخلاقية، فالأخلاق مبدأ، والقتل موقف. والبون بينهما شاسع. تحضرني مقولة نيلسون مانديلا: «في حالات الخطر القصوى، السلاح الأفضل هو أن نجلس ونتحدث». ومن يسكت اليوم، غدا لن يسمعه أحد. هذا بالنسبة لعامة الناس. على مستوى الدولة المطلوب واضح ومعروف ولا يحتاج إلى شرح: محاسبة المجرمين. أما بالنسبة للمجتمع المدني الذي كثر الحديث عن أهمية دوره في سوريا، فالمطلوب منه تعزيز ثقافة الفهم النقدي لكل ما يجري.
كاتب سوري