رسالة من اليمن


دون مقدمات، ولا ديباجات، هذه رسالة عفوية، أتخلى فيها عن تقنيات كتابة المقال، لكي يكون الكلام مباشراً ومعبراً، لأنها رسالة ملايين اليمنيين لبعض الأشقاء العرب الذين يضغطون على جراح أهلهم في اليمن، بالتماهي مع خطاب ميليشيا طائفية، انقلبت وأسقطت الدولة، في جريمة كانت بداية لجرائم مروعة بعدها، وبدعم من إيران التي تدخلت في بلداننا العربية، باسم نصرة فلسطين، ولأغراض الهيمنة الإقليمية، وكأن كل هذا الخراب الذي أحدثته إيران وميليشياتها في البلدان العربية لا يكفي لإقناع بعض العرب أن بلداننا – لا أمريكا ولا إسرائيل – هي المستهدفة، وأن الهيمنة الإيرانية – لا القضية الفلسطينية – هي الهدف.
الإخوة العرب: هل تعلمون شيئاً عن حصار الحوثيين لمدينة اسمها تعز، يفرضون عليها حصاراً خانقاً، منذ أكثر من عشر سنوات، وهي مدينة مكتظة بالسكان، يضربها الحوثيون بالصواريخ البالستية الإيرانية الصنع، الأمر الذي تكرر بضرب مأرب وعدن والمخا والمطارات والموانئ المدنية وغيرها من المنشآت، بآلاف الصواريخ التي أطلقت على رؤوس اليمنيين الذين يحاول الحوثي إخفاء جرائمه بحقهم بإطلاق بعض تلك الصواريخ على إسرائيل.
الإخوة العرب: هناك الكثير من الحقائق التي لا تعرفونها عن هذه الميليشيا التي لم يعرف اليمن منذ ظهورها إلا الحرب، وتفكك النسيج المجتمعي، والصراع الطائفي، وتصنيفات الجوع التي طالت أكثر من ثلثي سكان البلاد، عدا عن ظهور أنواع من الجريمة لم تكن تخطر لليمنيين على بال.
كيف يمكن لمن يحاصر تعز أن يصدق في وقوفه ضد حصار غزة، وكيف يمكن لمن خرج المختطفون من سجونه معاقين، فقدوا أبصارهم وأطرافهم والقدرة على الحركة، في أفضل الأحوال، أو ماتوا داخل سجونه، كيف يمكنه أن يكون نصيراً لقضية عادلة، مثل القضية الفلسطينية؟
إن فلسطين قضية مقدسة، ووقوف المجرمين معها لا ينصرها، قدر ما يهز قداستها، في نفوس المؤمنين بها، ويعمل على غسل الجرائم في بحرها.
إخوتنا العرب: كيف يمكن لمن جند طفلاً عمره عشر سنوات في الحرب أن يكون فارساً شجاعاً؟ وكيف إذا جند عشرات الآلاف من الأطفال الذين ملأ بصورهم شوارع العاصمة صنعاء، والمدن التي يسيطر عليها، موشحاً إياهم بوشاح الشهادة؟ هل هذا السلوك أقرب إلى أخلاق الفرسان، أم إلى جنوح المجرمين الخطرين وعصابات المافيا والاتجار بالأطفال؟
يتملك الكثيرين – خارج اليمن – الإعجاب بالصورة البراقة لهذه الميليشيا، ولكن هل اطلع المعجبون على أوضاع اليمنيين الذين يعانون، داخل مناطق سيطرتها؟ هل عرفوا عن «جبايات المولد النبوي، والشهيد، والغدير والولاية، والحسين وكربلاء، ودعم البنك، ودعم القوة الصاروخية، و»في سبيل الله»، والحبل على الجرار؟
وهل عرفتم أن مداخيل الحوثيين تقدر بمليارات الدولارات، حسب تقارير الأمم المتحدة، وأن الموظفين – في مناطق سيطرتهم – يعملون – بنظام السخرة – دون مرتبات، منذ أكثر من عشر سنوات؟
هل سمع أحدكم بصرخة ديفيد بيزلي المدير التنفيذي السابق لبرنامج الغذاء العالمي، في مبنى الأمم المتحدة، وأمام ممثلي البعثات الدبلوماسية، عندما صرخ بأعلى صوته: «الحوثيون يسرقون الطعام من أفواه الجياع»، بعد أن وقف عاجزاً عن منع قيادات الميليشيا من سرقة المعونات الغذائية، الأمر الذي اضطر معه البرنامج إلى وقف أنشطته تماماً، مع عدد من الوكالات والمنظمات الإغاثية؟
وفوق هذا، هل تعلمون أن الحوثي يمنع الميسورين اليمنيين من توزيع صدقاتهم وزكواتهم للفقراء، ويأمر أن يسلموها له، على أساس ان سيوزعها على المحتاجين بنفسه، وهو الأمر الذي يعلم الأغنياء والفقراء أنه لن يحدث، لأن الحوثي سيصرفها غالباً للمقربين وأصحاب المحسوبيات؟
هل وصل إلى علمكم أن الحوثي هجر ملايين اليمنيين من ديارهم، وأن حوالي ثلاثة ملايين يمني هجرهم الحوثي إلى محافظة مأرب وحدها، ناهيك عن ملايين آخرين موزعين على محافظات أخرى في اليمن، وفي بلدان كثيرة حول العالم؟ وهل حدثكم أحد عن قصة أكثر من مليوني لغم مخصص للأفراد، زرعها الحوثيون في مساحات واسعة، وهي أكبر حصيلة لزراعة الألغام في العالم، منذ الحرب العالمية الثانية، وهل علمتم أن أكثر حصادها نساء وأطفال؟

تعز هي غزة اليمنية، والحوثي هو جزارها الذي قتل من اليمنيين أضعاف أضعاف ما قتلت إسرائيل من الفلسطينيين، ومن العرب مجتمعين.

لن أتكلم هنا عن تغيير المناهج التعليمية في مناطق سيطرة الحوثي، بما يشوه التاريخ العربي والإسلامي، والنيل من الرعيل الأول من رموز هذا التاريخ، ناهيك عن اختصار الإسلام في سلالة بعينها، ومن ثم اختصار السلالة في شخص عبد الملك الحوثي، في نظرة أحادية خطيرة.
هل عرفتم عن المقولة الكنسية المنقرضة «الحق الإلهي للملوك» التي أحياها الحوثي وكرسها بين أتباعه، وفي المناهج التعليمية، معطياً نفسه هذا الحق، ومستنداً إلى المقولة الهادوية الزيدية بوجوب «حصر الإمامة في البطنين»، أي نسل الحسن والحسين؟ وهل علمتم شيئاً عن المقولة الأخرى «بوجوب الخروج على الحاكم الظالم»، و»الظالم» هنا هو أي حاكم من غير هذا النسل؟ هل تقبلون بمثل هذه الأفكار المناقضة لجوهر الدين وحقوق الإنسان؟ هل تعلمون أن هذه المقولات هي المفجرات الطائفية للصراع، حيث يرفض اليمنيون تسليم سلطتهم وثروتهم على أسس سلالية عرقية، وحيث يرفضون إلغاء حقوقهم الدستورية في اختيار من يحكمهم، ويقاومون فرية أن «الله هو من يختار الحكام»، وقد اختار لهم عبد الملك الحوثي إماما؟
ونقطة أخرى: هل لديكم علم بـ»قانون الخمس» الذي أقره الحوثيون؟ تعرفون ماهية هذا القانون؟ إنه قانون ينص على إعطاء أسر بعينها في اليمن خمس أموال اليمنيين، وخمس ثروتهم الوطنية، بل وخمس المعادن والاحتياطيات النفطية والغازية، حسب نصوص القانون؟ هذه الأسر هي من يطلق عليها الحوثيون «الأسر الهاشمية»؟ هل تقبلون بمثل هذا القانون؟
أنتم يا أشقاءنا ترون أن الحوثيين مقاومون لأمريكا وإسرائيل، وأنهم يناصرون فلسطين، ولو سلمنا جدلاً بمثل هذا الطرح فإنه من المفروض أن آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة التي ضربت المدن اليمنية قد توجهت إلى الأراضي المحتلة، بدلاً من تكتيك ذر الرماد في العيون، بإرسال بعض الصواريخ التي لا تصيب أهدافها إلى إسرائيل، وادخار القوة التدميرية لهذه الصواريخ لتنفجر، على رؤوس اليمنيين.
لا أريد أن أعكر مزاجكم، ولا أجرح أحاسيسكم المرهفة بسرد حكايات أكثر من نصف مليون يمني قتلتهم حروب الحوثيين. هؤلاء هم عرب ومسلمون، لا إسرائيليين ولا أمريكان، دون الحديث عن ملايين الجرحى والمعاقين والأرامل والأيتام والمشردين، ودون الحديث عن الجياع الذين يجوعهم الحوثي، ويحاصرهم، في أرزاقهم ومعاشاتهم، ثم يدعي بأن الخارج يحاصره، وأنه يريد رفع الحصار عن غزة.
تريدون الحقيقة: تعز هي غزة اليمنية، والحوثي هو جزار غزة، وصدقوني – وإن كانت المقارنة صادمة – أن ما قتل الحوثي من اليمنيين يعد أضعاف أضعاف ما قتلت إسرائيل من الفلسطينيين، ومن العرب مجتمعين.
والسلام عليكم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *