هل تستطيع أوروبا تعويض السعودية عن تراجع الدعم العسكري الأمريكي؟


لندن- «القدس العربي»: انضمت بريطانيا إلى قوى أوروبية أخرى للمساهمة في حماية السعودية من هجمات الحوثيين، على أن يقتصر دور هذه القوى على اعتراض الطائرات المسيّرة، دون شن هجمات. ويطرح هذا التحرك تساؤلات بشأن قدرة أوروبا على تعويض القدرات العسكرية الأمريكية، في ظل تخلي الرئيس دونالد ترامب عن حماية السعودية، الحليف التاريخي لواشنطن.

وأعلنت وزارة الدفاع البريطانية، في بيان الثلاثاء، أنها ستنفذ «مهام جوية دفاعية» باستخدام مقاتلات «تايفون» التابعة لسلاح الجو الملكي لحماية المدن السعودية والبنية التحتية الحيوية. ويأتي البيان لتأكيد عمل عسكري بدأ منذ مدة طويلة، حيث اعترفت الحكومة على لسان الناطق باسمها أن الجيش البريطاني يقدم بالفعل الدعم في مجال التزود بالوقود للمقاتلات الغربية في أجواء السعودية، كما قامت بنشر معدات للدفاع الجوي وأفراد بريطانيين للمساعدة في حماية المملكة.

يقتصر الدور الأوروبي في حماية السعودية من هجمات الحوثيين على اعتراض الطائرات المسيّرة

وبذلك، تنضم بريطانيا إلى دول أوروبية أخرى تشارك في حماية السعودية من هجمات الحوثيين، أبرزها فرنسا التي أعلنت الشهر الماضي دعم الدفاع عن المملكة، ونشرت قوات ووسائل عسكرية، بينها جنود ورادارات وأنظمة دفاع جوي، لحماية منشآت سعودية، ولا سيما ميناء ينبع النفطي.

وتشمل هذه المشاركة إيطاليا، التي تتمركز قوات لها في السعودية، من دون إعلان مسبق عن وجودها، إلى أن تسرّبت أنباء عن تعرض مقاتلة إيطالية من طراز «يوروفايتر 2000» للقصف في قاعدة الطائف. وفي 8 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، أعلنت الحكومة الإيطالية أن لديها نحو 407 عسكريين في السعودية، إضافة إلى أربع مقاتلات «يوروفايتر» وأنظمة رادار ودفاع جوي.

كما توجد قوات يونانية في المملكة، لكن أثينا لم تعلن تفاصيل وجودها العسكري على نحو دقيق، فيما يظل حجم مشاركتها أقل من مشاركة الدول الثلاث الأخرى.

وترتبط السعودية بالدول الأوروبية الأربع باتفاقيات دفاعية، أقدمها الاتفاقية الموقعة مع إيطاليا عام 2007. غير أن هذه الاتفاقيات لا تعني بالضرورة انخراط الدول الأوروبية في حرب ضد أي دولة أو جماعة تهاجم المملكة، بل قد يقتصر التعاون على تقديم الدعم الدفاعي والمساعدة العسكرية.

وفي ضوء ذلك، يبرز التساؤل: إلى أي مدى تستطيع أوروبا تعويض الدعم العسكري الأمريكي للسعودية؟

عملياً، تراجعت واشنطن عن دورها في الدفاع عن السعودية في مواجهة الحوثيين، ومن المرجح أن يقتصر دعمها للجيش السعودي على توفير المعلومات الاستخباراتية اللازمة للمساعدة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، ورصد أي تحركات للحوثيين باتجاه الشمال، قرب الحدود السعودية.

يمكن للدول الأوروبية تعويض جزء من القدرات العسكرية الأمريكية، لكن الظروف الدولية الراهنة لا تسمح لها بانخراط عسكري كامل، على غرار مشاركتها في حربَي الخليج الأولى والثانية

يمكن للدول الأوروبية تعويض جزء من القدرات العسكرية الأمريكية، لكن الظروف الدولية الراهنة لا تسمح لها بانخراط عسكري كامل، على غرار مشاركتها في حربَي الخليج الأولى والثانية ضد العراق. فاستمرار الحرب في أوكرانيا والتهديد الذي تمثله روسيا للأمن الأوروبي يدفعان الدول الأوروبية إلى الاحتفاظ بجزء كبير من قدراتها العسكرية تحسباً لأي تصعيد على جبهتها الشرقية.

وكانت صحيفة «لوموند» الفرنسية قد نبهت إلى هذا التحدي خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باريس مؤخراً. وفي السياق نفسه، حذّر المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، في آذار/ مارس الماضي، من محدودية قدرة أوروبا على الدفاع عن السعودية، في ظل تراجع مخزونات أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.

ورغم هذا التحدي، في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، تساهم أوروبا من خلال نشر منظومات مثل «باتريوت» الأمريكية الصنع و«SAMP/T» الفرنسية الإيطالية، إلى جانب تعزيز قدراتها في مكافحة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. وتستعمل هذه الدول الذخيرة السعودية أساسا. في الوقت ذاته، تساهم بريطانيا وإيطاليا وفرنسا بطائرات مقاتلة من طرازي «تايفون» و«رافال» لتأمين المجال الجوي السعودي واعتراض التهديدات المحتملة.

تظل قدرات الإنذار المبكر ورصد الصواريخ والاستخبارات الفضائية والقيادة والسيطرة من أبرز المجالات التي يصعب على الدول الأوروبية تعويض القدرات الأمريكية فيها بالكامل

في المقابل، تظل قدرات الإنذار المبكر ورصد الصواريخ والاستخبارات الفضائية والقيادة والسيطرة من أبرز المجالات التي يصعب على الدول الأوروبية تعويض القدرات الأمريكية فيها بالكامل. ذلك أن الشبكة الأمريكية في هذا الشأن متكاملة ومتسعة النطاق. ولا يمكن للقوات الأوروبية تأمين منظومة دفاع متكامل كالتي توفرها الولايات المتحدة، لاسيما وأن البنتاغون ينشر حاملات الطائرات ومدمرات وعدد من السفن الحربية في المنطقة.

من زاوية عسكرية، يمكن للمقاتلات الأوروبية اعتراض المسيرة، وبرهنت على هذا العمل في الدفاع عن إسرائيل سابقا وكذلك عن السعودية، إلا أن القوات الأوروبية ستبقى محدودة التأثير في مواجهة الصواريخ اليمنية. وعلاوة على تنفيذ اتفاقيات تعاون ودفاع مشترك، تتحرك أوروبا للدفاع عن السعودية بهدف ضمان الملاحة وصادرات النفط والغاز.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *