التصويت على البرنامج الحكومي يختبر تماسك المعارضة المغربية «المتنافرة»



عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي»: على بعد ساعات من تصويت مجلس النواب، الغرفة الأولى للبرلمان المغربي، على البرنامج الحكومي، في الجلسة المقررة الخميس، ستجد المعارضة الجديدة نفسها أمام اختبار ثان لتأكيد تماسكها أو اتساع المسافة بين مكوناتها، كما حدث في جلسة التصويت على رئاسة المؤسسة التشريعية، التي آلت إلى مرشح الأغلبية، أحمد التويزي، عن حزب «الأصالة والمعاصرة»، الذي يقود التحالف الحكومي الحالي.
وإذا كانت الحكومة السابقة قد قضت فترتها في ظل أغلبية مريحة، فإن الحكومة الحالية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، رغم عدم توفرها على الأغلبية الواسعة نفسها، تبدو أمام وضع مختلف يتمثل في تنافر مكونات المعارضة الحالية، المكونة من «العدالة والتنمية» و»الحركة الشعبية» و»تحالف اليسار»، والوافد الجديد عليها «التجمع الوطني للأحرار».
ويرى عدد من المراقبين أن اختبار التصويت على رئيس الغرفة الأولى للبرلمان لا يحمل الأهمية نفسها التي يكتسيها التصويت على البرنامج الحكومي، الذي يعد محطة دستورية ومؤسساتية أساسية في مسار تنصيب الحكومة. ويأتي ذلك في ظل اختلاف مواقف مكونات المعارضة من التنسيق المشترك، وتباين حساباتها بشأن العلاقة مع باقي الفرق.
فبين رفض «تحالف اليسار» التنسيق مع «العدالة والتنمية» و»التجمع الوطني للأحرار»، وانفتاح هذا الأخير على صيغ للتعاون البرلماني، تبرز صعوبة بناء جبهة معارضة متماسكة، خصوصاً في ظل الخلافات السياسية المتراكمة بين «العدالة والتنمية» والحزب الذي قاد الحكومة السابقة، قبل أن يجد نفسه خارج الأغلبية الحكومية الجديدة.
والأكيد بالنسبة للمتابعين للشأن السياسي أن حالة التشتت لا تعني بالضرورة أن جميع مكونات المعارضة ستصوت لصالح البرنامج الحكومي أو ضده للأسباب نفسها، أو أنها ستتحول إلى كتلة موحدة بعد التصويت. كما أن مناقشة تفاصيل البرنامج الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري قد تكشف عن نقاط التقاء، لكنها لن تكون بالضرورة الجسر الذي يردم الهوة بين مكونات تبدو متباعدة في حساباتها السياسية.
وبالنسبة إلى الرأي العام، فإن جلسة الخميس، التي ستناقش خلالها الفرق النيابية البرنامج الحكومي، قبل أن تقدم رئيسة الحكومة جوابها عن المداخلات وتختتم الجلسة بالتصويت، لا تقتصر أهميتها على اختبار قدرة الحكومة على نيل ثقة المؤسسة التشريعية، بل تمتد إلى الكشف عن طبيعة العلاقات التي ستربط مكونات المعارضة خلال الولاية الجديدة.
وبحسب الصورة التي تشكلت مع بداية تكوين الخريطة البرلمانية الجديدة، فإن المعارضة لا تتحرك وفق تصور موحد، سواء تعلق الأمر بالتنسيق بين الأحزاب المكونة لها أو بتحديد طبيعة العلاقة فيما بينها ومع باقي الأحزاب. وهو ما يجعل جلسة التصويت مناسبة للوقوف عند حقيقة التقارب أو الاختلاف، من دون أن يعني ذلك أن غياب التنسيق المسبق سيؤدي بالضرورة إلى تباعد جميع المواقف عند التصويت.
وتبرز أولى تجليات هذا التباعد في الصعوبات التي تواجه أي محاولة للتنسيق بين حزبي «العدالة والتنمية» و»التجمع الوطني للأحرار». فهما في حالة من التباعد والخصومة السياسية الواضحة، لم يخفها أي طرف، خاصة الأمين العام للحزب الإسلامي، عبد الإله بن كيران، الذي حمل عزيز أخنوش مسؤولية تعثر تشكيل الحكومة بعد تعيينه رئيساً لها سنة 2016، في المحطة التي عرفت إعلامياً بـ «البلوكاج» (كلمة فرنسية تعني العرقلة أو الانسداد).
من جهة أخرى، يبدو أن «التجمع الوطني للأحرار» ليس الحزب الوحيد الذي قد يجد نفسه أمام صعوبات في بناء علاقات تنسيق مع بقية مكونات المعارضة، إذ إن غريمه السياسي «العدالة والتنمية» يواجه بدوره تساؤلات بشأن حجم الدعم الذي يمكن أن تحظى به مبادراته خارج حدود فريقه النيابي.
وقد أعادت انتخابات رئيس مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، التي جرت يوم 13 تشرين الأول/ أكتوبر، طرح مسألة حجم الدعم الذي يمكن أن تحظى به المبادرات السياسية خارج حدود الفريق الذي يقف وراءها. فقد انتخب أحمد التويزي، مرشح «الأصالة والمعاصرة»، رئيساً للمجلس بحصوله على 220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لإدريس الأزمي الإدريسي، مرشح حزب «العدالة والتنمية». وبحسب عبد الصمد حيكر، النائب عن الحزب، فقد حصل الأزمي على أصوات فريقه النيابي، البالغ عدد أعضائه 54 نائباً، إضافة إلى خمسة أصوات أخرى، فيما بلغ عدد الأوراق الملغاة 90.
أما «تحالف اليسار»، وهو أحد مكونات المعارضة رغم عدم توفره على فريق نيابي، فقد أعلن رفضه التنسيق البرلماني والسياسي مع حزبي «العدالة والتنمية» و»التجمع الوطني للأحرار»، بسبب اختلاف الخلفيات الفكرية والبرامج السياسية. كما يعتبر أن «الأحرار» يمثل أحد أعمدة الأغلبية الحكومية السابقة، التي يحملها مسؤولية السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتدبير الغلاء، مؤكداً أن موقعه هو معارضة هذه الخيارات بشكل جذري. في المقابل، تقف الاختلافات في المرجعيات المجتمعية والأيديولوجية أمام أي تقارب محتمل مع الحزب صاحب شعار «المصباح».
وبالرغم من ذلك، فإن رفض التنسيق السياسي والبرلماني لا يعني بالضرورة استحالة التقاطع في بعض المواقف أو التصويت بالطريقة نفسها بشأن ملفات محددة. فالتنسيق بين الفرق يظل خياراً سياسياً ومؤسساتياً، بينما قد تتلاقى مواقف أحزاب مختلفة انطلاقاً من تقييماتها المستقلة للبرنامج الحكومي.
ومن جهتها، أعلنت «الحركة الشعبية» تمسكها بموقعها في المعارضة «الوطنية المسؤولة»، مؤكدة أنها تتطلع إلى تقديم بديل سياسي ومجتمعي. ويمنح هذا الموقف الحزب موقعاً واضحاً ضمن مكونات المعارضة المعلنة، لكنه لا يحسم، في حد ذاته، طبيعة علاقته ببقية الفرق أو مدى استعداده للانخراط في تنسيق مشترك معها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *