قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل رجلا فلسطينيا خلال موسم قطف الزيتون في دير أبو مشعل بالضفة الغربية، 21 تشرين الأول 2026
تتطور ثقافة حرب أهلية في الضفة الغربية، ليست حرباً بين إرهابيين يهود يسرقون ممتلكات الفلسطينيين ويحرقون الحقول ويصيبون ويقتلون، وبين السكان الفلسطينيين العزل. ولا يقتصر الأمر على الحالات العادية التي يمس فيها الإرهابيون إسرائيليين يحاولون حماية الفلسطينيين، ولا مجرد مواجهة عنيفة بين الشرطة ومشاغبين متشددين، بل هي حرب بين أقلية سياسية وأيديولوجية وبين مواطني دولة إسرائيل. صراع شامل على احتكار السيطرة عن طريق العنف.
الصرخة الكبيرة والمضللة -أن المشاغبين يضرون بمكانة إسرائيل ويعرضونها لنظام عقوبات متزايد باستمرار – تتجاهل حقيقة دهورة مكانة إسرائيل مع عمليات القتل الجماعي والدمار غير المسبوق الذي ألحقته بغزة. يكمن جوهر الغضب الحالي في افتراض خاطئ يفيد بأن إسرائيل إذا نجحت في السيطرة على هذه “الحفنة” التي يبلغ عددها بالفعل مئات وربما أكثر، من المجرمين، فسيعود وضعها فجأة إلى ما كان عليه. ليست هذه هي الكذبة الوحيدة. فاستخدام مصطلح “حفنة” بحد ذاته مبني على وهم أنها ما زالت كياناً قابلاً للسيطرة عليه، قطيعاً جامحاً يمكن إعادته إلى حظيرة السيطرة، وأن الأغلبية وحدها قادرة على تغيير الواقع. لذا، فإن أهمية هذه “الحفنة” تصبح لاغية بوجود نصف مليون مستوطن غير عنيف.
يظهر التاريخ أنه حتى الجماعات الصغيرة غير الرسمية نجحت في إحداث تغيير في آلية السيطرة الرسمية دون الحصول على إذنها. ففي نهاية المطاف، بدأ المستوطنون الذين حصلوا على الشرعية رحلتهم كحفنة نجحت في تأسيس دولتهم الخاصة والسيطرة على الوطن الأم. إن الادعاء بأن المشاغبين يخربون مشروع الاستيطان لأنهم يصورون كل المستوطنين كمجرمين، هو ادعاء باطل أكثر من ذلك. وكأن الصراع بين كيانين أيديولوجيين متنافسين: المستوطنون “الملتزمون” والمستوطنون “المخالفون للقانون”. ولكن الصراع أعمق من ذلك بكثير.
المعركة الحقيقية تدور رحاها حول سلطة تحديد النظام في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي ليست بين المستوطنين والدولة التي تخلت عن سلطتها لعقود واصبحت امتداداً لمشروع الاستيطان، بل أصبحت بين المستوطنين الطبيعيين وبين الحفنة. يجمعهم فكر ورؤية واحدة: إخراج الوجود الفلسطيني من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبالفعل، عندما يدين المعتدلون النشاط الإرهابي دون معارضة نتائجه الجغرافية، فإنهم يصبحون جزءاً من الجماعة الإرهابية. من ناحية نظرية وعملية، لا يضر المشاغبين بمشروع الاستيطان، بل هم الذين يحققونه. دونم آخر أو آلاف الدونمات، وعنزة أخرى أو آلاف الأغنام.
المعركة الحقيقية تدور رحاها حول سلطة تحديد النظام في الأراضي الفلسطينية المحتلة
يدور الصراع حول مسألة من يملك صلاحية تحديد مسار تحقيق هذا الهدف. ما يقوله المستوطنون المعتدلون للمشاغبين أنهم يوافقون على الفكرة، لكنهم يطلبون تطبيقها بأدب. يؤكدون أن “القانون معنا” وأن الحكومة تقف إلى جانبهم. وهكذا أغلبية الشعب. انظروا، حتى من يعارضون الحكومة، أو ما يسمى “الكتلة”، لا يطالبون بتفكيك المستوطنات أو المزارع أو البؤر الاستيطانية. هذه إنجازات كبيرة جعلت الدولة هامشية. يكمن قلقهم العميق في أن مركزاً يتشكل مكانهم، سلطة بديلة، ليس للدولة فقط، بل مشروع الاستيطان “الشرعي” أيضاً، الذي تمكن من بناء نفسه بجهد كبير كإطار عام، يرسم سياسة الحكومة ويمليها.
هذا هو جوهر الانقلاب النظامي الذي يتطور في الضفة الغربية: هل ستبقى الدولة صاحبة السيادة، أم ستنتقل السيطرة إلى جماعات أيديولوجية؟ عندما تخشى الحكومة وفروعها في الضفة الغربية من هذه الجماعات، فإنها تتوقف عن كونها هامشية، وتصبح هي التي تملي الواقع، إلى حين اكتشاف المستوطنين “المهذبين” أنهم هم ايضاً لم يعد بإمكانهم وضع قواعد اللعب. هذا هو الخطر الكامن في الانتقال من ثقافة الحرب الأهلية إلى الحرب الحقيقية، حيث تفقد الدولة سلطتها ويبقى مواطنوها رهائن لرحمة الحركات التي تقاتل من أجل السيطرة عليها وعليهم.
تسفي برئيل
هآرتس 21/10/2026