القدس المحتلة – «القدس العربي»: مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، تتوالى متغيرات مؤثرة في نتائجها، من انسحاب بيني غانتس، رئيس حزب «أزرق أبيض»، إلى رسالة دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي رأى مراقبون أنها دعم شخصي أكثر منه لإسرائيل. وتأتي هذه الرسالة في وقت تتصاعد فيه النقاشات حول شكل الحكومة المقبلة وتحالفاتها، وتتزامن التطورات مع تكهنات باستئناف الحرب مع إيران بعد الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ورسالة أحمد الطيبي، زعيم «الحركة العربية للتغيير» وعضو الكنيست منذ عام 1999، التي تعهد فيها بإسقاط نتنياهو ومنعه من تحقيق أهدافه، إضافة إلى خيارات نتنياهو في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع.
الثابت في المشهد الانتخابي
ترى نيفين أبو رحمون، الناشطة السياسية وعضو الكنيست السابقة، أن المعركة الانتخابية في هذه المرحلة تحمل طابعاً مختلفاً قليلاً عن سابقاتها، لأنها تدور حول تثبيت الهوية، في مواجهة بين يمين ويمين، أكثر من كونها مواجهة بين اليمين واليسار أو معسكر التغيير المعارض.
وتوضح أن الخطاب الإسرائيلي بات عقائدياً، بما يواكب التحولات السياسية على الأرض، سواء على المستوى الإقليمي أو في الضفة الغربية، وهو ما يتطلب فهم الأسس الفكرية لهذا الخطاب قبل النظر إلى النتائج العددية وحدها.
وتشدد، في حديث خاص مع «القدس العربي»، على أن «الثابت في المشهد الانتخابي هو المزايدات الانتخابية، وتحديداً على الدم الفلسطيني العربي، أو على تعميق الاحتلال وتثبيت الاستيطان».
الثابت في المشهد الانتخابي هو المزايدات الانتخابية، وتحديداً على الدم الفلسطيني العربي
وتتابع: «لقد اعتدنا على خطاب نتنياهو، ليأتي اليمين الأكثر تطرفاً بالعقيدة الصهيونية الدينية التي تتحدث عن حسم الصراع. وهناك الظاهرة الفيغلينية، نسبة إلى فيغلن، الذي اتحد مع سموتريش للتحول من إدارة الصراع إلى حسمه».
وتطالب بقراءة ما وراء الكواليس وعدم الاكتفاء بالانقسام المعلن بين الأحزاب، إذ ترى أن الفوارق بينها تتصل بكيفية تنفيذ المشروع الإسرائيلي وتوقيته، قائلة: «الأدوات الاستعمارية موجودة لدى جميع الأحزاب. وإذا تحدثنا عن معسكر التغيير الذي يقوده أيزنكوت، فهو شخص طرح عقيدة الضاحية، وجنرال أيضاً، وبالتالي نحن نتحدث عن مجرم حرب. الاختلاف بين المعسكرات على الأولويات والأدوات، وينسحب على مستقبل الضفة وحسم الصراع: هل يحدث سريعاً أم تدريجياً حرصاً على المنظومة الأمنية الإسرائيلية؟».
وتنتقل إلى اتجاه آخر داخل الصهيونية الدينية، قائلة: «فنتر يمثل الصهيونية الدينية الخارجة من قلب الجليل، وهو متغير في الخريطة السياسية، يضاف إلى الصهيونية الدينية التي يمثلها سموتريش وتركز على مستوطنات الضفة».
وتشير إلى أن الاختلاف بين المعسكرات لا ينفي اشتراكها في توجهات الاحتلال والاستيطان، وإن تباينت الأولويات والوسائل والتوقيت. وتحذر من اختزال الانتخابات في الأشخاص: «إذا لم نقرأ الفكر الذي تطرحه القيادات الإسرائيلية، سنكون أمام شخصنة الانتخابات: نتنياهو أو من يقابله». وتؤكد ضرورة قراءتها بعيون فلسطينية، وطرح أسئلة عن الفرق الفعلي بين المعسكرين وما ينتظر الفلسطينيون بعد الاقتراع، مشددة على أن الأهم ليس اسم الفائز، بل ما سيفعله في اليوم التالي للانتخابات.
حكومة الوحدة الوطنية
ترى أبو رحمون أن صعود خطاب حكومة الوحدة الوطنية ليس مجرد مناورة، بل قد يكون السيناريو الأكثر واقعية وقابلية للتحقق، بفعل الحاجة إلى الخروج من الاستعصاء الحزبي وترميم شرعية المنظومة الإسرائيلية المتآكلة واستيعاب ارتدادات الحرب تحت إجماع صهيوني واسع.
وتؤكد أن حكومة كهذه قد تعرض السياسات الإسرائيلية بواجهة أقل صداماً مع المجتمع الدولي. وتحذر: «فلسطينياً، تكمن الدلالة الأعمق في الحذر من هذا الائتلاف، بوصفه أخطر صيغ إدارة الصراع وأكثرها تضليلاً. فهو يمنح المشروع الاستعماري قناعاً عقلانياً يفك عزلته الدولية، ويكرس الجوهر الإحلالي نفسه برفض الدولة المستقلة وتثبيت الهيمنة الاستيطانية».
لا يجوز أن نقرأ الخريطة الإسرائيلية من دون أن نقرأ ذهنية الجمهور الإسرائيلي، إذ هناك انزياح نحو اليمين
وتربط هذا السيناريو بموقع الصوت العربي في الحسابات البرلمانية، محذرة من أن المشاركة في إنقاذ أحد المعسكرات قد تتحول إلى وسيلة لتهميش المطالب الفلسطينية بعد تشكيل الحكومة: «التحدي ألا يتحول الصوت العربي إلى عكازة، سواء سميت شبكة أمان أو ائتلافاً، يتوكأ عليها هذا المعسكر الصهيوني أو ذاك لإكمال نصاب حكمه، ثم يدير ظهره لها ويهمشها».
وتؤكد أن البديل عن هذه الحسابات الانتخابية الضيقة هو «رفض ملء الفراغ التكتيكي والتموضع كقوة تملك مشروعاً سياسياً وتحررياً جامعاً، بوصفها صاحبة قضية وحقوق تاريخية غير قابلة للمقايضة، وتكون رافعة وطنية مرتبطة بالعمق الفلسطيني، بدلاً من البقاء ملحقة بأزمات المؤسسة الإسرائيلية».
وتشدد على أن استخدام الصوت العربي لحل الشرخ الإسرائيلي تعبير عن إخفاق: «هذا لا يخدمنا قريباً ولا بعيداً، سواء طرحت «المشتركة» نفسها شبكة أمان أو ائتلافاً؛ فالنتيجة أن تنقذ حكومة ثم تدير ظهرها لك وتذهب الوعود سدى».
وتفسر أهمية قراءة الجمهور الإسرائيلي، وليس الاكتفاء بمتابعة تصريحات القادة ونتائج استطلاعات الرأي، قائلة: «لا يجوز أن نقرأ الخريطة الإسرائيلية من دون قراءة ذهنية الجمهور، فهناك انزياح بنيوي نحو اليمين. وهو لا ينعكس في الأرقام وحدها، بل في اليوم التالي للانتخابات، ويكشف إلى أين تذهب إسرائيل».
وترى أن هذا الانزياح ينعكس كذلك على من يقدمون أنفسهم بديلاً لنتنياهو، وتضيف: «المعارضة تتبنى خطاباً يمينياً، وأحياناً خطاب الصهيونية الدينية، لاختراق القاعدة الإسرائيلية التي تريد تشدداً أمنياً وقومياً ودينياً أكبر، وفرض السيادة بالقوة وحسم الصراع».
وعن خيارات نتنياهو بعد الانتخابات، ترى أن تشكيل ائتلاف واسع قد يتيح له اتخاذ قرارات كانت ستواجه انتقادات أكبر لو اتخذها منفرداً، وتقول: «يمكن أن يلجأ أولاً إلى حكومة وحدة وطنية، ثم الحسم، سواء بضربة استباقية أو بضم الضفة تحت غطائها. هذا سيناريو سيئ للفلسطينيين لأنه يقدم للمجتمع الدولي صورة عقلانية وتوازناً إسرائيلياً يوحي بأنهم ليسوا جميعاً متطرفين».
الاختلاف على الأولويات
تشدد أبو رحمون على أن اختلاف الأحزاب الإسرائيلية يتعلق بترتيب الأولويات والكلفة التي تقبل إسرائيل بتحملها، وليس بالضرورة بجوهر السياسات العسكرية والسياسية، وتقول: «إذا عدنا إلى حرب الإبادة، نجد أن انتقاد قيادات معسكر التغيير لنتنياهو يتعلق بإخفاقه الأمني والاستخباراتي. هؤلاء يريدون إعادة ترتيب الأولويات، لا وقف الحرب على غزة أو لبنان. الكلفة السياسية والاقتصادية والبشرية التي دفعتها إسرائيل هي المحرك الأساسي، وستبقى مهمة في اليوم التالي».
الأيام المقبلة مصيرية جداً، ويمكن أن يلجأ نتنياهو إلى الضربات الاستباقية أو افتعال أي حدث سياسي أو أمني
وتنتقل إلى خطاب القيادات العربية المشاركة في الانتخابات، فترى أن فيديو أحمد الطيبي تضمن وعوداً غير واقعية، خصوصاً تعهده بإفشال حكومة انتقالية قد يسعى إليها نتنياهو، وتوضح: «الحكومة الانتقالية تكون بعد سقوط الحكومة الحالية، لفترة محددة تعقبها انتخابات أخرى. إذا طرحت نفسك، الطيبي أو «المشتركة»، شبكة أمان للتغيير، فإنك تنسف هذه الفكرة».
وتدعو إلى استثمار الانقسامات الإسرائيلية بدلاً من ترميمها، وتضيف: «الأجدى في هذه المرحلة أن نبحث عن أدوات تعزز الشرخ الإسرائيلي، بدلاً من أن أكون عكازة لحل مشكلاته. قد يكون لنا ثأر مع هذه الحكومة، لكن المطلوب كتلة معارضة قوية تشوش المشاريع وتقيدها».
وترى أن فاعلية التمثيل العربي تقاس بالقدرة على تغيير السياسات لا بتأمين أغلبية حكومية. وتواصل: «نحن نذهب إلى الكنيست لتغيير السياسات. وإذا كنا ضمن ائتلاف أو شبكة أمان، صرنا جزءاً من المنظومة. وجودنا هناك أداة نضالية لتثبيت المعارضة وفرض واقع جديد والتضييق على إسرائيل، ولا يتحقق ذلك دون مشروع سياسي».
وترى أن الإخفاق العربي يتمثل في غياب مشروع سياسي عربي واضح تتوحد حوله أدوات العمل البرلماني والنضالي، وتقول: «هناك محاولات، لكن «المشتركة» تبنت مشروع ليبرمان: منع نتنياهو من تشكيل حكومة انتقالية، ثم تشريع قانون يمنعه من البقاء في الكنيست، والذهاب إلى محاكمته. وهذا ما تبنته «المشتركة» فعلياً».
مغازلة ترامب لنتنياهو
تقرأ أبو رحمون دعم ترامب لنتنياهو رسالة سياسية تتجاوز المجاملة الشخصية، وقد تعني تأييده تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسته، وهي صيغة ترى أنها تخدم مصالح الرئيس الأمريكي في هذه المرحلة، وتقول: «هذا يفيد ترامب حالياً، فلا يمكنه داخلياً أو شعبياً أو عالمياً أن يتغزل بنتنياهو بلا هدف».
وتضيف: «أرى أن الهدف بقاء نتنياهو، والواضح أنه حتى الآن قادر على تشكيل هذه الحكومة».
وتربط توقيت التصريح بالمعارضة الإسرائيلية ورغبتها المحتملة في التأثير على الموقف الأمريكي: «قد تكون رسالة للجمهور الإسرائيلي ولمعسكر التغيير، وربما تواصل هؤلاء مع ترامب سعياً إلى منع دعمه نتنياهو، فجاء التصريح المباشر لخدمة خيار سياسي مطروح جدياً».
انسحاب غانتس يسدل الستار على مرحلة الجنرال المنقذ الذي راهن لسنوات على خطاب التوافق والوسطية
وتحذر من التقلبات قبيل التصويت، خاصة مع احتدام الحملات ومحاولات التأثير في عواطف الناخبين: «الأيام الأخيرة تحمل تغيرات في التوازنات داخل المجتمع الفلسطيني وحملات الجمهور الإسرائيلي، وفيها لعب كثير على العاطفة. هذه المغازلة لم تكن عبثاً أو تصريحاً عابراً، وقد تعني أن نتنياهو قادر ليس فقط على رئاسة حكومة، بل على تشكيل ما هو أوسع».
خيارات اللحظات الأخيرة
ترى أبو رحمون أن الأيام المقبلة «مصيرية جداً» بالنسبة إلى شكل الخريطة البرلمانية وحسابات نتنياهو، مع احتمال إعادة ترتيب التحالفات اليمينية، وتقول: «قد يدعو نتنياهو أحد الأحزاب اليمينية الصغيرة إلى الانسحاب لدعم أحزاب أخرى في الصهيونية الدينية وتعزيز قوتها».
وتضيف: «يفحص بجدية أيضاً حكومة الوحدة الوطنية، لكن هذه الحسابات لا تُحسم قبل الانتخابات، بل بعدها».
وتحذر من أن الحسابات الانتخابية قد تتداخل مع التصعيد العسكري والأمني: «يمكن أن يلجأ إلى ضربات استباقية، أو يفتعل حدثاً سياسياً أو أمنياً. هذا جزء مهم في عقليته، وتساعده الحاضنة السياسية الدينية الجاهزة لدعمه، سواء في الضفة أو في أي عمل عسكري قد يُحسب له».
انسحاب غانتس
وترى أبو رحمون أن انسحاب بيني غانتس خطوة براغماتية تحكمها الحسابات الرقمية بعد تراجع حزبه واقترابه من عتبة الحسم، لتجنب ضياع أصوات قد تمنح نتنياهو أغلبية مجانية، وإعادة توجيه ناخبيه نحو المعارضة إن استطاع.
وتوضح أن الأثر لا يقتصر على توزيع الأصوات، بل يمس فكرة القيادة الوسطية التي راهن عليها قطاع من الناخبين، وتقول: «الانسحاب يحمل دلالة بنيوية؛ فهو يسدل الستار على مرحلة الجنرال المنقذ، الذي راهن على التوافق والوسطية، وسط استقطاب أيديولوجي حاد لا يترك مجالاً للحلول الوسط».
وتضيف أن خروجه من المنافسة لا يعني بالضرورة خروجه من الحياة السياسية: «يتيح لغانتس حفظ ما تبقى من رصيده للعب دور رجل الوفاق أو وسيط التسويات خارج الحلبة الحزبية، إذا تجدد الانسداد السياسي».
وتخلص: «يمكن القول إن الانسحاب نقل كتلة التغيير من الدفاع والارتباك إلى وضعية انتخابية أكثر تماسكاً وعقلانية قبل الحسم، لكن هذا يرتبط بكيفية استثماره أمام الجمهور الإسرائيلي».