هل تكون الكويرة مقابل اعتراف موريتانيا بمغربية الصحراء وسحب اعترافها بالبوليساريو؟


باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان: “بين الصحراء والمحيط.. مدينة لكويرة تثير اهتمام موريتانيا”؛ كشفت مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن مدينة لكويرة الواقعة في أقصى جنوب المغرب عادت لتثير اهتمام موريتانيا، في وقت تتواصل فيه المفاوضات بشأن ملف الصحراء الغربية، مشيرة إلى أن نواكشوط تسعى إلى الاعتراف بسيادتها على المدينة المغربية، في تطور يعيد إلى الواجهة خلافات تاريخية مرتبطة بالحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الإسبانية.

وأوضحت المجلة أن شعار “من طنجة إلى لكويرة” يحمل دلالات وطنية قوية في المغرب، إذ يعكس تمسك المملكة بوحدة أراضيها، غير أن الوضع بين الرباط ونواكشوط يبدو أكثر تعقيداً، بسبب الإرث التاريخي للنزاع الحدودي في المنطقة.

لفهم خلفيات ملف لكويرة، يتعين أولاً تحديد موقعها الجغرافي قبل استعراض الوجود الاستعماري الإسباني في هذا الجزء الغربي من الصحراء. وتقع المدينة غرب رأس نواذيبو، المعروف سابقاً باسم رأس الأبيض، بالقرب من الحدود المغربية الموريتانية، التي ظلت موضوع خلافات طويلة بعد انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975.

نواكشوط تسعى إلى الاعتراف بسيادتها على المدينة المغربية، في تطور يعيد إلى الواجهة خلافات تاريخية مرتبطة بالحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الإسبانية.

توجد المنطقة على شبه جزيرة صغيرة تمتد من الشمال إلى الجنوب، ويقسمها خط الحدود طولياً إلى قسمين؛ يقع الجزء المغربي ولكويرة في الغرب، بينما تقع الأراضي الموريتانية ومدينة نواذيبو في الشرق.

اتفاقيات استعمارية رسمت حدود المنطقة

في عام 1900، وقّعت باريس ومدريد اتفاقاً بشأن أقصى جنوب الإمبراطورية الشريفة، تلاه اتفاقان آخران، هما اتفاق باريس عام 1904 واتفاق مدريد عام 1912. وقد كرست هذه الاتفاقيات وضعاً ميدانياً كانت ملامحه قد بدأت تتشكل قبل ذلك.

في هذا السياق، توضح الباحثة السياسية خديجة محسن فنان، في كتاب “الصحراء الغربية: رهانات نزاع إقليمي”، الصادر عن منشورات المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي عام 1997، أن الإسبان بدأوا وجودهم في خليج وادي الذهب عام 1884، حين وضعوا المنطقة تحت حمايتهم، رغم المقاومة التي واجهوها من بعض القبائل المحلية. أما الحدود النهائية للمستعمرة، فلم تُحدد إلا بين عامي 1900 و1912، بموجب ثلاثة معاهدات وُقعت بين فرنسا وإسبانيا. وتأخر احتلال المناطق الداخلية إلى عام 1934، حين جرى بمساعدة عسكرية فرنسية.

من الداخلة إلى لكويرة

في عام 1885، عززت مدريد وجودها بإقامة حصن صغير وإرسال وحدة عسكرية إلى الداخلة، التي عُرفت خلال الاستعمار الإسباني باسم “فيلا سيسنيروس”، وأصبحت عاصمة منطقة ريو دي أورو، إلى جانب منطقة الساقية الحمراء. وكانت هذه المنطقة تمتد من رأس الأبيض شمالاً إلى رأس بوجدور جنوباً، وهو موقع استراتيجي بالنسبة لإسبانيا لقربه من جزر الكناري. وستعود الداخلة لاحقاً إلى الإدارة المغربية عام 1979. أما رأس الأبيض، فهو الموقع الذي توجد فيه لكويرة، المعروفة بالإسبانية باسم “لا غويرا”. ورغم الاتفاقيات الثلاث التي حددت مناطق النفوذ الإسباني، ظل الوجود الإسباني محدوداً في طرفاية وفيلا سيسنيروس ولكويرة، حيث أقامت إسبانيا منشآت تجارية.

وكان العقيد فرانسيسكو بنس، الذي تولى إدارة الصحراء الإسبانية بين عامي 1904 و1925، من أبرز الشخصيات التي ارتبطت بتثبيت الوجود الإسباني في المنطقة. ففي عام 1916، بسط سيطرته على طرفاية، التي أصبحت جزءاً من منطقة كاب جوبي. وبعد أربع سنوات، وتحديداً في 30 نوفمبر عام 1920، سيطرت القوات الإسبانية على المركز التجاري في لكويرة.

تناول بنس في مذكراته عملية السيطرة على المنطقة. وينقل عالم الأنثروبولوجيا ألبرتو لوبيز بارغادوس، في مقال نشره ضمن الكتاب السنوي لشمال إفريقيا، أن المراكز الإسبانية في الداخلة ولكويرة كانت محدودة الإمكانات والبنية التحتية، كما ظلت معزولة عن المناطق الداخلية للمستعمرة. وكانت قدرة الإداريين الإسبان على التحرك محدودة، فيما استمرت الاتصالات مع السكان المحليين في الاعتماد على إرادة الصحراويين أنفسهم.

وفي عام 1924، أُلحقت لكويرة نهائياً بمستعمرة ريو دي أورو الإسبانية. وبعد ذلك، وتحديداً عام 1958، قررت مدريد تحويل ريو دي أورو والساقية الحمراء إلى مقاطعتين إسبانيتين كاملتي الصلاحيات، بعد عامين من استقلال أجزاء واسعة من المغرب الخاضعة سابقاً للحماية الفرنسية والإسبانية، مع استمرار وضع بعض الجيوب والمناطق الاستعمارية الخاصة. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت المنطقتان ممثلتين في مجلسي البرلمان الإسباني، أي مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

انسحاب إسبانيا وحرب الصحراء

لم تبدأ ملامح التسوية في الظهور إلا عام 1975، بعد وفاة الجنرال فرانكو، وتنظيم الملك الحسن الثاني المسيرة الخضراء. وفي 14 نوفمبر عام 1975، وُقّع اتفاق مدريد الثلاثي بشأن الصحراء الغربية بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا.

المطالبات الجديدة المتعلقة بمدينة لكويرة تتعارض مع الموقف الذي تبنته نواكشوط في اتفاق الجزائر، حين تخلت عن مطالباتها بالإقليم

ينقل المؤرخ بيير فيرمران، في كتابه “تاريخ المغرب منذ الاستقلال”، الصادر عن دار لا ديكوفيرت عام 2006، أن الاتفاق ارتبط بتقسيم إدارة الإقليم بين المغرب، الذي تولى منطقة الساقية الحمراء، وموريتانيا، التي تولت منطقة وادي الذهب. وسرعان ما ساهمت تداعيات هذا الملف في اندلاع حرب الصحراء، التي واجهت خلالها القوات الموريتانية والقوات المسلحة الملكية المغربية جبهة البوليساريو. وكانت لكويرة قريبة من مسرح هذه المواجهات.

في تقرير نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية في 5 مارس 1976، ورد أن لكويرة كانت معقلاً لجبهة البوليساريو، التي أنشأ مقاتلوها فيها نواة لإدارة مدنية. كما أشار التقرير إلى أن موريتانيا، التي ربط الاتفاق الثلاثي المدينة بمنطقة نفوذها، دخلت في البداية في مفاوضات مع الجبهة.

ونقلت الصحيفة عن والي نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا، قوله إن الصحراويين والموريتانيين تجمعهم روابط اجتماعية وتاريخية، وإنهم ينتمون إلى شعب واحد. وأضاف أن المواجهة في لكويرة لم تكن لتقع، بحسب رأيه، لولا إرسال البوليساريو مقاتلين من شمال الصحراء إلى المدينة.

وأرسلت موريتانيا في 18 ديسمبر 1976، نحو 400 جندي لشن هجوم على لكويرة، ما أدى إلى هزيمة مقاتلي البوليساريو الموجودين فيها، وفقاً لما أورده التقرير التاريخي. وفي عام 1979، وبعد استنزافها بسبب حرب العصابات التي خاضتها جبهة البوليساريو ضدها، قررت موريتانيا الانسحاب من النزاع والتخلي عن منطقة وادي الذهب، التي كانت تُعرف سابقاً باسم ريو دي أورو. وفي 10 أغسطس من العام نفسه، وقعت موريتانيا اتفاق سلام في الجزائر مع جبهة البوليساريو، تخلت بموجبه عن مطالباتها بالصحراء الغربية.

وبناء على هذا التطور، ترى “جون أفريك” أن المطالبات الجديدة المتعلقة بمدينة لكويرة تتعارض مع الموقف الذي تبنته نواكشوط في اتفاق الجزائر، حين تخلت عن مطالباتها بالإقليم. في السياق ذاته، أشار الموقع الإخباري الموريتاني الناطق بالفرنسية “كريديم” إلى أن الجنرال الموريتاني السابق لبّات ولد المعيوف عبّر مؤخراً عن تحفظات بشأن المطالبات الإقليمية الجديدة التي ظهرت في موريتانيا بخصوص لكويرة.

مفاوضات الصحراء ومشاريع الواجهة الأطلسية

ترتبط المطالبات الموريتانية الجديدة، بحسب “جون أفريك”، بالمفاوضات الجارية بشأن الوضع النهائي للصحراء الغربية تحت رعاية الأمم المتحدة، في وقت يعمل فيه المغرب على تنفيذ سياسة واسعة لتطوير واجهته الأطلسية وتعزيز الربط بين أقاليمه الجنوبية وبقية المناطق.

مستثمرون إماراتيون أبدوا اهتماماً متزايداً بمشاريع محتملة في لكويرة، مستفيدين من الآفاق الاقتصادية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030

وأضافت المجلة الفرنسية أن مستثمرين إماراتيين أبدوا اهتماماً متزايداً بمشاريع محتملة في لكويرة، مستفيدين من الآفاق الاقتصادية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، الذي سيستضيفه المغرب بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. وأشارت المجلة إلى وجود تصورات استثمارية تهدف إلى تحويل لكويرة، وهي مدينة ساحلية صغيرة ارتبطت تاريخياً بالصيد، إلى مركز عمراني واقتصادي كبير، ووُصفت الطموحات المرتبطة بها بأنها تسعى إلى إنشاء “دبي المغرب العربي”.

ومن شأن هذه المشاريع المحتملة، إلى جانب التحولات الدبلوماسية الجارية بشأن الصحراء الغربية، أن تعيد تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية للمنطقة، وأن تثير مجدداً تساؤلات حول الإرث الاستعماري والحدود والتوازنات السياسية في أقصى جنوب المغرب.

ويظل ملف لكويرة مرتبطاً بتاريخ طويل من الاتفاقيات الاستعمارية والمواجهات العسكرية والتحولات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر، فيما يكتسب موقعها المطل على المحيط الأطلسي أهمية إضافية في ظل التنافس على تطوير البنية التحتية والممرات التجارية والاستثمارات في المنطقة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *