حكاية الشاب المغربي أسامة بريك ابن «إملشيل»… من ناشط «فيسبوكي» إلى نائب برلماني



عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي»: بين «المعجزة» و»المفاجأة» و»الظاهرة»، تعددت الأوصاف التي أطلقت على فوز الشاب عبد العزيز بريك، الشهير باسم أسامة، بمقعد برلماني عن دائرة ميدلت في الأطلس المتوسط. فهذا الشاب القادم من مواقع التواصل الاجتماعي، بصفته ناشطا ينقل انشغالات المناطق الجبلية إلى الرأي العام، دخل البرلمان بعد فوزه بنحو 32 ألفاً و684 صوتاً، متفوقاً على سياسيين بارزين في المنطقة.
وشبّه بعض المتابعين فوزه بما حققه مصطفى لخصم، غير أن لكل تجربة خصوصيتها، فلخصم دخل السياسة برصيد من الشهرة الرياضية، بينما صنع بريك حضوره من داخل «إملشيل»، المنطقة المعروفة بموسم الخطوبة، ومن واقع يومي ظلّ يوثقه بكاميرا هاتفه، عبر مقاطع فيديو و»لايفات» وضعت متابعيه في قلب معاناة سكان الجبال.
خلف هذا الصعود حكاية شخصية لا تنفصل عن القضايا التي تبناها. ولد عبد العزيز بريك في 15 أيار/مايو 1998 في «إملشيل» بإقليم ميدلت، وعرف منذ طفولته صعوبات العيش في منطقة جبلية، إذ كان يقطع نحو 15 كيلومترا سيرا على الأقدام للوصول إلى المدرسة. وبعد ذلك، تابع دراسته الجامعية في شعبة الجغرافيا، قبل أن يشتغل في مجال تركيب تجهيزات شبكات الإنترنت. ولعل هذه التفاصيل تفسر جانبا من ارتباطه بقضايا المجال والعزلة، وإن كانت تجربته المعيشة هي التي منحت خطابه خصوصيته.
أما اسم «أسامة» الذي اشتهر به، فلم يكن الاسم الذي اختاره لنفسه في البداية. فقد أوضح في حوار صحافي أن زملاءه في العمل صاروا ينادونه به نتيجة تشابه ملامحه مع شخص آخر يحمل الاسم نفسه، قبل أن ينتقل اللقب إلى محيطه ويصبح الاسم الذي يعرفه به متابعوه. صدفة بسيطة تحولت، مع مرور الوقت، إلى علامة ارتبطت بمساره الرقمي والسياسي.
بعيدًا عن مقرات الأحزاب واجتماعاتها، دخل بريك السياسة من باب مواقع التواصل الاجتماعي، جاعلا من «إملشيل» والمناطق الجبلية المحيطة بها محورا لمحتواه. سلط الضوء على صعوبات التنقل وفك العزلة ومشكلات التعليم والصحة وضعف البنيات التحتية والفوارق الجغرافية التي تتفاقم مع قسوة الشتاء. ولم يكن يتحدث عن هذه القضايا من موقع المتفرج، بل انطلاقا من واقع يعرفه ويعيشه سكان المنطقة.
ولم يكن هذا النجاح مجرد إنجاز فردي صنعته الشهرة الرقمية، بل جاء كـ «رد فعل جماعي» لسكان المنطقة ولأبناء «المغرب العميق» (وصف إعلامي للمناطق النائية والجبلية والأرياف) الذين وجدوا في هذا الشاب صوتا يعبر عن آلامهم، فاختاروا التعبير عن موقفهم عبر صناديق الاقتراع وتجاوز الأسماء السياسية الكبيرة التي جاءت محملة ببرامج أحزابها الكبرى.
ورغم ترشحه باسم حزب «الوحدة والديمقراطية»، لم يكن حضوره الرقمي امتدادا لمسار حزبي تقليدي، بل شكل رأسماله الأساسي في المنافسة. فقد انتقل من نقل مطالب المواطنين ومساءلة المسؤولين إلى السعي لتمثيل السكان داخل المؤسسات المنتخبة.
وفي الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 أيلول/سبتمبر الماضي، تمكن بريك من الفوز بمقعد عن دائرة ميدلت، في نتيجة أعادت طرح سؤال العلاقة بين الشهرة الرقمية والتمثيل السياسي. فبالنسبة إلى بعض المتابعين، تعكس تجربته صعود جيل جديد يبحث عن تجاوز الوساطة التقليدية بين المواطن والسياسة، بينما تثير، في المقابل، نقاشا حول أهمية الخبرة والمؤهلات اللازمة لممارسة العمل المؤسسي.
ولم تخل مسيرته الانتخابية من الجدل، خصوصا سجاله مع نبيلة منيب، القيادية في «الحزب الاشتراكي الموحد» التي أثارت مسألة دخول شخصيات معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى البرلمان من دون تجربة سياسية أو برلمانية سابقة. وقد طويت صفحة الخلاف لاحقا، بعدما التقى الطرفان خلال افتتاح البرلمان، في مشهد تناقلته كاميرات المصورين الصحافيين، وانتهى بعناق اعتبر مؤشرا على تجاوز سوء التفاهم.
وفي تصريحات لاحقة، أوضح بريك أن الخلاف ارتبط بسوء تفاهم، معبّرًا عن تقديره لحضور منيب البرلماني وترافعها بشأن عدد من القضايا. كما أشار إلى أن اللقاء أتاح لهما التعارف المباشر وتبادل الحديث، والاستفادة من تجربة برلمانية راكمتها منيب على مدى سنوات.
بالنسبة إلى بريك، قد يكون الخلاف مع منيب مجرد محطة من محطات مسار سياسي لا يزال في بدايته. فالدخول إلى البرلمان يضعه أمام تحديات تختلف عن تلك التي واجهها خلف كاميرا الهاتف. إثارة الانتباه إلى مشكلة عبر مقطع فيديو ليست كمتابعتها داخل المؤسسة التشريعية، وذلك ما ينتظره سكان ميدلت: الدفاع عن مطالبهم وإيجاد الحلول لمعاناتهم، وليس فقط من ينقلها.
وتختصر تجربة أسامة بريك جانبا من التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي قادرة على صناعة حضور عام قد يتحول إلى تمثيل انتخابي. لكن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لن تقاس بعدد المتابعين أو بحجم الجدل الذي أثارته، بل بما ستسفر عنه من نتائج ملموسة لفائدة المواطنين.
ولم يتوقف تحدي بريك عند حدود الوصول إلى القبة البرلمانية، بل امتد إلى كيفية ممارسة الفعل السياسي داخل مؤسسة تحتكم لآليات التكتل والفرق النيابية. فكونه الممثل الوحيد لحزب «الوحدة والديمقراطية»، وجد نفسه أمام ضرورة بناء تحالفات لتجاوز الحيز الضيق للتمثيل الفردي، وهو ما تجسد في انضمامه للمجموعات النيابية لضمان حيز زمني للحضور في اللجان ومناقشة مشاريع القوانين.
إن تجربة بريك لا تختزل فقط صعود ناشط رقمي، بل تؤرخ للتحول العميق في شكل الوساطة السياسية بإقليم ميدلت والمناطق الجبلية، حيث تعوّض منصات التواصل الاجتماعي مقرات الأحزاب التقليدية، لتصبح الاستجابة لنبض الشارع اليومي هي رأس المال الانتخابي الأقوى.
فمن «إملشيل» إلى البرلمان، قطع بريك مسافة مهمة، غير أن الاختبار الأصعب يبدأ الآن؛ الانتقال من نقل صوت المهمشين إلى امتلاك أدوات الدفاع عنهم، ومن الشعبية الرقمية إلى المصداقية المؤسسية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *