ألقى الفضاء السياسي بظلاله على الحياة الأدبية المصرية، فشهدت العقود الماضية معارك ظاهرها أدبي وباطنها سياسي، كان هدفها مكايدة الخصوم تارة، وإثبات الحضور في المجال العام تارة أخرى. ولم يسلم نجيب محفوظ من هذه الصراعات، إذ وجد نفسه، من دون قصد منه، طرفاً في سجالات ومناكفات ابتعد كثير منها عن النقد الأدبي، وتحولت إلى تصفية حسابات أيديولوجية بين تيارات فكرية مختلفة، من الناصريين والماركسيين إلى الإسلاميين، ولكل منها دوافعه ومواقفه. غير أن الحديث هنا سيقتصر على رؤية جماعات الإسلام السياسي لنجيب محفوظ.
وقد وقع كثير من المنتمين إلى هذه الجماعات، على اختلاف توجهاتها، في خطأ اختزال كبار الأدباء والمفكرين في كتابات جدلية تعود إلى مراحل محددة من مسيرتهم، من دون الالتفات إلى ما شهدته تجاربهم الفكرية والإبداعية من تطورات وتحولات، وصلت أحياناً إلى مراجعات جذرية. وأسهم هذا النهج في تكوين صور ذهنية جامدة عن هؤلاء المفكرين، وإطلاق أحكام قاطعة عليهم، لا تراعي تعدد مراحل تجربتهم ولا تقبل إعادة النظر.
ولم يقتصر الأمر على استعداء بعض المفكرين والأدباء، بل امتد إلى التيارات الفكرية التي ينتمون إليها، استناداً إلى تصورات مسبقة ومبسطة عن أفكارها ومواقفها. ومن أمثلة ذلك اختزال الليبرالية في الدعوة إلى الانحلال الأخلاقي، كما عبّر أحد الدعاة المحسوبين على هذا الاتجاه بقوله: «الليبرالية يعني أمك تخلع الحجاب». وقد تكرر هذا النمط من الأحكام خلال العقود الماضية في التعامل مع عدد من المفكرين، وكان نجيب محفوظ من أبرز من تعرضوا له.
اصطبغت غالبيّة أعمال نجيب محفوظ بصبغةٍ فلسفيّةٍ ثقيلةٍ، يستعصي فهمها على العامّة، ولا يفهمها إلا الخاصّة، فقد تخرّج محفوظ في قسم الفلسفة في كليّة الآداب جامعة القاهرة، كما أنه تتلمذ على يد الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الأزهر الأسبق، المُتوفَى عام 1947 والذي يُعدّ من روّاد وأعمدة مدرسة الإمام محمد عبده، وقد حظي الشيخ مصطفى عبد الرازق تحديداً بتجاهلٍ شديدٍ مُتعمّدٍ في بعض الأحيان، لأسباب لا يتسع المقام لسردها، رغم أن قامته ومكانته العلميّة، والشرعيّة، والفكريّة في تاريخ الظاهرة الإسلاميّة، تفوق كثيرين من أعمدة مدرسة الإسلام السياسي، من ذوي الحصيلة الفكريّة، والمعرفيّة الضئيلة والمحدودة، وقد ذاع صيتهم، وكُتِبَ لهم الانتشار، لا لشيء سوى علاقتهم العضويّة بهذه الجماعة أو تلك.
لقد ترك الشيخ مصطفى عبد الرازق أثراً كبيراً في نجيب محفوظ، فقد علّمه احترام التراث العربي واللغة العربيّة، وفهم الدين فهماً مليئاً بالسماحة والاستنارة، رافضاً للتعصّب والتطرّف كما ذكر رجاء النقّاش في كتابه المهمّ «في حُبّ نجيب محفوظ»، وهو كلام مُؤكَّد بما رواه نجيب محفوظ نفسه لرجاء النقّاش في كتاب «صفحات من مُذكّرات نجيب محفوظ»، عن فضل الشيخ مصطفى عبدالرازق عليه. كما ظهر أثر الشيخ مصطفى عبد الرازق، في جانب آخر من نجيب محفوظ، فقد احتلّ البُعد الفلسفي والفكري جانباً كبيراً من روايات محفوظ، التي غلب عليها طابع الرمز، بيْد أن أتباع جماعات الإسلام السياسي توقّفوا طويلاً عند روايته المثيرة للجدل «أولاد حارتنا»، من دون أدنى محاولة لمراجعة نظرتهم لنجيب محفوظ بقراءة أعماله التالية، فتقييم أديب بحجم نجيب محفوظ لا يكون بالتوّقف عند رواية بعينها، ضمن مسيرته الطويلة وإنّما بالنظر إلى مسيرته الأدبيّة إجمالاً وبآخر ما كتبه. فقد اختزل كثير من الإسلامييّن أديبا مثل نجيب محفوظ الذي ظلّ يكتب لستّة عقود كاملة، في رواية «أولاد حارتنا» التي صدرت في عام 1967، وأمطروه بسيْلٍ جارفٍ من الاتهامات الثقيلة، التي تقدح في دينه وصلت إلى رميه بالإلحاد، حتى ظهر أحد المُتنطّعين المُتسلّفين المُتريّفين، من أرباب التديّن الشكلي، و»فقه اللحية والنقاب» منذ سنوات قليلة، ليصف بكلّ جهل وتنطّع، أعمال نجيب محفوظ بأنها «أدب حشيش ودعارة» هكذا ضربة لازب(!).
تتعيّن الإشارة إلى أن «أولاد حارتنا»، مُنعت من النشر داخل مصر لسنوات طويلة، بعد الضجّة التي أثارها نشرها كحلقاتٍ مُسلسلَةٍ، في صحيفة «الأهرام» عام 1959، حيث طبعتها «دار الآداب» في بيروت عام 1962، بيْد أنها صدرت لأوّل مرّة في مصر عن «دار الشروق» في عام 2006، بمُقدّمةٍ ضافيةٍ جديرة بأن تُدرَّس للراحل أحمد كمال أبو المجد، كانت في الأصل مقالاً كتبه في صحيفة «الأهرام» في خريف عام 1994، عقب زيارة له بصُحبة الناشر إبراهيم المعلّم إلى نجيب محفوظ في منزله، في أعقاب حادث الاعتداء الغادر الذي وقع عليه في أكتوبر/تشرين الأول عام 1994، من شخص جاهل تمام الجهل، من ذوي الثقافة «السمعيّة»، والذي كان مُعبَّأ بشُحنةٍ عميقةٍ من الكراهية لمحفوظ، ناتجة عمّا سمعه من بعض الخطباء المُتنطّعين المُتيبّسين «إيّاهم»، من ذوي العقليّة «المؤامرَاتيّة»، والنزعة التكفيريّة من معدومي الذائقة الأدبيّة، فحمل سلاحاً أبيضَ واعتدى على محفوظ، رغم أنه لم يقرأ حرفاً له.
النقطة اللافتة التي تستوجب النظر، أن نجيب محفوظ أصدر عام 1982، روايته «رحلة ابن فَطّومة»، وكانت من أواخر أعماله فقد صدرت هذه الرواية في آخر مسيرة محفوظ الأدبيّة، وقد حملت مضموناً فلسفيّاً مُهمّاً يستحقّ التوقّف والتأمّل، فقد دارت أحداثها عن رحلة قام بها الرحّالة ابن فطّومة، الذي خرج من وطنه ساخطاً على المفاهيم المغلوطة لفهم المسلمين للإسلام وقبولهم بالفساد والاستبداد، منادياً بنبذ الجمود وإعمال العقل والاجتهاد من أجل إصلاح المجتمع مع التمسّك بالأصول، مُتنقِّلاً بين دور «المشرق»، و»الحيرة»، و»الحلبة»، و»الأمان»، و»الغروب»، وأخيراً توجّه إلى «دار الجبل» التي ترمز إلى العدالة المطلقة. وقد رمز محفوظ بكلّ دارٍ منها، إلى مرحلةٍ في تاريخ الحضارات البشريّة، والنُظُم السياسيّة المختلفة التي ظهرت تباعاً في العصر الحديث، والرحلة إجمالاً تُعبِّر عن رحلة الإنسان في البحث عن الحقيقة، من أجل الوصول إلى درجة الكمال، وقد حملت الرواية رسالةً واضحةً عن العودة إلى الدين والإسلام، مثّلتها فرحة ابن فطّومة لحظة سماع الأذان بعد غُربةٍ طويلةٍ، والأذان هنا رمز للإيمان واليقين والنقاء.
في «رحلة ابن فطّومة» بدا واضحاً كلّ الوضوح، أن نجيب محفوظ تجاوز مراحل فكريّة شهدت عصفاً ذهنيّاً مرّ بها في فتراتٍ سابقةٍ، فقد بدا واضحاً أنه تجاوز مرحلة الشكّ التي كانت في «أولاد حارتنا»، ومرحلة الحيرة والتيه التي كانت في «الطريق» و»قلب الليل»، وأنه وصل إلى مرحلة الهدوء والسلام والاستقرار واليقين.
للأسف الشديد لم تحظَ تلك الرواية المهمّة، بالقدر اللازم من الاهتمام والدراسة الكافية، مثلما حظيت روايات أخرى مثل، «أولاد حارتنا»، لأسباب أيديولوجيّة في المقام الأوّل، خاصّة أن أغلب المُشتغلين بالنقد الأدبي في الفضاء الثقافي المصري، من المنتمين إلى اليسار الماركسي المُتطرّف من المُتشبّعين بأفكار «الماديّة التاريخيّة»، حيث تجاهلوا هذه الرواية تماماً، ولم يشيروا إليها ـ رغم أهميّتها في مسيرة نجيب محفوظ ـ لدوافع أيديولوجيّة، بهدف المكايدة نظراً لإشكاليّة علاقة الماركسييّن بأدب نجيب محفوظ من جهة، وبهدف تثبيت وترسيخ صورة مُعيّنة عن نجيب محفوظ من جهة أخرى، تحت رغبة لتصنيفه في مُربّع فكري بعينه، عند خصومهم الإسلامييّن من ذوي الحصيلة الأدبيّة المحدودة، وربّما المعدومة الذين لا يقرأون الأدب من الأصل. وقد وقع أتباع الإسلام السياسي في الفخّ وابتعلوا الطُعم، وتوقّفوا تماماً عن «أولاد حارتنا»، وتجمّدت صورتهم الذهنيّة عن نجيب محفوظ، عند الجدل الكبير الذي أثارته، وآراء بعض الشيوخ الذين وضعوه في خانة «الأعداء»، وأشبعوه هجاءً وشتماً، ولم يحاولوا مراجعة نظرتهم لنجيب محفوظ بقراءة أعماله التالية، والتي غالباً لا يعرفون أسماءها من الأصل.
تقييم أديب بحجم نجيب محفوظ، لا يمكن أن يكون بالتوقّف عند رواية بعينها، لا تمثّل أكثر من محطّة في مسيرته الطويلة، وإنّما يكون بالنظر إلى مسيرته الأدبيّة الطويلة الحافلة إجمالاً، وبآخر ما كتبه، فالاختزال والابتسار بهدف تصفية الحسابات الأيديولوجيّة، آفة كبرى في حياتنا الثقافيّة والفكريّة.
كاتب مصري