يصعب إطلاق العنان لأحاسيس شتى، تختلط فيها الشماتة بالسخرية والتصديق بالاستغراب والطرافة بالاشمئزاز، عند قراءة فقرات دعوى التشهير القضائية التي رفعها رونين بار، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي («شين بيت»)، ضدّ بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال. ذلك لأنّ دفاعات الأوّل في وجه اتهامات الثاني لا تعيد إلى الأذهان إلا ذلك الطراز من حروب شعواء مسعورة تندلع داخل عصابة إجرام، وليس «دولة» لا تكفّ عن التفاخر بأنها «واحة الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط.
وفي وسع امرئ راغب في الاستزادة أن يبدأ من السياق السابق لرفع الدعوى، أي تغريدة نتنياهو، في الهزيع الأخير من ليل 29 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، حين ألقى اللوم على قيادات الاستخبارات العسكرية والـ«شين بيت» في وقائع عملية المقاومة الفلسطينية داخل غلاف غزّة، يوم 7 من ذلك الشهر؛ ثم سارع إلى مسح التغريدة بعد أن أثارت ضجة عارمة وتوبيخ معلن، واستبدلها باعتذار.
رجل الاستخبارات، رئيس جهاز الأمن الأعلى سطوة، يزعم أنه أبلغ رجل السياسة، رئيس حكومة الائتلاف الحاكم؛ مراراً وتكراراً بأخطار متعددة تكتنف تحركات «حماس» ومناوراتها. فلم يلقَ منه أذناً صاغية لأنّ الأخير منشغل بمتاعبه السياسية والقضائية والحزبية، كما أنه غير راضٍ عن الاستخبارات لأنها لا تسير في ركابه كما يريد لها أن تفعل. يردّ نتنياهو بالطعن المقذع في كفاءة بار، الذي لم يرسل إلى احتفالات نوفا في غلاف غزّة سوى نفر قليل من أفراد «تيكيلا»، مجموعة النخبة في الـ«شين بيت»!.
غير هذا وذاك، قبل «طوفان الأقصى» ومنذ عودة نتنياهو إلى السلطة أواخر 2022، لم تمتثل الأجهزة الأمنية لرؤية نتنياهو حول تحجيم المحكمة العليا وإصلاح القضاء؛ إذ حذرت من غليان الشارع الإسرائيلي ضدّ تلك الخيارات، واتفق معها جنرالات كبار وأجهزة أمنية أخرى، خصوصاً حين طالب نتنياهو بقبضة فولاذية لقمع احتجاجات الطيارين في سلاح الجو.
والحال أنّ نتنياهو لا يتعامل مع قادة الأجهزة الأمنية على هذا النحو من إرادة التطويع والتجنيد إلا لأنه يحفظ، جيداً كما ينبغي لأمثاله، تراث الاشتراطات المسبقة التي تتحكم في تسمية هؤلاء أصلاً؛ كما في مثال مدراء جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان): خلال سنوات حكم حزب «العمل»، بين سنوات 1948 وحتى 1977، كان جميع هؤلاء على صلة تنظيمية سابقة أو قائمة مع الحزب؛ ولم يُعيّن مدير ذو خلفية يمينية إلا سنة 1978، حين وصل الجناح اليميني من الليكود إلى السلطة. وخلال العقد الأول من عمر جهازَيْ الـ«موساد» والـ«شاباك»، احتكر الإدارتين معاً حزب الـ«ماباي»، سلف «العمل»؛ في شخص آيسرهاريل الذي تصرّف كممثل لحزبه، أكثر من أيّ جهاز أمني تحت سلطته.
وحين تدخل الزوجة سارة نتنياهو إلى المعترك، فتضرب ذات اليمين وذات اليسار، هي المتورطة في فضائح الرشى والفساد؛ أو يقتدي بها النجل يائير نتنياهو، فيتهم قادة الجيش والأجهزة بالخيانة، هو المصطاف على شواطئ ميامي؛ فذلك، ضمن اعتبار أوّل مفاده أنّ الكيان عصابة، وليست أعراف المافيا سوى نسخة خجولة من سجلاته الإجرامية. ولا يحتلّ نتنياهو موقع الأطول عهداً في حكم الكيان، إلا لأنّ المجتمع الإسرائيلي في غالبيته المطلقة يستطيب التمرّغ في أخلاقيات السجلّ إياه، بل يهبط فيه من درك أسفل إلى آخر أدنى.
وفي الأمثال الشعبية العربية، ثمة تلك المعادلة عن فخّار يكسّر بعضه، بمعنى أنّ نتنياهو وبار، أو نتنياهو وهرتسي هاليفي، إيال زامير (رئاسة الأركان)، رومان غوفمان ودافيد زيني («موساد» و«شين بيت»)، وجوه متقلبة من عملة واحدة في أكثر من هرم متنوع للسلطة؛ ولكن في كيان واحد استعماري واستيطاني وعنصري، لا ينتقل من سعار حتى يستقرّ في عماء.