تلقيت تهديدات سابقة بالقتل.. وأتوقع موقفا أوروبيا قويا لإدانة العقوبات الأمريكية


كشفت القاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي، الفائزة بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، عن تعرضها لتهديدات سابقة بالقتل، حتى خلال توليها منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، متوقعة موقفاً أوروبياً قوياً وموحداً لإدانة العقوبات الأمريكية وحماية موظفي المحكمة الجنائية الدولية، لأن الدول الأوروبية كانت في مقدمة الدول الداعمة للمحكمة.

جاء ذلك في مقابلة حصرية مع TRT عربي، أُجريت في مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي.

كما كشفت بيلاي عن امتداد تداعيات العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية إلى عائلات العاملين فيها، قائلة إن أبناء بعض القضاة أصبحوا مستهدفين، واتهمت واشنطن بالسعي إلى الحصول على ضمانات تحول دون ملاحقة إسرائيل وجنود أمريكيين أمام المحكمة.

جائزة نوبل ستتيح لي مواصلة الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان

وحذرت بيلاي، المفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان والرئيسة السابقة للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، من محاولات تقويض العدالة الدولية، مؤكدة ضرورة حماية استقلال المحاكم وإصلاح النظام الدولي.

أيدت بيلاي الدعوات إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي، وأشادت بموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومقولته “العالم أكبر من خمسة”، قائلة: “هذا تصريح مهم للغاية ودقيق أدلى به الرئيس أردوغان”، مشيرة إلى مشاركتها في الجهود الرامية إلى إصلاح المجلس.

دعوة الرئيس أردوغان إلى إصلاح مجلس الأمن الدولي مهمة للغاية ولا يمكن لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية أن يحكم العالم إلى الأبد

وأوضحت أن تركيبة مجلس الأمن تعكس موازين القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولم تعد تتناسب مع التحولات الدولية، مضيفة: “لا ينبغي السماح للقوى الكبرى بحماية نفسها تحت غطاء استخدام حق النقض. هذا أمر غير مقبول”.

ودعت الدول الخمس الدائمة العضوية إلى التخلي عن استخدام حق النقض، خصوصاً في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان، ورأت أن تعويض ضحايا النزاعات حق وليس منّة.

واشنطن تريد عدم ملاحقة إسرائيل

بشأن العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية، كشفت بيلاي أنها توجهت، فور وصولها إلى لاهاي قادمة من مدينة نورمبرغ الألمانية، إلى مقر المحكمة، حيث التقت قضاتها وموظفيها والمدعي العام، تضامناً معهم بعد إعلان العقوبات الذي جاء بعد ساعات من فوزها بجائزة نوبل.

وقالت: “إن فرض عقوبات على القضاة بسبب إصدارهم أوامر قضائية قانونية أمر غير قانوني تماماً وغير مقبول”، موضحة أن العقوبات تؤثر في عمل الموظفين ورواتبهم، وأن “بعض أبناء القضاة مستهدفون أيضاً”.

ورداً على سؤال عن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن إصلاح المحكمة، قالت بيلاي إنها سألت قضاة المحكمة عن طبيعة الإصلاحات المطلوبة، مضيفة: “إنها ليست إصلاحات. إنهم يريدون فقط ضماناً بأن المحكمة لن تلاحق إسرائيل، وأنها لن تلاحق الجنود الأمريكيين المتورطين في جرائم ارتُكبت في أفغانستان”.

العقوبات الأمريكية رد انتقامي بعد ساعات من فوزي بنوبل

وشددت على أنه لا يحق لأي دولة أن تملي على المحكمة من تحقق معه، داعية الدول الأوروبية إلى اعتماد تشريعات تحد من آثار العقوبات الأمريكية وتحمي استقلال القضاء الدولي.

وتوقعت موقفاً جماعياً قوياً من الدول الأوروبية لإدانة العقوبات الأمريكية، مضيفة: “لقد سمعت بالدعوات الأوروبية إلى تفعيل قانون الحجب، وأعتقد أن المخاطر أصبحت كبيرة بما يكفي لتبرير ذلك. هناك محاولة لإضعاف القانون الدولي، وقد تكون هناك تهديدات إضافية”.

تجسس وتهديدات بالقتل

تطرقت بيلاي إلى التقارير المتعلقة بعمليات استخباراتية إسرائيلية ضد المحكمة ومسؤوليها، موضحة أنها لا تمتلك معلومات داخلية عما توصل إليه مسؤولو الأمن في المحكمة، لكنها كشفت أن لجنة التحقيق الأممية التي ترأستها تلقت إحاطات أمنية من الأمم المتحدة أثناء إعداد تقريرها بشأن الإبادة الجماعية في غزة.

وحذرت من خطورة المراقبة والتجسس على سرية التحقيقات وحماية الشهود، مستذكرة تحقيقات سابقة في كينيا فقد خلالها الادعاء شهوده بعدما قُتل بعضهم أو اختفى آخرون، وقالت: “إنها مسألة يجب التعامل معها بجدية بالغة، لا سيما أن إسرائيل تمتلك قدرات متطورة للغاية في المراقبة والتجسس، ومسألة الأمن مقلقة للغاية”.

وكشفت عن تعرضها لتهديدات سابقة بالقتل، قائلة: “لن أنسى قضية مسؤولين كبار في كينيا، حين أبلغ الادعاء المحكمة بفقدان جميع شهوده؛ إذ قُتل بعضهم واختفى آخرون. هذا الترهيب يعرقل عمل المحكمة الجنائية الدولية بشكل خطير، وأتمنى توفير الدعم التقني والمهني لحماية تحقيقاتها وشهودها من المراقبة والتدخلات”.

معلومات من داخل إسرائيل

في ما يتعلق بتحقيقات اللجنة الأممية بشأن غزة، أكدت بيلاي أن التوصل إلى استنتاج بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية استغرق عامين من جمع الأدلة والتحقق منها، في ظل منع المحققين من الوصول إلى إسرائيل وعرقلة تعاون منظمات حقوقية معهم.

وقالت: “كنا شديدي الدقة في التحقيقات، وكل معلومة أوردناها في تقاريرنا تحققنا منها بأنفسنا، ولم ندرج أي واقعة دون التحقق منها”، كاشفة أن اللجنة تلقت شهادات ومعلومات من ضحايا وباحثين وخبراء وعسكريين إسرائيليين سابقين، وفحصت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وخطابات التحريض على العنف والإبادة.

وكانت اللجنة قد خلصت، في تقرير أصدرته في أيلول/سبتمبر 2025، إلى مسؤولية السلطات والقوات الإسرائيلية عن ارتكاب أربعة من الأفعال الخمسة التي تحددها اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وهي القتل، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بالفلسطينيين، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم كلياً أو جزئياً، واتخاذ تدابير تهدف إلى منع الإنجاب.

وأكدت بيلاي أن اللجنة وجدت أدلة على نية الإبادة في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ومجمل الوقائع التي حققت فيها، مستندة إلى خبرتها السابقة قاضيةً في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا.

ورفضت تجاهل الدول نتائج التحقيق بحجة صعوبة إثبات نية الإبادة، مشددة على أن اللجنة تتمسك باستنتاجاتها، رغم أنها هيئة تحقيق مستقلة وليست محكمة تصدر أحكاماً قضائية. وكانت إسرائيل قد رفضت نتائج التقرير واتهمت اللجنة بالتحيز، بحسب زعمها.

الوضع في الضفة الغربية مقلق للغاية

في ما يتعلق بالأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، حذرت بيلاي من استمرار الاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل دون محاسبة، قائلة: “أعتقد أن كل ما يحدث مخطط له”. وأشارت إلى تقرير خاص أعدته اللجنة، تضمن خرائط توثق التحولات في ملكية الأراضي، ورأت أن السياسات والتصريحات الإسرائيلية تعكس توجهاً للاستيلاء على مساحات إضافية.

وتستعرض الخرائط التي أوردتها لجنتها في تقرير خاص بالأراضي، بهدف إظهار ضآلة الأراضي التي امتلكها اليهود مقارنة بالفلسطينيين عند إنشاء إسرائيل، محذرة من استمرار فقدان الفلسطينيين أراضيهم بطرق غير قانونية.

مسألة حياة أو موت

ولا تتوقف بيلاي عند ذلك، بل تتحدث بتأثر عما يتعرض له الفلسطينيون، حتى أثناء قطف الزيتون من أشجارهم، من إطلاق للنار وقتل، وعن أطفال يتعرضون للرشق بالحجارة. وتقول إن الأوضاع في فلسطين أكثر خطورة مما عاشته جنوب إفريقيا، وإن الأمر بالنسبة إلى الفلسطينيين مسألة حياة أو موت.

واستطردت قائلة: “من المقلق للغاية أن تُنتزع الأراضي من الفلسطينيين وأن تُهدم منازلهم أمام أعين العالم، من دون أن يتعرض المسؤولون عن ذلك للمحاسبة”، مشيرة إلى أن لجنة التحقيق الأممية تواصل عملها وستستمر في جمع الأدلة الموثوقة بشأن الانتهاكات التي تقع في مختلف الأراضي الفلسطينية، وأن ذلك سيكون مفيداً أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.

كما شددت بيلاي على أن “الفلسطينيين عاشوا في هذه الأرض قروناً، ولديهم تاريخ موثق فيها، لكنهم يواجهون اليوم خطر فقدان أراضيهم بطرق غير قانونية”.

وكانت لجنة نوبل قد أعلنت، في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، منح بيلاي جائزة السلام تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي. وقالت إن نبأ فوزها فاجأها أثناء مشاركتها في مؤتمر داخل قاعة المحاكمات التاريخية في نورمبرغ، مؤكدة أن الجائزة تكرم جميع ضحايا الجرائم الدولية الذين لم ينالوا العدالة.

وأكدت بيلاي ضرورة الحفاظ على الأدلة التي جُمعت بشأن الانتهاكات في فلسطين لضمان سماع أصوات الضحايا أمام المحاكم، مستحضرة تجربة جنوب إفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، ورأت أن التضامن الدولي مع الفلسطينيين يمنحهم دعماً أوسع مما حظي به نضال بلادها ضد نظام الفصل العنصري.

وأضافت بيلاي، التي عاشت مرحلة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وأصبحت أول امرأة غير بيضاء تتولى منصب قاضية في المحكمة العليا هناك، أنها لن تتقاعد ما دام الظلم قائماً، رغم بلوغها الخامسة والثمانين من العمر، مشددة على أنها ستواصل “النضال من أجل ضحايا الانتهاكات والظلم في العالم”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *