ليس مجرد «نادي سيارات مصر» الذي يمكن اعتماده عنوانا لرواية كما فعل ناجحا الكاتب علاء الأسواني… يمكن الحديث أيضا عن سيارات الفاتيكان.
وهذه المرة، ليس لإدانة الاستبدادية والطغيان والفساد المتفشي من عالم مصغر، لكن للحديث عمن كرس حياته للتنديد بطبائع الظلم في العالم بشتى انواعها، داعيا إلى العدالة والتعاضد والالتزام الأخلاقي وحوار الأديان.
نعم. إنه البابا. بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر المغرم بالقيادة، انطلاقا من قيادة الميكروباص الذي كان ينقل به الرهبان المتعلمين في شمال البيرو، مرورا بسيارة الدفع الرباعي «إكسبلورر هيبريد» التي أهداها إياه رئيس شركة فورد جيم فارلي وقد روى أنه عبر المحيط الأطلسي خصيصا لهذا الغرض، مرورا بسيارة «كاديلاك « القديمة التي كان يستقلها أثناء دراساته وهو يعلم القيادة لأبناء محافظة «شيكلايو» شمال البيرو.
هنا، تجمل صحيفة «لا كروا» الفرنسية مسيرة كاملة في عبارة تقوم مقام المختصر المفيد: «قصة البابا في صورتها الكاملة كالتالي: قصة من أمضى خمسين عاما يمسك بالمقود حتى تعلم، في الثامن من مايو 2025، يوم انتخابه، كيف يرجعه.»
القيادة عنوانا لجولة وعنوانا لمسيرة. يوم انتخاب البابا الجديد، انتخب أيضا قيادي مرتين، بل ثلاث مرات : قائدا سابقا للسيارات، قائدا حاليا للمسيحيين الكاثوليك، قائدا لدولة. وربما مرة رابعة، قائدا من قادة للسلام.
زيارة البابا إلى فرنسا كانت لافتة. لافتة في مبناها ومعناها لكن أيضا في تحضيراتها، وعلى خلفيات كثيرة : خلفية الاهتزازات الاجتماعية التي يشهدها البلد، والتي ينسبها كثيرون إلى أزمة في المراجع والقيم، خلفية تشرذم المشهد السياسي الذي لم يعد قادرا على تحديد أهداف ومقاصد تعيد ترميم بيت الأمة المتفسخ، كما رأينا مراقبين آخرين، علمانيين، خارجين عن دوائر المؤسسة الكنسية تماما، يتحدثون عن «أزمة الإيمان» …
وها كم هذه الشهادة الجميلة البليغة، قصة تلاميذة ثانوية «سان جان باتيست» في مدينة سان دوني، مؤسسة تعليمية كاثوليكية تفتح أبوابها واسعا أمام تلاميذة ينتسبون لديانات غير الديانة المسيحية، منهم المسلمون وهم كثر.
في هذه المدرسة، كان التلاميذ المسلمون أكثر التلاميذ حماسة للانضمام إلى مجموعة المدرسة الراغبة في حضور سهرة التجمع الخاص للشباب المقام على شرف البابا بملعب «ستاد دو فرانس». (وما أبعدما كنا عن أعمال الشغب التي صرنا نعيشها بعد يومين إثنين فقط من رحيله !)
هنا، بالإمكان التساؤل عن أسباب الوقع الخاص الذي تحدثه زيارات البابا إلى القوى الصناعية العالمية. الرفض التام لأي مبررات للحرب يندرج في هذا الإطار. وهنا نتعدى الانتماء الديني لنسبر أهدافا ومقاصد تفرض نفسها على الوعي البشري ككل. وعندما نتحدث عن الوعي البشري نتحدث عما كان يسميه أرسطوطاليس «الإيطيقا «، أي مجموعة السلوكيات والتصرفات والحدود والقوانين غير المكتوبة التي تحدد مسار الوعي ومصيره.
ولاية البابا الجديد التي لا تزال في باكورتها أرخت لنا جميعا حبالا لصناعة الأفضل وليس لمجرد التطلع إلى الأفضل
خطاب يشكر فيه الحبر الأعظم الشباب على شجاعتهم، تشجيع موجه للجميع لا يستثني أحدا، بمن فيهم الكبار. الكبار المدعوون إلى الاقتداء بهذا النموذج من المثابرة والصبر
والتفاني الذي يشكل كفاحا. كفاح من أجل الخير، والحسن، والجميل.
إنه تحدي القرن، تحدي القرن الذي كان قد نظر له واحد من أكثر الأصوات علمانية وتمسكا بقيم الجمهورية بفرنسا، الكاتب أندريه مالرو، أول وزير للثقافة في تاريخ الجمهورية الفرنسية (كنا نتحدث حينها عن «وزراة الشؤون الثقافية «). وعبارة مالرو باتت مشهورة منذئد : «سيكون القرن الحادي والعشرون روحيا، أو لن يكون».
أن تكون روحيا يعني الكثير. هنا أيضا نتعدى إطار ممارسة الطقوس الدينية لننتقل إلى منظومة قيم ومراجع، منظومة كم أظهر لنا قرننا اهتزازها وتزحزحها بحيث ظل الفرد عائما وسط بحر متلاطم من التيارات والتيارات المضادة تغذيه المظالم والمآسي والصراعات على الحكم.
قوة البابا قوة ناعمة، لكن التاريخ أثبت أن هذه القوة تكون دائما فاعلة على المدى البعيد. يكفينا الحديث هنا ، على سبيل المثال وليس الحصر، عن الدور الذي لعبه البابا يوحنا بولس الثاني في طي صفحة الشيوعية السوفييتية، ودور بنيدكتس السادس عشر، كأستاذ جامعي، في إدخال آليات المناظرة والتهافت والتفكيك في صلب النصوص التأسيسية للاهوت المسيحية ممهدا الطريق أمام قراءة نقدية تجديدية.
ماذا سيكون موروث ليون الرابع عشر؟
السؤال واسع، بل واسع جدا، كما هو الحال دائما عندما نتحدث عن ولاية بابا. لكن في حديث ليون الرابع عشر عما دأبنا على تسميته «نهاية الحياة «، تخطينا تلك المرحلة التي أثارت الكثير من النقاش هنا في فرنسا حين انتقلنا من قانون «ليونيتي» عن العلاج التلطيفي أو العناية التلطيفية لذوي السن المتقدم وغيرهم الذين يعانون من أمراض خطيرة قد تكون مهددة للحياة، إلى قانون يجيز -وإن يكن بعد تأمين تشخيص يثبت أن المرض ذاته بلغ نقطة اللاعودة- ما يدعى بالـ»حق في الموت». هنا، بدأنا نسمع من البابا خطابا غير مسبوق يوازي قانونا غير مسبوق لتذكير الوعي الجماعي بأن نضال البشرية، في كل المجالات التي تجعل الموجود موجودا، يجب أن يكون نداء الحياة.
وهنا لا بد من الإقرار أن ولاية البابا الجديد التي لا تزال في باكورتها أرخت لنا جميعا حبالا لصناعة الأفضل وليس لمجرد التطلع إلى الأفضل.
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي