لا حديث اليوم في الوسطين الثقافي والإعلامي الفرنكفوني إلا عن رواية (هذا ما كان أو الموت) «C’était ça ou mourir» للكاتب الكندي من أصول هايتية ثيليسون أوريليان Thélyson Orélien ، حتى غدا الأمر ما يشبه قضية رأي عام، تحت وطأة أكبر جدل أدبي شهدته العقود الأخيرة وأكثرها لغطا. كتب غريغوري بلوفييه: «أسلوب الرواية سلس، لكن القراءة التي تأتي بعد اندلاع الجدل، تبدو فوضوية، إلى حد أنها أصبحت ملوثة بالنقاشات الدائرة حاليا».
فالرواية لا غنى عن قراءتها في موسم فرنسا الأدبي، والنقاد بمجرد أن صدرت يشيدون بها. حبكتها بسيطة: تتبع الرواية التي صدرت عن دار غراسيه في أغسطس/ آب 2026، رحلة جوناس دورليون، أستاذ التاريخ والجغرافيا، الذي يغادر قريته في هايتي، بالقرب من حي بورتو برانس، هروبا من أحداث العنف واقتتال العصابات في العاصمة. يقطع آلاف الكيلومترات عبر دول أمريكا الجنوبية (الدومينيكان، كولومبيا، البرازيل…) حيث شاهد ولاقى أمورا مروعة، وصولا إلى غابات «داريان» على الحدود الأمريكية في طريقه إلى كندا، ويلتقي «إخوته البشر» الذين ألقت بهم طرق الهجرة في دروبها، حاملا معه شهادته الجامعية، وكراسة أشعاره بما هي حافزٌ للحياة، وصورة أمه التي كانت تزين جدار بيته. فالرحلة تحكي المسار الشاق لمهاجر يكافح من أجل النجاة بحياته.
بقدر ما أحداثها تلتئم على درب المهمشين الذين يقاومون كل شيء؛ الخوف والقسوة والاقتلاع والمنفى والعنصرية وانكسار الهوية، من أجل الكرامة الإنسانية: لماذا يضطر المرء إلى ترك كل شيء، بما في ذلك لغته الأم، ويختار الهجرة والبعد عن الوطن؟ إنها السؤال الدائم الذي يُطرح على المهاجرين. لكن هذه الرواية تقدم إجابات كثيرة، أهمها: نحن نهرب لكي نعيد بناء أنفسنا ونصبح أشخاصا آخرين، ولسوء الحظ أن الذي هرب ليس أي شخص، بل هو أستاذ مثقف فيُجبرك على سلوك طرق المنفى، في حين يبقى قطاع الطرق والبورجوازيون الرجعيون في أماكنهم. ولكن الرواية تتيح لنا أن نفهم أنه حتى عندما نهرب مُكْرهين، لا نفقد الإيمان بمصير الوطن.
بعد أن أثارت هذه الرواية اهتمام القراء؛ إذ حققت انتشارا سريعا وبيعت منها عشرات الآلاف من النسخ، بل فازت بعد أيام قلائل بجائزة (فناك) العريقة ودخلت قوائم عدد من الجوائز الأدبية الفرنسية، بما في ذلك جائزة (الغونكور) الأشهر، حتى نشر حساب مجهول على منصة (إكس) باسم «Balance ton Claude» اتهاما يدعي فيه أن الرواية كُتبتْ بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فقد أدخل مقاطع من مواضع مختلفة في الرواية إلى أداة (بانغرام)، ليخلص إلى أن نص الرواية مولد بالذكاء الاصطناعي بنسبة مئة في المئة. نفى الكاتب المنتشي بنجاح روايته هذا الاتهام، واختصر حملته الترويجية، وعاد مبكرا إلى كندا، في انتظار عودة «الهدوء» حتى يتمكن من تقديم توضيحات أكثر تفصيلا. فيما الدار الناشرة تدافع عنه في مواجهة «الناقمين» على شبكات التواصل الاجتماعي.، وترفض ما وصفته بحملة الشائعات المغرضة، بل توعدت بأن «الدخول في هذه الحرب أمر غير مُجدٍ».
لكن الأهم من كل ذلك؛ من نجاح الرواية وسحر موضوعها، ومن صحة الاتهام من عدمه، أن القضية أثارت من جديد خطورة الذكاء الاصطناعي الذي بات يلازم الوجود الإنساني في كل شيء، حتى في أشيائه الحميمة بما فيها مخدع الكتابة الأدبية وذاكرتها وأسرارها: إذا كان بوسع الذكاء الاصطناعي أن يكتب البيت والبيتين، فهل يمكن أن يكتب رواية، بل رواية جميلة ومثيرة للدهشة والإعجاب؟
جدلٌ اصطناعي؟
هل أوريليان هو فعلا من كتب «هذا ما كان أو الموت»؟ وبتأويل آخر، هل يتعلق الأمر بضريبة النجاح الهائل للكتاب؟ أم أننا أمام كشف لعملية انتحال أدبي؟
تعترف شانتال غي، وهي محررة ثقافية في صحيفة «لابريس» الفرانكفونية، بأن الرواية «تحفة فنية»، غير أنه في الوقت الراهن لن تمر هذه القضية، من دون أن تثير في ذهن أي كاتب ألف مسألة ومسألة، وقد وقّع جَمْعٌ من الكتاب عريضة في مجلة «تيليراما» يدعون فيها إلى الدفاع عن «الضرورة الوجودية للإبداع البشري». والغريب أنه تحت وطأة الجدل، ما تزال مبيعات الرواية آخذة في الارتفاع، كأن الناس يريدون أن يكونوا رأيهم بأنفسهم، والفارق أن من قرأ الرواية قبل اندلاع «الفضيحة» ليس كمن يتصفحها وهو يحمل شكا بخصوص أصالتها.
لن تكون القراءة هي نفسها. تشير نتائج استطلاع أجرته صحيفة «لابريس» قبل أيام، أن نسبة السبعين في المئة من المستطلعة آراؤهم لا يرغبون حقا في قراءة كتاب مولد بالذكاء الاصطناعي على نحو واسع. ومع ذلك، فإن بعضهم يتعامل مع الأمر بواقعية. يرى بينو أن علينا أن نُنشئ فئة أدبية جديدة خاصة بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «سيسمح هذا بتجنب النزاعات والفضائح، مع إتاحة الفرصة لنوع جديد من الرواية تكون له قيمة مختلفة، ولكنها مثيرة للاهتمام». ويتساءل فيرنون: «كاتب يستعين بالذكاء الاصطناعي، مقابل كاتب يستعين بـ(كاتب شبح)، ما الفرق بينهما؟»، أما بيلروز، فترى أن على المؤلفين أن يكونوا شفافين بشأن استخدامهم للذكاء الاصطناعي، «وبعد ذلك يكون قرار شراء الكتاب من اختصاص الجمهور. إن الاختيار الواعي للجمهور هو ما يهم»، وترى غريني أن هذه المسألة تتجاوز نزواتنا وميولاتنا الأدبية: «أن يستطيع ذكاء اصطناعي تَغذى بكل الأدب، وبكل المعرفة الإنسانية التي تدرب عليها، أن يجعلنا أكثر حساسية تجاه الآخر من دون أن نهتم بذلك، فهذا أمر يصدمني ويثير حنقي. إنني أشعر بالذهول والرعب في الوقت نفسه من أن نُطبع مع ما يسمح بنزع إنسانيتنا. إن عواقب ما يحدث الآن مع الذكاء الاصطناعي هائلة إلى درجة أني لا أدرك ماذا يمكن أن يحدث لنا».
تستطرد شانتال: «هذا ما يرعبني في الذكاء الاصطناعي: تلك الإمكانية الحقيقية في أن يقتل لدى الإنسان الرغبة في الإبداع. نسمع أكثر فأكثر هذه الحجة القائلة بأن الذكاء الاصطناعي سيجعل الكتابة متاحة للجميع، لكن أن تطلب من آلة أن تكتب بدلا منك، فهذا لم يعد له أي علاقة بفعل الكتابة.
إن الأمر يشبه آلة الحياكة التي أتباهى بعشقي لها وهي تصنع لي سترة. صحيحٌ أنه يمكنني أن أختار التصميم، واللون، ونوع الغرزة، وأن أرتدي هذه السترة بفخر، لكني، في أي مرحلة من المراحل، لن أكون قد حكْتُها بنفسي».
لقد انقسم الناس إلى فريقين؛ فريق يرى أن الرواية من بنات خيال كاتبها، وإن كان هذا لا ينفي عنه اعتماده بعض «ثمرات» الذكاء الاصطناعي. يقول إيفان موريس كامانو: «إنها رواية مكتوبة على نحو جيد إلى درجة أن البعض يظن أنها مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي. لقد صُدمتُ بشدة من الحملة الشرسة التي يتعرض لها ثيليسون أوريليان. وأؤكد ذلك من دون مواربة: «كان هذا أو الموت» هي بالفعل من إبداع قلمه. أما الاتهامات القائلة إن هذه الرواية كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي، فهي اتهامات لا أساس لها إطلاقا. ولنتذكر حقيقة يجهلها كثيرون: أدوات كشف الذكاء الاصطناعي ليست قضاة معصومين من الخطأ. فإذا قدمتم لها نصا بشريا مكتوبا بإتقان، ولغته رصينة، ونحوه محكم، فقد تحكم عليه بأنه «مولد بواسطة الذكاء الاصطناعي». وفي المقابل، يمكن لنص أنتجه الذكاء الاصطناعي فعلا، ثم أُدخلت عليه بعض التعديلات وبعض العيوب المتعمدة، أن يُقدم على أنه نص بشري خالص. وهكذا، فإن هذه الأدوات تخطئ في الاتجاهين: تتهم البريء وتبرئ المحتال. ولذلك لا يمكن لحكمها وحده أن يكون كافيا لإدانة كاتب. إن الاشتباه في كاتب من دون دليل هو مساس بعمله وبكرامته، بل، في ما هو أبعد من ذلك، مساس بمجمل الإبداع الأدبي الفرنكوفوني. قد لا يعجبنا كتاب ما، وقد ننتقده ونناقش أفكاره؛ فهذا هو جوهر الحياة الأدبية. أما إلقاء الشبهة على كاتب اعتمادا على مجرد الشائعات، فليس نقدا، وإنما هو ظلم».
في ما يشبه السخرية من هذا الجدل الاصطناعي، يقول أحدهم معلقا: «شخصٌ يستخدم الذكاء الاصطناعي لاتهام شخصٍ آخر بأنه استخدم الذكاء الاصطناعي. لقد وصلنا إلى هذا الحد. تبدو هذه الفضيحة اصطناعية فعلا من السهل قول ذلك. ومن السهل كتابته أيضا. لكن هذا لا يثبت شيئا. غير أنه قادر على تدمير سمعة إنسان. فقد سبق لبرنامج للذكاء الاصطناعي أن خلص إلى أن الذكاء الاصطناعي هو الذي كتب الكتاب المقدس، في حين أن الجميع يعرفون أن الذي كتبه هو «الذكاء الإلهي». ومع ذلك، كل شيء ممكن، وأصبح التمييز بين الزائف والحقيقي يزداد استحالة. ومن الآن فصاعدا، سيكون هناك إبداع ما قبل الذكاء الاصطناعي، وإبداع ما بعد الذكاء الاصطناعي. لكن الشيء الأكثر إثارة للقلق في هذه الاتهامات، إذا ثبتت صحتها، هو أن يكون الذكاء الاصطناعي قادرا على كتابة كتاب يصل إلى قائمة جائزة الغونكور».
هل فعلتها العنصرية؟
في المقابل ثمة فريقٌ، وغير قليل منهم تدفعه نوازع عنصرية ضد صاحب البشرة السوداء، يرى أن الرواية مولدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة كبيرة، وعلق بعضهم يدعى جان- رونو كواز، ساخرا: «كان هذا أو الذكاء الاصطناعي»؛ فقد «كان كل شيء طبيعيا تماما في العالم العجيب للنشر الباريسي، إلى أن قرر ذكاء اصطناعي أن يضع بصمته في القضية. أو بالأحرى، إلى أن طلب بشرٌ من ذكاءات اصطناعية أن تحدد ما إذا كان إنسان قد كتب كتابه بنفسه. وهكذا أُخضعت الرواية للآلة. ثم لآلة أخرى. ثم لآلة ثالثة، حتى تُمنح القضية كل الجلال العلمي الضروري»، وزاد: «يؤكد المؤلف أنه بدأ كتابه سنة 2017، وأنه أنهى مخطوطته الأولى سنة 2019. أي في زمن لم يكن فيه الذكاء الاصطناعي التوليدي قد اجتاح شاشاتنا، ومكاتبنا، ومدارسنا، وشركاتنا، وأحاديثنا بعد. لكن لا يهم. الخوارزمية تشك. إذن على الإنسان أن يبرر نفسه. مرحبا بكم في الأدب الطبي الشرعي».
وكتب أحدهم يدعى جيروم غودفروي: «تُقرأ الرواية بسرعة ومن دون عناء. وقد اشتريتها وأنا أعرف، بطبيعة الحال، رائحة الكبريت التي تحيط بالكتاب؛ كبريت الذكاء الاصطناعي. القصة محكية بشكل جيد إلى حد ما. إنها رحلة هاييتي يفر من عنف بلده متجها إلى كندا، مرورا بعدد من بلدان أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، وعبر عقبات كثيرة. البداية في هايتي هي الجزء الأكثر إقناعا. فوصف الفوضى التي تعم البلاد يتمتع بقدر كبير من المصداقية. لكن، مع تقدم السرد، يصبح ما يثقل القراءة هو الأسلوب شديد التكرار، الذي يفتقر إلى النفس والحياة والعمق. ولا علاقة لهذا، مثلا، بما نجده في العمل الغني جدا لكاتب هاييتي آخر يعيش في المنفى، هو داني لافريير. ينتابك انطباع بأنك تقرأ نصا مر عليه محررٌ بمِبْرَدٍ قاسٍ، فأزال منه كل الزوائد وصقله صقلا شديدا. إن الأمر تفوح منه رائحة الصنعة. إنه آلي، جاف. باختصار، إنه.. كيف أقولها؟ إنه اصطناعي. نعم، هذه هي الكلمة. ومن دون ذكاء كبير».
لكن، ما مستقبل الإبداع الأدبي في زمن الذكاء الاصطناعي؟ أليس شيطنة الذكاء الاصطناعي، كما فعل منتقدوه، والتي كانت إحدى نتائجها الأولى إخراج الكتاب من لائحة جائزة غونكور، أمرا متجاوزا بعض الشيء؟ من الواضح أنه بمجرد أن نتحدث عن الكتابة باستخدام الذكاء الاصطناعي، يتبادر إلى ذهن الغالبية من القراء هاجسُ آلةٍ متروكةٍ لنفسها، يمكنها أن تبتكر وأن تنتج رواية أفضل مما يستطيع الإنسان. لسنا في هذه المرحلة بعد. إن شيطنة الذكاء الاصطناعي ـ كما تقول عالمة تربية وروائية فرنسية تدعى فيفيان يوكس- تشبه الرغبة في العودة إلى قلم الرصاص ومحو الثورة الرقمية. فاقتراح استخدامات ذكية له، لا يعني قبول هيمنته أو إفراطه، وإنما يعني تعلم كيفية ترويضه، وكيف نجعل منه أداة نافعة بدلا من أن نتركه يفعل بنا ما يشاء. وأيا كان، فالشكوك ما تزال تحوم حول كاتب الرواية، وهو نفسه نفى ذلك نفيا قاطعا، في انتظار أن يقدم تفسيرا بشأن اتهامات الانتحال التي وُجهت إليه. حتى إذا كان قد استخدم الذكاء الاصطناعي، فليقل ذلك بلا تحرج. إن الكتابة باستخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة في مرحلة من مراحل العمل الأدبي أو غيره، ليس محظورا، لكن شريطة أن تتجاوزه كتابةٌ تتسامى عليه بما تنطوي من روحٍ خلاقةٍ هي من صميم الإبداع الإنساني وعصبه الحي.