يستحق مسار التحديث السياسي في الأردن جرعة دعم حقيقية بعدما ترنح على أعتاب تشريعات أقرت مؤخرا.
يحتاج مسار التحديث الآن إلى من ينقذه بعدما تخلى عنه القريب والبعيد وبعدما صمتت تلك الأصوات التي افترضنا أنها معنية بالاشتباك ليس دفاعا عن الخيارات بل عن التوافق الوطني بحده الأدنى.
مؤلم للغاية أن لا يجد مسار التحديث الذي قيل علنا إنه يمثل استراتيجية الدولة في السنوات الـ10 المقبلة من يرثيه أو يبكيه او حتى يذرف الدموع من أجله.
مؤلم أكثر: المسار صدرت بحقه جراء تصرفات وسلوكيات الحكومة شهادة وفاة رسمية دون نعيه أو حتى دفنه.
تركت وثائق التحديث السياسي الوطني يتيمة.
وستلتحق بشقيقاتها فيما يبدو بحيث يعلوها الغبار على رف المتحف فيما من سيؤنس وحدتها وسط اختناقات الغبار وثائق أخرى نذكر منها ليس حصرا «الأجندة الوطنية» و»التنمية السياسية» و»الميثاق الوطني» والأوراق النقاشية.
لا نعلم بعد بصورة محددة ما الذي يجري ولا جواب على السؤال التالي؟: لماذا تختار مسارات التحديث والتنمية السياسية مادامت لن تكتمل أو تستمر مسيرتها؟
لا أحد يعلم بعد ما الذي يحصل مع الحكومات التنفيذية التي قيل لنا أثناء النقاشات بأنها بعد مسار التحديث للدولة ستصبح حكومات محظوظة غير مطلوب منها التفكير والتخطيط وجل وقتها سيتركز على التنفيذ لاستراتيجيات مرت بمختلف مراحل الإنضاج والطهي المبكر وحظيت بتوافقات مؤسسات الدولة.
تقول الحكومات عند تكليفها بالنص الصريح في الرد على خطابات التكليف إنها ملتزمة بالمسارات الوطنية التوافقية المقررة وبعدما تتجاوز الحكومة أسابيع أو أشهر قليلة في الحكم والإدارة تبدأ أسنانها بانتهاك التحديث والوثائق المرجعية ويتوقف فجأة مسار التنفيذ والالتزام والأسنان الصغيرة لأي حكومة سرعان ما تتحول إلى أنياب تفتك بالتفاصيل.
ثمة حلقة مفقودة وشيء غامض يحصل.
فجأة تتنمر الحكومة التنفيذية على ما تقرر قبلها في مطابخ الدولة الاستراتيجية المعلنة فيصبح الالتزام بطيئا أو مراوغا أو غير موجود أساسا مما يثبت أن قوى الشد العكسي صلبة ولا علاقة لها بتصنيف الحكومات وأولياتها.
بصرف النظر عن هوية رئيس الوزراء وخلفيته السياسية ودوره عندما كان في الظل يطهو مقترحات التحديث يبرز التنمر وعلى نحو مباغت يتمكن وزير واحد في الفريق أحيانا من تهميش كل القصة والحكاية وتفتيت التحديث من داخله.
يستحق مسار التحديث السياسي في الأردن جرعة دعم حقيقية بعدما ترنح على أعتاب تشريعات أقرت مؤخرا
ثمة قرائن تدل على أن قوة كامنة في الحكومات بعد تشكيلها تبرر الفتك بمسارات الإصلاح والتحديث عبر المماطلة والتسويف أحيانا وعبر التأخير لا بل الانقلاب أحيانا أخرى.
مجلس النواب وهو أصلا منتج تحديثي ذاته انقلب على التحديث وقانون الإدارة المحلية الجديد الذي مرره النواب من أجل عيون الحكومة التهم تماما إحدى أبرز قيم مسار التحديث، والغريب أن ذلك حصل ويحصل الآن دون أي موجة ارتداد تعترض أو حتى تترحم على روح الفقيد أو تؤشر مباشرة على أن الحكومة خالفت ضمانات عملية ومؤسسية في دعم التحديث السياسي.
واضح أن مسار التحديث مثل الوثائق التشاورية الأخرى بقي على الورق ويخلو من الأنياب والمخالب مما جعله يتيما مجددا وضعيفا حتى أنه لا أحد يفتقده أو يستذكره.
الغموض يكتنف تلك الأسئلة المريبة التي تتحرك ضمن زوايا ضيقة للغاية حيث ينام الأردنيون على وعد سياسي وحكومي ويستيقظون على عكسه ولا بواكي لا بل لا أحد يحاول استذكار الالتزام المفقود.
ضاعت بعض النصوص والمقترحات الأساسية في وثيقة التحديث السياسي المرجعية بين الزوايا والتفاصيل وترنحت تلك النصوص التي تؤمن بالصندوق وخياراته في المجال البلدي وثمة انقلابات تشريعية آتية في الطريق على ما تبقى من جوهر مسار التحديث السياسي اليتيم الآن وحصرا في ملفي النظام الانتخابي وتحزيب البرلمان.
لا حاجة للشرح ولا للفهم والحكومات التنفيذية هي المتهم الأول والأخير في تأخير الإصلاح ووصفاته التوافقية.
كنا نأمل بأحزاب لا تولد من رحم الأنابيب. اليوم نصفق لأحزاب أنابيب نشطة في مجال جاهات الأعراس والعمل الاجتماعي فقط ودون إظهار أي شغف بالعمل السياسي الوطني.
كنا نحلم بوزراء تختارهم أحزابهم لمحاسبتهم على برنامج محدد.
لكن الوزراء الذين ضمتهم الحكومة الحالية طولبوا بالاستقالة من أحزابهم بعد أداء اليمين الدستورية.
الرسائل هنا مشوشة وغامضة وقريبا سيتموقع مسار باسم تصويب التحديث ينتهي بوقف نمو الأحزاب السياسية في سلطة التشريع لأن أحدا ما في الحكومة قرر وصدقه الجميع بأن التعيين أفضل من الانتخاب.
تلك مقاربة معتلة ومختلة، الصمت عليها يعني اجترار التقاليد القديمة نفسها تحت عنوان إخفاق الإصلاح السياسي وتجريف العمل الانتخابي والنقابي وإعادة تغليف ما سمي يوما بالتنمية السياسية.
وثائق مسار التحديث يمكنها الانضمام إلى حفلة «الوناسة» الآن في متحف الأوراق المنسية… تلك نتيجة مؤسفة وكلفتها في أزمة المصداقية كبيرة وتتجاوز الحكومات القائمة والقادمة.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»