ترامب وبن سلمان في فخ يمني استراتيجي… بين حسابات الإقليم والغرق في الوحل


بعد سلسلة الهجمات على مطار الرياض التي تسببت بقتل 14 شخصاً وإصابة المئات، وتقدير عدد طائرات الاعتراض الموجودة لدى السعودية ببضع مئات فقط، لم يبق أمام محمد بن سلمان إلا سيل من رسائل الدعم، لكن خياراته كانت محدودة. واكتفى ترامب، الصديق المقرب الذي أعلن عن حبه لولي العهد السعودي، بتصريح غير ملزم يفيد بأنه يفكر في التحرك ضد الحوثيين دون تحديد كيف ومتى.

يتجلى فخ الولايات المتحدة بوضوح في أشد صوره: ففي أيار 2025، بعد أسابيع على الهجمات الكثيفة ضد الحوثيين، وقع ترامب على اتفاق وقف إطلاق النار معهم، بوساطة سلطنة عمان، تعهدوا بحسبه بعدم مهاجمة أهداف أمريكية، مقابل عدم مهاجمة أراضيهم. وفي الشهر الماضي، مع تقدم الحوثيين على طول الساحل الغربي لليمن في الطريق إلى باب المندب، وبعد رفض ترامب طلب بن سلمان شن هجوم في اليمن، التقى مبعوثو الرئيس من جديد في مسقط عاصمة عُمان مع ممثلي الحوثيين. وأكد الممثلون التزامهم بعدم مهاجمة أهداف أمريكية وإسرائيلية.

إن أي هجوم جديد من جانب ترامب كبادرة دعم لصديقه السعودي سيعتبر خرقاً للاتفاق وتوسيعاً للجبهة ضد السفن الأمريكية، في الوقت الذي تشتعل فيه جبهة الخليج الفارسي وما زال مضيق هرمز مفتوحاً. ولكن حتى لو قرر ترامب استئناف الهجمات في اليمن، وحتى لو لم يحتج الوضع إلى تدخل عسكري من قبل إيران، فإن حلم إسقاط نظام الحوثيين سيتطلب تدخلاً برياً. لا توجد دولة مستعدة لهذا التدخل، بما في ذلك الدول الأعضاء في التحالف الاستراتيجي مع السعودية، وحتى السعودية نفسها.

السعودية تهدد برد شديد، لكنها في خضم حرب بالفعل. الطائرات القتالية السعودية تشن هجمات على أهداف في اليمن، في حين تعمل القوات البرية اليمنية وسلاح الجو المتواضع ضد تجمعات الحوثيين وضد أهداف مثل مستودعات السلاح ومنصات إطلاق الصواريخ، ومحطات الرادار، معتمدة على المعلومات الاستخبارية الأمريكية والإقليمية. مع ذلك، لا تستطيع أي قوة من هذه القوات وقف الصواريخ أو المسيرات التي يطلقها الحوثيون بفعالية. وحتى استعادة الأراضي التي يحتلها الحوثيون لا تكفي لحسم الحرب: فالخيارات العسكرية الطموحة، بما في ذلك استعادة العاصمة صنعاء، أو على الأقل تحرير المناطق الساحلية ومدن الموانئ التي يحتلها الحوثيون يحتاج إلى قوات برية كبيرة، يجد الجيش اليمني الرسمي صعوبة في توظيفها في هذه الحملة.

إن مصطلح “جيش اليمن” مضلل. فعلى الورق مسجل فيه 300 – 400 ألف جندي، وتشير تقديرات أخرى إلى حوالي نصف مليون جندي. ولكن المقاتلين ينقسمون بين جبهات داخلية، وبين قوات حكومية وقوات غير حكومية، وبين الوحدات المحلية التي تقاتل للدفاع عن مناطقها وبين الموالية لزعمائها القبليين الذين على الأغلب يكونون على خلاف فيما بينهم. عملياً، تمتلك السعودية قوة بشرية يمنية، لكنها ليست بالضرورة جيشاً تحت قيادتها، يقدر أو يرغب في تنفيذ خطة تمليها.

أما المسار الدبلوماسي فغير مشجع أيضاً. أمس، تحدث وزير خارجية إيران عباس عراقجي مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، وعرض عليه التوسط بين السعودية والحوثيين. ولكن السعودية غير مستعجلة لتبني هذا المسار. إن أي تحرك دبلوماسي يشترط وقف إطلاق النار يعني بقاء الحوثيين في المناطق التي سيطروا عليها في مدن الساحل، وأي تقدم سيجبر السعودية على تقديم تنازلات. في الأسبوع الماضي، أوضحت السعودية أنها لن توافق على وقف إطلاق النار قبل أن تسيطر حكومة اليمين على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.

السؤال المطروح هو هل سيغير بن سلمان موقفه على خلفية التطورات الجديدة والأضرار الكبيرة التي لحقت بالسعودية؟ مع ذلك، سبق للسعودية أن جربت التحركات الدبلوماسية ضد الحوثيين وأدت إلى وقف إطلاق نار استمر أربع سنوات مقابل تنازلات كبيرة. فقد نص اتفاق وقع بين الحوثيين والسعودية في 2023 على تخفيف العقوبات المفروضة على الحوثيين بشكل كبير، إضافة إلى حرية استيراد وتصدير البضائع والنفط في ميناء الحديدة وفتح خطوط جوية إلى الدول الجارة وتمويل رواتب حوالي مليون موظف حكومي مسجلين في الحكومة اليمنية المعترف بها، ولكنهم يعملون في مناطق تخضع لسيطرة الحوثيين.

هذه الدفعات لم تساعد الحوثيين على الوفاء بالتزامهم تجاه الموظفين فقط، بل ضخت أيضاً أموالاً جديدة إلى اقتصادهم، وأزالت أحد مصادر غضب الشعب من نظامهم. قد يفرض اتفاق جديد مطالب مالية ضخمة، وقبل أي شيء شروطاً سياسية تعطي الحوثيين الشرعية كحكومة. إن تبني اقتراح الوساطة الإيرانية قد يظهر إيران كشريكة في حل النزاعات الإقليمية، في حين تستمر في تأجيجها. وهذا يظهر في اليمن بوضوح، حيث تجني طهران ثمار سيطرة الحوثيين على باب المندب. وجدير بالذكر ان إيران لا تدعي قدرتها على إملاء سلوك الحوثيين، لذلك لا يوجد ما يضمن امتثالهم لتوجيهات إيران، حتى لو وافقت السعودية على اقتراح الوساطة.

تسفي برئيل

هآرتس 13/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *