على رغم حظر الهيئة العامة للإعلام تداول الأخبار والتعليقات على أزمة الصناديق الاستثمارية التي انفجرت في منتصف الشهر الماضي، تمتلئ وسائل الإعلام بتحليلات وتعليقات يدور أكثرها حول تورط شخصيات مقربة من السلطة في الفضيحة المالية. فكلما تعمقت التحقيقات القضائية في الموضوع انكشفت أسماء جديدة لها صلة مباشرة أو عائلية بأوساط السلطة وحزب العدالة والتنمية. وكانت فاطمة بتول سايان كايا وزوجها من أبرز المتورطين في الاستفادة من التلاعب بسوق الاستثمارات، وهي وزيرة سابقة لشؤون الأسرة، ونائبة لرئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أي نائبة لأردوغان. فقد اتضح أنها استثمرت، هي وزوجها، في شركة مغمورة لتصنيع السفن، 163 مليون ليرة (3,3 مليون دولار) وربحت، في غضون 4 أشهر 2,17 مليار ليرة (نحو 44 مليون دولار) أي أن المبلغ الأصلي قد تضاعف أكثر من 13 مرة في غضون أربعة أشهر! وتدور الشكوك في الرأي العام حول من «همس في أذنها» بالتوقيت المناسب للبيع، بالنظر إلى موقعها في الحزب الحاكم وشبهات التلاعب المحيطة بمديري تلك الصناديق.
بالمقابل قال وزير الاقتصاد السابق، ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية، نهاد زيبكجي إنه خسر 250 مليون ليرة تركية في صناديق الاستثمار كمبلغ عالق لا يمكن تحصيله حالياً بسبب تجميد أصول الصناديق المتورطة من قبل الحكومة. في كلا المثالين نلاحظ أن الرابحين أرباحاً فاحشة، وبعض الخاسرين أيضاً ينتميان للحزب الحاكم. ومع إضافة أسماء عديدة أخرى مما يتسرب كل يوم إلى وسائل الإعلام تظهر شبكة من المستثمرين لها علاقة حزبية أو عائلية بالحزب الذي يحكم تركيا منذ ربع قرن.
ومقابل منع وسائل الإعلام من تناول تلك الشخصيات والأرقام الخيالية لأرباح غير مشروعة حققوها في عملية التلاعب، نلاحظ نوعاً من التعامل المريح معها. الوزيرة كايا قدمت استقالتها من منصبها كنائب لرئيس الحزب، وقالت إنها أعادت جزءاً من أرباحها غير المشروعة بعد اقتطاع نسبة الفائدة على المبلغ الأصلي المستثمر! لكنها لم تتعرض، لا هي ولا زوجها، لأي إجراءات قضائية. وتساءل بعض كتاب الزوايا الصحافية عن مصدر المبلغ الأصلي الذي دخلت به الاستثمار، فليس بمقدور شخص عادي أن يراكم ثروة مماثلة من الرواتب التي يحصل عليها من الوظيفة الحكومية حتى لو كانت برتبة وزير. هذا غير التساؤل عن التوقيت الشاطر في دخول الاستثمار، حين ترتفع الأسهم بصورة جنونية، والخروج بأرباح خيالية قبيل وضع الحكومة يدها على التلاعب.
مقابل حفنة صغيرة من المستفيدين هناك مئات آلاف من المتضررين. وذلك في وضع اقتصادي هش أصلاً من حيث التضخم وارتفاع الأسعار وأرقام بطالة مفزعة
ومن الشخصيات ذات الحظوة التي استفادت من حماية السلطة نجل «حياتي يازجي» المقرب من قمة السلطة والحزب. فبعد ساعات قليلة من تدابير حجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة، بدعوى تورطه في الصناديق الاستثمارية، تم رفع الحجز بقرار من وزير العدل.
وفي أولى الإجراءات الحكومية لإنصاف المتضررين الذين يبلغ عددهم نحو نصف مليون شخص، نشرت وزارة العدل رقم حساب مصرفي وطلبت ممن حققوا أرباحاً فاحشة في المضاربة أن يودعوا فيها تلك المبالغ. أي أن الحكومة اعتمدت مبدأ المناشدة «الأخلاقية» بدلاً من إجبارهم على إعادة تلك المبالغ لتمويل تعويض خسائر صغار المستثمرين الذين تضرروا.
وامتدت النقاشات في وسائل الإعلام إلى المناخ الأخلاقي السائد في قسم من النخب الثرية في حزب العدالة والتنمية. فمن حزب إسلامي كان يمثل الطبقات المهمشة في المجتمع، إلى حزب يتكالب المحظوظون فيه على مراكمة ثروات فاحشة، بفعل امتيازات البقاء في السلطة لعقدين ونصف العقد. هذا مسار انحداري أثار الحنق، ليس فقط لدى التيارات المعارضة، بل أيضاً لدى القاعدة الاجتماعية للحزب الحاكم حيث تزداد الفجوة المعيشية بينهم وبين كبار المحظوظين والشطار.
تتصاعد من داخل الحزب ومن قاعدته الاجتماعية المخلصة أصوات غاضبة تطالب بملاحقة المتورطين مهما بلغت مراتبهم السلطوية أو الحزبية، لكن القيادة محكومة بتوازنات دقيقة لا تسمح لها بحركة تصفيات واسعة من شأنها إثارة «حرب أهلية» مصغرة داخل الحزب وبيئته المقربة. وقبل بضعة أيام تم العثور على أحد المتورطين في فضيحة الاستثمارات مقتولاً بطلقة مسدس في سيارته في منطقة بعيدة عن العمران في إسطنبول، قالت تقارير الشرطة إنه انتحر. وهو من الشخصيات المعروفة في الحزب الحاكم، ويتمتع بثراء كبير. سواء قتل هذا الشخص أو انتحر، فقد شكل بداية أولى دامية، لا يعلم أحد ما يمكن أن يليها. فمقابل حفنة صغيرة من المستفيدين هناك مئات آلاف من المتضررين. وذلك في وضع اقتصادي هش أصلاً من حيث التضخم وارتفاع الأسعار وأرقام بطالة مفزعة.
ثمة من الكتاب من يشبّهون المفاعيل السياسية المحتملة لهذه العملية بالانقلاب العسكري الفاشل في عام 2016، وآخرون بأزمة المديونية في أواخر القرن التاسع عشر التي أدت إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية!
كل هذا في وقت بدأت فيه السلطة استعداداتها لانتخابات رئاسية يفوز فيها أردوغان بولاية جديدة من خمس سنوات، في موعد مبدئي هو ربيع العام 2028. فهل تطيح أزمة صناديق الاستثمار بهذه الآمال، أم أن أردوغان «سيجد طريقة ما» للتغلب على الأزمة كما اعتاد أنصاره أن يقولوا عنه أمام كل تحدٍ؟
٭ كاتب سوري