التاريخ مزاجيّ ولئيم. يمكن تبيان ذلك عند التمعّن في صور جنازة إنريكو برلينغوير، الأمين العام للحزب الشيوعي الإيطالي، في حزيران/يونيو 1984. قبلها بأيام معدودات، وقف الرجل يلقي خطاباً انتخابياً في بادوفا، وأخذ يفقد على الملأ القدرة على الكلام نتيجة نزيف دماغي. توفي في الحادي عشر من الشهر. وأصرّ الرئيس الإيطالي ساندرو برتيني، الاشتراكي القديم والمقاوم السابق للفاشية، على نقل جثمان صديقه إلى روما بالطائرة الرئاسية. في الثالث عشر من حزيران، احتشد ما بين مليون ومليون ونصف المليون شخص لتوديعه. مشهد لا يشي أبداً باحتضار الشيوعية الوشيك. الأعلام الحمراء والقبضات المرفوعة، وإلى جانبها أشخاص يرسمون إشارة الصليب وآخرون يصلّون. كل ذلك في إيطاليا التي كان باباها البولوني، يوحنا بولس الثاني، من أشرس خصوم الشيوعية. وبين المعزّين قادة دول وأحزاب وحركات تحرّر بينهم ياسر عرفات – بعد أقل من عامين على إخراجه من بيروت تحت وطأة الاجتياح الإسرائيلي الذي قاده أرييل شارون، وأقل من ستة أشهر على إخراجه من طرابلس، على يد فصائل منشقة يدعمها نظام حافظ الأسد. وكانت مشاركة ميخائيل غورباتشوف، ذات دلالة سياسية استثنائية. لم يكن قد تولى زمام فرط الاتحاد السوفياتي رسميا بعد، لكنه أعلن من روما بأن لكل حزب شيوعي ظروفه الخاصة واستقلاليته.
كان الأشدّ إثارة داخليا حضور جورجيو ألميرانتي، زعيم الحركة الاجتماعية الإيطالية المتحدّرة من الفاشية، إلى المقرّ المركزي للحزب الشيوعي لإلقاء التحية على جثمان خصمه. استقبله جيان كارلو باييتا، الشيوعي الذي عرف سجون الفاشية. مصالحة بين الفاشية والشيوعية؟ إنما اعتراف، حتى من الخصم التاريخي، بالمكانة الوطنية التي بلغها الحزب الشيوعي الإيطالي، وضمنيا بأن الانقسام المزمن العميق في ايطاليا، إن لم يكن على كل الكوكب، هو بين الشيوعية والفاشية في تحولاتهما.
كانت الجنازة استعراضاً لقوة مجتمع شيوعي كامل، لا مجرد وداع زعيم محبوب. مجتمع من النقابات والتعاونيات والبلديات والمثقفين والجمعيات والذكريات العائلية والتقاليد النضالية. شيوعية لم تستولِ على جهاز الدولة، لكنها تجذّرت في المجتمع المدني، وطوّرت، مع برلينغوير، تصوراً للاشتراكية لا يفترض إلغاء التعددية الديمقراطية، مستكملةً مساراً من الاستقلالية عن موسكو تعود جذوره إلى غرامشي وتولياتي. بعد أربعة أيام، في انتخابات البرلمان الأوروبي، حصل الحزب الشيوعي على 33.33% من الأصوات، متقدّماً على الديمقراطية المسيحية التي نالت 32.96%. بدت الشيوعية الديمقراطية الإيطالية في ذروتها التاريخية. لكن التاريخ كان يخبّئ لها مصيراً آخر.
في السنة نفسها، على الجانب الآخر من الستار الحديدي، كان نظام إريش هونيكر في ألمانيا الشرقية يواجه اختناقات متفاقمة خلف واجهة الاستقرار. «الحزب الاشتراكي الموحّد» يحتكر السلطة، ويراقب المجتمع بأجهزة أمنية متشعّبة، لكنه يعجز عن تجاوز أزماته الاقتصادية. واضطرّ النظام إلى الاستعانة بقرضين من الغرب سنة 1983 و1984، بمجموع 1.95 مليار مارك ألماني، أدّى السياسي المحافظ البافاري فرانز يوزف شتراوس دوراً أساسياً في ترتيب أولهما. الدولة الاشتراكية التي أعلنت تفوّق نظامها احتاجت إلى التمويل الرأسمالي الغربي.
كانت الشيوعية الإيطالية محرومة عملياً من الوصول إلى رئاسة الحكومة بفعل توازنات الحرب الباردة، لكنها تتمتع بشرعية شعبية هائلة. أما الشيوعية الألمانية الشرقية فكانت تمتلك الدولة، فيما تتآكل شرعيتها. في روما، كانت الدولة الديمقراطية تكرّم زعيماً شيوعياً معارضاً؛ وفي برلين الشرقية، كان الحزب الحاكم يزداد اعتماداً على الدولة لإدامة سلطته.
بعد خمس سنوات، انهار نظام هونيكر. وبعد سنتين إضافيتين، سنة 1991، قرر الحزب الشيوعي الإيطالي حلّ نفسه.
إلا أن لؤم التاريخ لا يتوقف.
فالحزب الذي حكم ألمانيا الشرقية باسم الماركسية اللينينية، وارتبط بجهاز «الشتازي»، استطاع وريثه المحافظة على وجود سياسي مستقل. تحوّل إلى حزب الاشتراكية الديمقراطية، ثم اندمج سنة 2007 مع يسار نقابي واجتماعي ديمقراطي غربي، منشقّ عن سياسات غيرهارد شرودر الاقتصادية، ليؤسس حزب «دي لينكه».
أما الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي سبق معظم الأحزاب الشيوعية الأوروبية إلى نقد النموذج السوفياتي، فقد اختارت أغلبيته التخلّي عن الهوية الشيوعية. وتدرّج وريثه الأكبر من الحزب الديمقراطي لليسار إلى ديمقراطيي اليسار، وصولاً إلى المشاركة في تأسيس الحزب الديمقراطي سنة 2007، بالاندماج مع قوى وسطية ذات جذور ديمقراطية مسيحية. أما الأقلية التي أسست حزب إعادة التأسيس الشيوعي، فدخلت في دوامة من الانقسامات والتحالفات الحكومية والأفول الانتخابي.
لم يختفِ الإرث الانتخابي للشيوعية الإيطالية. فالحزب الديمقراطي حصل على 24.11% في الانتخابات الأوروبية سنة 2024، وتحالف الخضر واليسار على 6.79%. لكن القوة الكبرى المنحدرة من الحزب الشيوعي لم تعد تنظيماً اشتراكياً راديكالياً مستقلاً.
في المقابل، حصل «دي لينكه» على 8.8% في انتخابات البوندستاغ سنة 2025، قبل أن يحقق انتصاراً لافتاً في انتخابات برلمان ولاية برلين، في أيلول/سبتمبر 2026، بحصوله على 25.7%، بقيادة إليف إرالب. ولم يكن هذا مجرد انتصار لحنين ألماني شرقي إلى عالم زائل، بل تعبيراً عن تجديد القاعدة الاجتماعية لليسار، حول السكن والإيجارات واللامساواة، واستقطاب أجيال جديدة.
الكتلة التاريخية لا تُورَّث، حتى عندما تكون جنازة زعيمها تظاهرة من مليون ونصف المليون إنسان. والاستمرارية قد تقتضي القطيعة
في ألمانيا، خسر الحزب الشيوعي دولته، لكنه وجد بعد الوحدة مجتمعاً شرقياً يعاني التهميش وتراجع المكانة. استطاع تحويل بعض رأسماله التنظيمي القديم إلى قدرة جديدة على التمثيل، قبل أن يوسّع قاعدته غرباً.
أما في إيطاليا، فقد ورث الشيوعيون مجتمعاً مدنياً بالغ الثراء، لكن قياداتهم اختارت الاندماج المتزايد في مؤسسات الحكم والتحالفات الوسطية، بالتزامن مع تفكّك قواعدهم الاجتماعية التقليدية، وصعود قوى احتجاجية جديدة. الفاشية في المقابل جددت فرشها وعادت للحكم.
ليست المفارقة، إذن، أن شيوعية ديمقراطية اختفت بينما نجت شيوعية تسلطية. بل إن الأولى بلغت ذروة الاعتراف بها داخل النظام القائم، ثم عجز معظم ورثتها عن صون استقلالية مشروعها، فيما اضطرّ ورثة الثانية، بعد انهيار الدولة التي احتكروها، إلى البحث مجدداً عن مجتمع يمثّلونه.
وهنا يعود غرامشي، لكن من حيث لا نتوقعه. فالحزب الذي جعل من مفهوم الهيمنة إحدى أبرز أدوات فهم السياسة الأوروبية يطرح مصيره سؤالاً عن التحوّل من بناء هيمنة اجتماعية مضادة إلى الاندماج في هيمنة قائمة. وليس بعيداً من ذلك ما وصفه ريتشارد كاتس وبيتر ماير بنزوع الأحزاب الراسخة إلى التحول نحو «أحزاب كارتلية»، تعتمد على موارد الدولة وتتراجع صلاتها العضوية بالمجتمع.
غير أن التجربتين تتجاوزان مسألة اندماج الأحزاب بالدولة إلى مسألة أعمق: كيف تُعاد صناعة الكتلة التاريخية؟ فلا يكفي امتلاك شبكات اجتماعية واسعة في لحظة معينة لضمان تجديدها في لحظة أخرى. والهيمنة ليست رصيداً يُدَّخر، بل علاقة اجتماعية وسياسية يتعيّن إعادة إنتاجها باستمرار.
في حزيران 1984، بدا برلينغوير منتصراً حتى في موته، وهونيكر راسخاً في حكمه. بعد أربعة عقود، تخلّى معظم ورثة الأول عن الشيوعية، فيما استطاع بعض ورثة الثاني إعادة تأسيس يسار مستقل من أنقاض نظامه.
التاريخ مزاجيّ ولئيم، لكنه ليس اعتباطياً. فقد يبلغ المشروع السياسي من النجاح في الاندماج بالنظام القائم حدّاً تنقلب معه شروط الاعتراف به إلى شروط نفيه الذاتي؛ وقد تفتح الهزيمة، بالعكس، إمكان إعادة تأسيس ما تعذّر استبقاؤه على صورته القديمة. فالكتلة التاريخية لا تُورَّث، حتى عندما تكون جنازة زعيمها تظاهرة من مليون ونصف المليون إنسان. والاستمرارية قد تقتضي القطيعة.
٭ كاتب لبناني