بعد إعلان حزب المحافظين، أثناء مؤتمره السنوي العام قبل أيام، اعتزامه إذا عاد للحكم إنشاء منظومة دفاع جوي وصاروخي باسم «درع بريطانيا»، قالت مذيعة راديو البي بي سي إن الكثيرين يشبّهون هذه المنظومة المقترحة بالقبة الحديدية الإسرائيلية، ثم سألت: ما هي الأخطار التي تحدق ببريطانيا والتي سوف تقينا منظومتكم المقترحة منها؟ فأجابت زعيمة الحزب كمي بادنوك بأن المنظومتين مختلفتان نوعا وغاية، «ذلك أن بريطانيا ليست في وضع إسرائيل التي تتعرض كل يوم لتهديدات من دول الطوق المعادية لها». فقالت لها المذيعة: البيان الصحافي لحزبكم يقول حرفيا إن الاقتراح معادل للقبة الحديدية الإسرائيلية، وأضافت: هذه المنظومة تقي عادة من هجمات آتية من مسافة سبعين كيلومترا، فماذا على هذه المسافة سوى فرنسا وإيرلندا؟! إذا أردتم أن تصوروا حزبكم للرأي العام بأنه حزب الدفاع عن الوطن، فلا مناص لكم من توخي الدقة. فأجابت بادنوك: إننا ملتزمون الدقة، ومن نعنيهم هم المهاجمون الذين يحدقون بنا من أقرب المسافات، ولكن الأمر لا يتعلق بالنوع ذاته من الهجمات اليومية التي تتعرض لها إسرائيل.
لم يكن من الصعب تصور هول الصدمة التي أحدثها حزب الخضر باتخاذه قرارا، لا سابق له في تاريخ الأحزاب السياسية في أوروبا بأسرها، يطالب بإقامة «دولة فلسطينية»
هكذا يضبط المستمع زعيمة حزب المحافظين متلبسة بجرم تزييف الوقائع بدون أن تضبطها المذيعة وتقاطعها لتصحيح أباطيلها. إذ رغم أنه لم يبق على كوكب الأرض من يجهل أن إسرائيل هي التي تهاجم جيرانها كل يوم، وليس العكس، فإن هذه الوقائع المعروفة لكل البشرية لا وجود لها في الخريطة الإدراكية لدمي بادنوك. لماذا؟ لأنها سياسية عادية حبيسة للعادات الذهنية الغربية المتوارثة والمتمثلة في العجز عن تصور مجرد إمكان أن تكون إسرائيل هي المعتدية أو البادئة بالهجوم، وفي الركون إلى أمان الإيمان بأنها دولة البراءة الملائكية الثابتة في موقف ذَوْد ودفاع أبدي. وما يميز هذه المرأة النيجيرية الأصل أنها أول شخص أسود يتولى زعامة أحد الأحزاب البريطانية العريقة. أما العجب فهو أنها تَبُزّ جميع أسلافها من زعماء المحافظين غلوّا يمينيا! من ذلك إعلانها أنها تريد أن تكون المعادل البريطاني لخافيير ميلي، ذلك الرئيس الترامبي الذي يحكم الأرجنتين بالمنشار الكهربائي ويمعن في تفكيك دولة الرعاية الاجتماعية بداروينية فظة تجعل مارغريت تاتشر تبدو قبالته بمثابة الأم تيريزا!
في مثل هذا المناخ السياسي البريطاني المبصوم وراثيا بالحمض النووي الصهيوني، لم يكن من الصعب تصور هول الصدمة التي أحدثها حزب الخضر باتخاذه في مؤتمره السنوي قرارا، لا سابق له في تاريخ الأحزاب السياسية في أوروبا بأسرها، يطالب بإقامة «دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على كامل فلسطين التاريخية». فقد كان للقرار فعل القنبلة في الأوساط السياسية البريطانية، ذلك أن «حل الدولتين» (أربعة أخماس الأرض لليهود عمليا، والخُمُس الباقي، إن بقي منه شيء، للفلسطينيين نظريا) هو أقصى أفق يمكن أن تبلغه الدبلوماسية الغربية، ولا يهم إذا كانت إسرائيل قد أجهضت هذا الحل بالتهام كل الأرض، فهذه مجرد تفاصيل. حل الدولتين هو، في العرف الغربي، «الأفق الذي لا يُتجاوَز»، على حد قولة سارتر الشهيرة عن الشيوعية. أما ما سوى حل الدولتين فإنه من الممتنع والمُحال و»اللاّ-مفكر فيه». والدليل أن جريدة تقدمية محترمة مثل الغارديان قد آخذت زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي على مناداته بالدولة الديمقراطية الواحدة، منبهة على أنها فكرة منافية للإجماع الدولي وأن من الخطأ الاعتقاد بأنها تختصر الطريق إلى السلام لأنها بعيدة المنال، بل تكاد تكون مستحيلة التحقيق.
والحق أن حزب الخضر قد عقّد المسألة، من حيث لا يقصد، حين قرَنَ بين المطالبة بالدولة الواحدة وبين عَدِّ الصهيونية ضربا من ضروب العنصرية. صحيح أن المساواة بين الصهيونية والعنصرية ما هو إلا تقرير لواقع مشهود سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة أن أصدرت بشأنه قرارا منذ عام 1974. ولكن إثارة المشكلة الآن قد أحدثت بلبلة صرفت الأنظار عن الجوهري. والدليل أن كل اللغط قد تركز على مشكلة العنصرية هذه، حيث من المحتمل أن يرفع بعض الصهاينة البريطانيين دعاوى قضائية على حزب الخضر، كما أخذ حزب العمال يفكر في الامتناع عما كان يعتزمه من احتمال عقد تحالفات انتخابية مع الخضر. ونتيجة هذا كله هي التهميش شبه التام للمسألة الجوهرية: الدولة الديمقراطية الواحدة التي لم يبق من حل سلمي سواها. ذلك ما قال به إدوارد سعيد منذ عام 1999، وذلك ما يقول به الآن نصف اليهود الأمريكيين الذين لا تتجاوز أعمارهم الـ35.
٭ كاتب تونسي