من حسن حظي أني انتبهت منذ أعوام قريبة، لكتابات المفكر والمؤرخ السعودي محمد بن عبد الله السيف. وقفت أمامها منبهرا من هذه القدرات العظيمة، وما وراءها من علم وثقافة وخبرة. من الكتب مثلا «حمزة غوث.. سياسي دولتين وإمارة» و»عبد الله الطريقي.. صخور النفط ورمال السياسة» وكتبا قام بتحريرها وقدم لها مثل «غازي القصيبي.. في عين العاصفة» وغيرها.
هذه المرة أقف عند كتاب مهم، كتب هو عن صاحبه نجيب المانع من قبل كتابه الرائع «نجيب المانع.. حياته وآثاره». الكتاب الذي أقف عنده هو «ذكريات عمر أكلته الحروف» المنشور في دار جداول في طبعتين، الثانية منهما عام 2023. وللكتاب عنوان فرعي هو «النص الأصلي والكامل».
نجيب المانع أديب وناقد ومترجم. وُلد في بلدة الزبير في محافظة البصرة عام 1926، وتوفي عام 1991، وله أصول نجدية سعودية. الكتاب يضم مقالات نجيب المانع، التي نشرها في جريدة «الشرق الأوسط» اللندنية، بعد أن عاش في لندن. وقد تم نشرها من قبل في كتاب عن دار الرافدين عام 2019. لكن محمد السيف اكتشف نقصا كبيرا في طبعة الرافدين، بعد أن أهداه علي العميم تلك الطبعة. مما قاله له علي العميم، وما كتبه بعد ذلك الكاتب العراقي نوفل الجنابي، عن الكتاب من انتقاد على تويتر، عاد محمد السيف يقرأ الكتاب من جديد، وتوصل إلى ما توصل إليه علي العميم ونوفل الجنابي، من أن الكتاب لا يليق بنجيب المانع، قيمة ومكانا، سواء في ما حُذف منه من فقرات، أو عدم ترتيب الحلقات كما نُشرت في صحيفة «الشرق الأوسط»، أو تبديل الكلمات بأخرى، وغير ذلك من إهمال أساء للكاتب والكتاب، يطول الحديث عنه، فقرر إعادة نشره كما كتبه المانع نفسه بلا زيادة أو نقصان، ووضع تحت السطور والصفحات الناقصة في طبعة «الرافدين» خطوطا في طبعة «جداول» وما أكثرها.
ثماني عشرة حلقة بدأ المانع نشرها في الرابع والعشرين من مايو/أيار عام 1988. يوضح محمد السيف في المقدمة، بعض كلمات مما حذف في طبعة الرافدين، مثل كلمة» أنا السعودي» التي استهل بها نجيب المانع ذكرياته، فهو يقول» أنا السعودي. ترعرعت في العراق إذ ولدت في بلدة الزبير»، لكن في الطبعة المحرفة صار الأمر» ترعرعت في العراق إذ ولدتُ في بلدة الزبير» وتم حذف «أنا السعودي». وقصص أخرى منها أن لكتاب دار الرافدين، مقدمة كتبتها الأديبة العراقية ميّ مظفر، وكانت صديقة لنجيب المانع، واستمرت الصداقة زمنا طويلا، حتى رحل المانع إلى منفاه في لندن. أتضح له أن هذه المقدمة، كانت مقالا سابقا عن الكتاب، الذي صدر أول مرة عام 1999 عن دار «الانتشار» في بيروت، لكن دار الرافدين أخذت المقال وجعلته مقدمة لطبعتها، من دون الانتباه إلى خطأ مثلما ورد في المقال، عن أن الكتاب طبع على نفقة حمدي نجيب. كانت تقصد في مقالها كتاب دار «الانتشار» وليس الرافدين، لكن في الرافدين لم ينتبهوا. كذلك كانت طبعة دار «الانتشار» ينقصها الكثير.
ذلك كله جعل محمد السيف يعيد نشر الكتاب مصححا. ندخل في مذكرات المانع التي حملت عنوان «ذكريات عمر أكلته الحروف» وبلغت ثماني عشرة رسالة. يفتتح الرسالة الأولى قائلا:» يقولون لا شيء ينجح مثل النجاح، ورئيس التحرير الأستاذ عثمان العمير، لا يكفيه أن صحيفة الشرق الأوسط، يتزايد قراؤها ازديادا مطردا، لما تتميز به من نشاط، بل أخذ يغامر بنجاح الصحيفة، فيستحث الكتّاب على أن يقولوا جديدا محركا للتراب الساكن، فكيف تقف في وجه إنسان لا يرتوي من الإنجاز، إلخ «، وكل ذلك لم يظهر في طبعة الرافدين، ووضع محمد السيف تحته خطا كغيره، إشارة إلى ذلك. ثم يأتي الحديث عن بلدة الزبير، وكيف كان يدرس في مدينة البصرة، ويصاحب الفتيان مثله في المرحلة الابتدائية، ولا توجد لديهم هوايات أو رياضات، سوى أن يقرأوا على بعضهم بعض القصائد. ينتقل إلى تاريخ الشعر من المعلقات، وكيف كان يجد الشعر في كل حركة للقطة، وكيف أن جسم القطة منحوت نحتا حركيا، كذلك الشعر في الأسماك بين ثنايا الماء الصافي، وكيف أن أجمل قصيدة يصيرها الإنسان، هو أن يكون خاليا من الكراهية. كيف كانت في العراق موجة رومانتيكية ثانية، بعد الموجة الأولى لجماعة أبولو في مصر، وكارثة المديوكر، متوسطي القيمة، ممن يعتقدون أنهم شعراء.
أمثلة على من قابلهم وهكذا، لننتقل إلى رسالة عن الفن التشكيلي، وكيف أعطى الفنان الحرية في التشكيل. والشائع عن كتابة السيرة الذاتية، وكيف يتعين على كاتبها أن يلتزم بالتتابع الزمني، ويصور من عاصروه تصويرا موافقا لما يودون، أو لما يود الناس. كيف في حياتنا حساسية من الحرية في ذلك، مما أنتج اللامذكرات، أو المذكرات المضادة. وهو على غرار اللامذكرات، يكتب مذكراته عائدا للصبا حينا، وقافزا إلى الشيخوخة حينا. يدخل إلى بغداد الفجيعة والفرح. نهر دجلة الذي أهملته الأشعار والروايات إلا نادرا، فلماذا يتنكرون له. رأيه في أشعار البعض مثل الرصافي، الذي يراه طنينا بلا موسيقى. علاقة الكاتب باللغة وما يفعله الأدباء الأحدث من قفزات في اللغة. في رسالة تالية بعد تقديم يقارن فيه بين ابن المدينة وابن الريف، واستعلاء أبناء المدن على أبناء الأرياف، يحدثنا عن مئات قابلهم من أبناء الريف، كان من بينهم مبدعون ومثقفون، مثل بدر شاكر السياب ابن قرية جيكور التابعة لقضاء أبي الخصيب، وكيف كان حكاء عظيما. نماذج مبهرة من حكاياته. هنا في هذه الرسالة، وغيرها كثير في ما بعد، سنجد المحذوف في طبعة الرافدين، قد وصل إلى حوالي عشر صفحات. كيف أخرجت الصحراء العربية شعراء، يفوقون عددا وشاعرية، كل ما أخرجته سويسرا. في رسالة تالية يتحدث عن كيف كان حريصا على أن يعرف الفرنسية والإنكليزية. يأخذه ذلك إلى مقاربة بين طه حسين بلغته الفرنسية، والعقاد بلغته الإنكليزية، ورؤية التراث عند كل منهما. رأيه في منهج الشك الديكارتي الذي تبناه طه حسين، وكيف لا يفي كل الوفاء بالثقافة الفرنسية، وكيف أن أغلب الأدب الفرنسي عن طريق طه حسين، ينحدر من الواضحين مثل ديكارت وموليير وفولتير، ويغيب عنه رامبو مثلا وبروست الذين تتشابك لغتهم. رغم ذلك يتمرد أحيانا على نفسه، ويقرأ لطه حسين أعمالا مثل «حديث الأربعاء» و»ألوان» و»فصول في الأدب والنقد»، فيرى لمسة عبقرية في النقد، ويستعيد إحساسه بالولاء له.
يأتي العقاد بوحدانية الفكرة في إبداء الرأيْ المتعالي، ومن ثم يتصور العقاد، ملاكما قديرا لا يرضى أن ينازله أحد. طه حسين أمامه صاحب أسلوب هامس ودّي، بينما العقاد توكيدي يقول القول الواثق، وليذهب القارئ إلى الجحيم. من أخطاء العقاد هجومه على الفلسفة الوجودية وزعيمها سارتر، فلم يرَ في الوجودية سوى التحلل، ومما قاله إن سارتر يريد تحطيم المجتمع لأن أمه يهودية، لكن ذكريات سارتر في ما بعد عن طفولته التي سماها «الكلمات» كشفت كيف أن أمه وجَدّه من البروتستانت. كذلك أخطأ العقاد في الفن التشكيلي حين هاجم التجريدية عند كاندينسكي، ولم يرَ فيها بناء وتكوينا، وهذا يعكس فقره في معرفة الفن التشكيلي. لكن هناك ما هو إيجابي عند العقاد، مثل كتابه الرائع عن ابن الرومي، ودراساته عن الشعراء المحدثين، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مثل سامي البارودي وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي.
تستمر الرسائل فنعرف كيف تنبأت له امرأة قارئة الكف، بالموت بعد ستة أشهر، وكان في الثامنة عشرة من عمره، وكيف صار يعيش، ومشاعره ومشاعر أمه وكل حياته، والحياة من حوله في شكل باهر. تستمر مع ذكريات العمر الذي أكلته الحروف، لتكتشف أنه التهمك أنت، ولم تستطع أن تبتعد عنه. تقدر جهد محمد السيف العظيم في إعادة نشر كتاب بلا تجاوز ولا أخطاء.
كاتب مصري