الكوميكس يعيد تقديم الفلسطيني بوصفه إنسانا صاحب تاريخ وهوية


لندن – «القدس العربي»: اختارت مكتبة نيويورك العامة كتاب رسام الكاريكاتير الفلسطيني محمد سباعنة «مرحبا بكم في الجحيم: من الضفة الغربية إلى غزة» (Welcome to Hell: From the West Bank to Gaza)، ضمن قائمتها لأفضل إصدارات الكوميكس الجديدة لعام 2026، في اختيار يسلط الضوء على الحضور المتنامي للكوميكس الفلسطيني في المشهد الثقافي العالمي، وقدرته على نقل التجربة الفلسطينية إلى جمهور دولي من خلال السرد البصري.
وقال سباعنة إن اختيار الكتاب ضمن قائمة مكتبة نيويورك العامة يمثل أهمية كبيرة على المستويين الشخصي والفلسطيني، مشيرا إلى أن وجود كتاب فلسطيني في قائمة تصدرها واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية في الولايات المتحدة يحمل دلالة خاصة، بالنظر إلى ارتباط مدينة نيويورك بتاريخ نشأة الكوميكس وتطوره لاحقا إلى أشكال متعددة، بينها الرواية المصورة.
وأضاف أن الكوميكس الفلسطيني «فن حديث الولادة»، لافتا إلى تجربته الأولى في هذا المجال من خلال كتابه «Power Born of Dreams: My Story is Palestine»، الذي صدر في الولايات المتحدة عام 2020 وترجم إلى تسع لغات، وكان من أوائل الكتب الفلسطينية في مجال القصص المصورة.
ويرى أن وصول كتابه الثاني «مرحبا بكم في الجحيم: من الضفة الغربية إلى غزة» إلى قائمة مكتبة نيويورك العامة يمثل محطة مهمة في مسيرة تطوير الكوميكس الفلسطيني، خصوصا أن هذا الفن لا يمتلك في فلسطين صناعة بالمعنى التقليدي المتعارف عليه عالميا.
وقال إن هذا الاختيار يمثل «تتويجا للعمل والجهد» الذي بذله فنانون فلسطينيون خلال السنوات الماضية لتطوير هذا النوع من الفن وإيجاد مساحة له داخل المشهد الثقافي الفلسطيني والدولي.
ولا يخفي البعد الشخصي لهذا الاختيار، إذ يقول إنه عرف بالنتيجة من خلال فنانين أمريكيين في الولايات المتحدة، بعضهم كان يعتبرهم قبل سنوات قليلة «معلمين» له في هذا الفن.

رسالة هامة إلى الجمهور الأمريكي

لكن سباعنة لا ينظر إلى الاختيار باعتباره إنجازا شخصيا فقط، بل يضعه في سياق أوسع يتعلق بإمكانات الكوميكس في إيصال الرواية الفلسطينية إلى الجمهور الأمريكي.
ويقول إن الكوميكس يعد واحدا من أكثر أشكال الفن الشعبي انتشارا وتأثيرا في الولايات المتحدة، وبالتالي فإن وجود قصة فلسطينية داخل هذا الفضاء يتيح إيصال الصوت الفلسطيني إلى جمهور واسع، من خلال وسيط فني مألوف ويحظى بشعبية كبيرة.
ويضيف أن الأهمية لا تكمن فقط في وصول كتاب فلسطيني إلى القارئ الأمريكي، وإنما في انتقال الفلسطيني من موقع «الموضوع الذي يروى عنه» إلى موقع صاحب الرواية الذي يروي قصته بنفسه، مستخدما أدوات فنية معاصرة وقادرة على الوصول إلى جمهور ربما يصعب الوصول إليه من خلال الكتابة التقليدية. ويقول إن حضور الرواية الفلسطينية وسط الكم الكبير من إصدارات الكوميكس لفنانين عالميين ومرموقين «مسألة بالغة الأهمية»، لأنها تتيح للقارئ الاطلاع على الرواية الفلسطينية مباشرة، في وقت تواجه فيه هذه الرواية محاولات للحجب والهجوم عليها في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويرى أن الكوميكس يمكن أن يكون إحدى الأدوات التي تواجه الدعاية الإسرائيلية التي تسعى، وفق قوله، إلى شيطنة الفلسطيني وتصويره باعتباره «حيوانا بشريا»، أو تقديم الحرب على غزة باعتبارها مواجهة بين «العالم المتحضر» والفلسطينيين.
ويعتقد سباعنة أن هذا الحضور الفني يمكن أن يسهم في التأثير على الرأي العام الأمريكي، خصوصا في ظل تنامي اهتمام قطاعات من الجمهور الأمريكي بالصوت الفلسطيني ورغبتها في فهم ما يجري في فلسطين من خلال شهادات الفلسطينيين أنفسهم، وليس فقط عبر وسائل الإعلام التقليدية.

تحويل الصدمة إلى فن

يتجاوز «مرحبا بكم في الجحيم» حدود السرد السياسي المباشر، إذ يستند الكتاب إلى تجارب شخصية وشهادات من الأسرى الفلسطينيين، إلى جانب روايات من قطاع غزة خلال الحرب.
وبالنسبة له، فإن تحويل هذه التجارب إلى فن يمثل أيضا عملية شخصية للتعامل مع الصدمة. ويقول إن الصور التي شاهدها من غزة، والقصص التي سمعها من الأسرى الفلسطينيين حول الممارسات داخل سجون الاحتلال، تركت أثرا عميقا فيه كفنان، وإن إنتاج العمل الفني يصبح في هذه الحالة وسيلة للتعبير عن الصدمة والتعامل معها.
ويضيف: «أنا محظوظ لأن لدي القدرة على تحويل هذه المعاناة والآلام والهواجس إلى قصص وصور»، موضحا أن هذا التحويل يمثل من جهة تفريغا شخصيا، ومن جهة أخرى وسيلة لنقل أصوات أشخاص يشعر بأنه حمل أمانة إيصال حكاياتهم من خلال فنه.
ويرى أن الأصعب ليس إنتاج العمل الفني، وإنما أن تبقى الصور والأصوات والمآسي التي يعيشها الفلسطيني يوميا حبيسة داخل الإنسان من دون أن يجد وسيلة للتعبير عنها. لذلك، فإن تحويل التجربة إلى فن، بالنسبة إليه، لا يقتصر على التوثيق، وإنما يمثل أيضا «وسيلة للنجاة من ثقل هذه التجربة».

الفن في مواجهة شيطنة الفلسطيني

ويربط سباعنة بين عمله الفني وما يصفه بمحاولة الأنظمة الاستعمارية، عبر التاريخ، شيطنة الشعوب الواقعة تحت الاستعمار، وتصويرها باعتبارها متخلفة أو عنيفة أو غير متحضرة، بما يسمح بتبرير العنف الممارس ضدها والحفاظ على صورة المستعمر باعتباره الطرف المتحضر والإنساني.
ويقول إن أحد الأدوار الأساسية للفن الفلسطيني هو مواجهة هذه الصورة، من خلال التأكيد على إنسانية الفلسطيني وإبراز تاريخه وثقافته ولغته وفنونه ورموزه البصرية. ويشير إلى أن الفلسطينيين لم يكونوا شعبا بلا مؤسسات أو حياة ثقافية، بل امتلكوا مؤسسات تعليمية وسينما ومطارات وغيرها قبل قيام إسرائيل، فضلا عن تاريخ طويل في الفنون.
وفي هذا السياق، يستحضر تاريخ الكاريكاتير الفلسطيني، مشيرا إلى أن فنانين فلسطينيين مارسوا هذا الفن ونشروا أعمالهم في ثلاثينيات القرن الماضي، بما يؤكد أن الثقافة والفن كانا جزءا من الحياة الفلسطينية قبل الاحتلال.
وبالنسبة إليه، فإن ممارسة الكاريكاتير والكوميكس في ظل الاحتلال تتجاوز كونها فعلا فنيا إلى كونها وسيلة للتأكيد على الوجود والهوية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *