التقارب العسكري الفرنسي-التركي يثير قلق اليونان وإسرائيل


لندن- “القدس العربي”: هل بدأ التقارب العسكري بين فرنسا وتركيا يطوي صفحة الصراع الذي امتد لسنوات في البحر الأبيض المتوسط؟ هذا هو السؤال المطروح حاليا في الأوساط العسكرية الغربية، في ظل تنامي التقارب بين باريس وأنقرة، والذي قد يجعل إسرائيل واليونان من أبرز المتضررين من التحولات الجارية في المنطقة.

ولا يتعلق الأمر بلقاء على مستوى رئيسي البلدين، التركي رجب طيب أردوغان والفرنسي إيمانويل ماكرون، بقدر ما يتعلق باتفاقات استراتيجية بين مسؤولين وخبراء عسكريين في البلدين، بهدف التخطيط المشترك لملفات ثنائية وأخرى تتصل بمنطقة البحر الأبيض المتوسط والفضاء الغربي الأوسع.

وفي هذا السياق، أورد الموقع العسكري الفرنسي الرقمي “أوبكس 360″، مطلع الأسبوع الجاري، أن البلدين يبحثان وضع خريطة للتفاهم العسكري وتكثيف التعاون بينهما.

ويتعلق الأمر بخريطة طريق جرى توقيعها الجمعة الماضية في باريس، بهدف تعزيز التنسيق العسكري بين البلدين وتحديد مجالات التعاون المشترك.

وجاء توقيع الاتفاق في أعقاب مباحثات بين المدير العام للعلاقات الدولية والاستراتيجية في وزارة الدفاع الفرنسية، غيوم أولانييه، المكلف بوضع التصورات الدفاعية، ونظيره التركي الجنرال إلكاي ألت، في إطار إجراء “حوار استراتيجي مكرس للقضايا الأمنية والدفاعية الرئيسية التي يواجهها البلدان”، وفق بيان لوزارة الدفاع الفرنسية.

وقال المسؤول الفرنسي، في تعليق عبر منصة “لينكدإن”، إن اللقاء جاء “في سياق جيوسياسي تتسم فيه المرحلة بالحرب في أوكرانيا والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط”، وأتاح للطرفين “تبادل تحليلاتنا وتحديد نقاط التوافق”.

وأضاف أن هذا الحوار تُوّج بتوقيع “خارطة طريق” تهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي بين فرنسا وتركيا، موضحا أنها “ستُنفذ في الإطار الأوسع للعلاقات الفرنسية-التركية”.

هذا التقارب العسكري بين البلدين لم يكن متوقعا، إذ ساد خلال السنوات الأخيرة اعتقاد بوجود تنافس عسكري بين باريس وأنقرة، تحول في بعض الملفات إلى صراع علني، كما حدث في ليبيا، وإلى منافسة صامتة في منطقة المغرب العربي.

وفي ليبيا، بلغ التوتر بين البلدين ذروته إلى حد وقوع احتكاك عسكري في المياه الليبية في 10 يونيو/حزيران 2020، في مؤشر على حدة الخلافات بينهما.

أما في منطقة المغرب العربي، فبرزت ملامح المنافسة بصورة أكثر هدوءا، مع تنامي الحضور التركي عبر العلاقات التجارية ومبيعات الأسلحة إلى دول مثل المغرب والجزائر، فضلا عن التوسع في دول إفريقيا الفرنكفونية، التي تعد تقليديا مجال نفوذ فرنسيا.

وعليه، يبدو التقارب العسكري الحالي مفاجئا، رغم أن مؤشرات ظهرت خلال العام الماضي بدأت تشير إلى تراجع حدة الخلافات وتهيئة الأرضية لتعاون أكبر بين باريس وأنقرة.

فقد أصدر مجلس الشيوخ الفرنسي العام الماضي تقريرا أوصى فيه الحكومة بالانفتاح عسكريا على تركيا وتطوير العلاقات معها في هذا المجال. وبعد أشهر، وتحديدا في مايو/أيار الماضي، أُبرم اتفاق عسكري مهم بين شركة “سافران” الفرنسية للصناعات الدفاعية وشركة “بايكار” التركية، المعروفة بتصنيع الطائرة المسيرة “بيرقدار تي بي 2”.

ومن شأن هذا التعاون أن يتيح للبلدين تسريع تطوير قدراتهما العسكرية في مجال الطيران، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية. ويضاف إلى ذلك بحث فرنسا إمكانية بيع تركيا أنظمة الدفاع الجوي الفرنسية-الإيطالية “SAMP/T NG”، في خطوة قد تفتح الباب أمام إعادة ترتيب منظومة الدفاع الجوي التركية، في ظل امتلاك أنقرة أنظمة “إس-400” الروسية.

وبذلك، لا يقتصر التقارب الفرنسي-التركي على التعاون في الصناعات الدفاعية، بل يمتد إلى محاولة تقريب وجهات النظر بشأن عدد من القضايا الدولية، ولا سيما الملفات المرتبطة بالبحر الأبيض المتوسط والحرب في أوكرانيا، بما يعكس اتجاها متزايدا نحو التنسيق والتعاون بين البلدين على المستويين العسكري والاستراتيجي.

وثمة عامل آخر يدفع باتجاه التقارب بين باريس وأنقرة، يتمثل في سعي فرنسا إلى تعزيز قدراتها العسكرية تحسبا لاحتمال تراجع الدور الأمريكي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ تراهن في هذا المسار على دول مثل كندا وتركيا.

وفي هذا الإطار، تسعى باريس إلى إشراك أنقرة وأوتاوا في برامج الدفاع الأوروبية، بما يوسع دائرة التعاون العسكري ويعزز القدرات الدفاعية الأوروبية في ظل التحولات التي يشهدها دور الولايات المتحدة داخل الحلف.

ويشكل الاتفاق ضربة لكل من اليونان وإسرائيل، إذ كانت أثينا تسعى إلى بناء محور ثلاثي يضم فرنسا وإسرائيل واليونان، بهدف مواجهة تنامي النفوذ التركي في البحر الأبيض المتوسط.

وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، الاثنين الماضي، أي قبل يومين فقط من توقيع خارطة الطريق الفرنسية-التركية، إن “مشاركة دول ثالثة في برامج الدفاع الأوروبية الممولة من الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن تكون غير مشروطة، وإن على هذه الدول، قبل المشاركة، أن تحترم المصالح الأمنية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي”.

وجاءت تصريحات ميتسوتاكيس في انتقاد واضح لمساعي فرنسا إلى إشراك تركيا في برامج ومشاريع الدفاع الأوروبية، في وقت تتحفظ فيه أثينا على توسيع التعاون العسكري الأوروبي مع أنقرة.

كما يثير التقارب العسكري بين باريس وأنقرة مخاوف إسرائيلية، في ظل سعي مسؤولين إسرائيليين إلى تحذير الأوروبيين والأمريكيين، ولا سيما من تنامي القدرات العسكرية التركية وتوجهاتها نحو توسيع علاقاتها وتنسيقها العسكري مع دول إسلامية، مثل باكستان.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *