إسرائيل والشرق الأوسط الجديد… أرادته ملعباً لها فإذا بها أحد المتفرجين


قال الملاكم مايك تايسون ذات مرة “لكل شخص خطة، حتى يتلقى لكمة على وجهه”. دخلت إسرائيل الحرب على غزة قبل ثلاث سنوات، بعد ضربة قاسية تسببت بأسوأ كارثة منذ إقامة الدولة. ذهبت إلى هناك بأهداف غير مكتملة، لكن برغبة جامحة في الانتقام. لم يبرد بعد دم حوالي 1200 إسرائيلي قتلوا. وستبقى ندب القتل والاغتصاب والاختطاف وإحراق البيوت والشعور بالفشل والإبادة منقوشة في تاريخ البلاد إلى الأبد. أصبح آلاف القتلى والجرحى والمعاقين جسدياً وعقلياً، والأيتام والأرامل، منذ ذلك الحين ركائز المجتمع الإسرائيلي ما بعد الحرب، ليس كنصب تذكارية، بل كأساس حي لمجتمع ما زال يجهل الحقيقة الكاملة عن تأثير العاصفة الشديدة التي كادت تدمره، وربما لن يعرفها أبداً.

الحرب لم تنته حتى الآن، وما زالت الحكومة نفسها المسؤولة عن الدمار في السلطة، يعتقد الكثير من الوزراء البارزين فيها أن هذا زمن المعجزات، وتحقيق لرؤية الدولة اليهودية الموعودة، وأن الحكومة وناخبيها سيبذلون قصارى جهدهم لضمان استمرارها في قيادة الدولة. عاد المخطوفون، أحياء وأمواتاً، إلى بيوتهم أو إلى قبورهم في أرض إسرائيل، لكن البلاد ما زالت أسيرة عصابة لا تعرف القيود. إنها عصابة متوحشة حولت دولة رائدة ونموذجاً يحتذى به في مجالات كثيرة، إلى حصن منيع ومعزول في العالم. مواطنوها منبوذون وغارقون في سم الأكاذيب التي تعدهم بالنصر الساحق.

لم يختف الغرور والغطرسة التي نشأت وتغلغلت في ظل الهزيمة النكراء، بل يبدو أن حدتها ازدادت. يصعب إحصاء عدد المرات التي وعد فيها الزعيم الأعلى بـ “تغيير وجه الشرق الأوسط”، وقد حدث تغيير بالفعل، لكنه لم يكن التغيير الذي طمحت إليه إسرائيل. إن سجل المكاسب العسكرية حافل بإنجازات استثنائية. وتزخر “السجلات” بأسماء قادة وجنرالات وعلماء ومسؤولين كبار ونوابهم، الذين قُضي عليهم بقنبلة أو صاروخ في غزة ولبنان وإيران. لقد ارتكبت العبقرية العملياتية والاستخبارية “خطأ” في 7 أكتوبر، لكنها تداركت الأمر واستعادت الوعي وحققت الانتصارات. تم إقصاء علي خامنئي وحسن نصر الله وإسماعيل هنية مع سلالاتهم، عن مسرح التاريخ. تم تدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية الإيرانية بالتعاون مع الولايات المتحدة، وتدمير قطاع غزة بشكل شبه كامل، وقتل أكثر من 73 ألف شخص من سكانه، بما في ذلك آلاف الإرهابيين. ويحاصر 2 مليون شخص في خيام وسط أنقاض بيوتهم، ومحرومين من الخدمات الإنسانية الأساسية، ودون أي أمل بحياة طبيعية تليق بشعب “لا أبرياء فيه”. ولكن هذا كله لا يحقق التغيير الجيوسياسي والتاريخي الذي كان من المفروض أن تحدثه هذه الحرب، والذي كان يمكن أن تحدثه. ففي كل جبهة من الجبهات التي شنت إسرائيل الحروب عليها، وما زالت، تكمن إمكانية حقيقية لضعضعة الأنظمة السياسية، ووضع إسرائيل في مكانة أفضل وأكثر أمناً، وبناء علاقات تعوضها عن الكارثة. ولكن إسرائيل تغلق هذه الفرصة بإحكام.

يعدّ لبنان مثالاً بارزاً على دولة تشبه علاقة مفاتيح معلق عليها عدة قنوات سياسية متكاملة. فإذا كانت السعودية قبل الحرب هي التي وقفت على بعد خطوة قبل التوقيع على اتفاق التطبيع مع إسرائيل، فقد برز لبنان كدولة قررت ترجمة ضعف حزب الله وتصفية قادته على يد إسرائيل إلى فرصة سياسية لها. يعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ومعظم أعضاء الحكومة وشريحة واسعة في الشعب اللبناني، عن دعم سياسة “احتكار الحكومة للسلاح”، الذي يعني نزع سلاح حزب الله. وترتبط هذه السياسة بشكل وثيق بإعلان عون إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، والتوصل بعد ذلك إلى اتفاق سلام. وهذه هي المرة الأولى التي تتخذ فيها حكومة لبنانية معترف بها، وليس حكومة دمى برئيس معين، مبادرة تمنح إسرائيل تحالف مع دولة معادية.

ولبنان ليس كالإمارات أو البحرين أو المغرب، التي لم تحارب إسرائيل ولا تربطها معها حدود مشتعلة. صحيح أن نقاط ضعف لبنان وجيشه معروفة، لكن الأمر لا يقتصر على ضعف الجيش نفسه الذي يصعب عليه مواجهة حزب الله بالقوة. فقد مر لبنان بصدمة وطنية تمثلت في حرب أهلية دموية استمرت 15 سنة، شكلت سلوكه السياسي والدبلوماسي. خلال السنوات الـ 36 التي مرت منذ انتهاء الحرب الأهلية، أتيحت للبنان فرص غير قليلة للانزلاق إلى حرب داخلية جديدة، ولكنه استطاع أن يشق لنفسه مسارات بديلة ويحافظ على استقرار نسبي.

كان الثمن الذي دفعه، وما زال يدفعه، باهظاً. فقد نشأت فيه مرتين دولة داخل دولة: الأولى فلسطينية، والأخرى بنيت بجهود إيران وحزب الله. هذه الخلفية المعقدة والمتشابكة هي التي تدفع الحكومة، التي تفضل التفاوض مع حزب الله حول نزع سلاحه، إلى الحذر وعدم مواجهة الحزب مباشرة خشية من اندلاع حرب أهلية تدمر البلاد. وتوضح هذه الخلفية عظمة وجرأة الخطوة التي اتخذتها الحكومة ورئيسها عندما أنكروا، للمرة الأولى، مكانة حزب الله كعامل محوري في مفهوم الأمن القومي، ثم شرعية السلاح الذي يمتلكه.

إضافة إلى ذلك، وصف لبنان حزب الله كعامل يهدد أمنه وسيادته. ودون قول ذلك بصراحة، فقد اعتبره منظمة انفصالية تخريبية تعمل لصالح دولة أجنبية، بل إن خطوة لبنان “تجرأت” على البدء في حل العقدة الشائكة التي تربط لبنان بإيران. إيران نفسها التي فرضت على ترامب الاعتراف بـ “وحدة الساحات” عندما طلبت منه إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار الذي يشمل لبنان كله، وجدت نفسها أمام مسار مواز سارت فيه حكومة لبنان مع إسرائيل، وهو المسار الذي تجاوز إملاء إيران بشكل واضح.

هكذا، انضم لبنان إلى الواقع الجديد الذي نشأ في سوريا. فقد استغل أحمد الشرع الذي أسقط نظام الأسد، الفرصة التي سنحت له بعد إعدام قيادة حزب الله في لبنان. ومثلما في لبنان، أدت الحرب في قطاع غزة أيضاً إلى اختراقة تاريخية، ليس فقط لسوريا، بل لكل المنطقة، ولا سيما لإسرائيل. فقد تم إقصاء إيران عن أحد معاقلها السياسية واللوجستية التي كانت تمكنها من الحفاظ على خط مباشر بين طهران وبيروت وتعزيز حزب الله والسيطرة على لبنان بواسطته. أدرك الشرع، الذي أثبت أنه رجل دولة محنك، حجم الفرصة التي سنحت له. فالعلاقات السياسية والشخصية التي أقامها بسرعة مع محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، ودعم تركيا العسكري والسياسي له، وتمويل قطر ودولة الإمارات له، كل ذلك جعله شخصاً مقرباً من الرئيس ترامب. ما زال الرئيس السوري لا يسيطر على كل أجزاء بلاده حتى الآن. فجيشه ما زال قيد الإنشاء، والبنية التحتية العامة بحاجة إلى عشرات مليارات الدولارات، والانقسامات الاجتماعية والطائفية تحتاج إلى سنوات للتعافي، إذا أمكن ذلك أصلا.

لكن الشرع يعرض على إسرائيل شراكة عملية، ليست سلاماً، بل ترتيبات أمنية ووقف فعلي للأعمال العدائية، التي قد تتطور إلى اتفاق سلام مقابل انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان. وللمرة الأولى، تظهر سوريا استعدادها لتفكيك حزمة علاقاتها مع إسرائيل إلى بنود واقعية غير مشروط بعضها ببعض.

في إسرائيل، وفي الغرب بشكل عام، يستخدم مصطلح المحاور بكثرة، “المحور الشيعي”، “محور الشر”، “المحور الموالي لأمريكا” وغيرها من المحاور التي تعبر عن مصالح يتوقف وجودها على ثمن وجودها. هذا مصطلح مضلل حتى عندما يتعلق الأمر بمحور الساحات الذي أنشأته إيران. ولكن إذا لم يكن مفر من استخدامه، فإن سوريا ولبنان مثال على محور جديد معاد لإيران بشكل صريح، يمكن تسجيله في سجل التحولات الاستراتيجية التي شاهدها الشرق الأوسط نتيجة حرب غزة.

للأسف، يواجه لبنان وسوريا رئيس حكومة إسرائيلية، في ظروف أخرى يمكن وصفه بأنه يعاني من قلق سياسي، قائد يخشى اللحظة التي تستنفد فيها قدرة القوة العسكرية على إحداث التغيير، ويصبح مطالباً بإظهار قدرته الدبلوماسية والسياسية لتحقيق أهدافه. يبدو أن نتنياهو لا يعاني من هذا العيب. فبالنسبة لشخص يعتبر نفسه “قائداً من نوع آخر”، وساحراً يسيطر على خيوط المؤامرات والفوضى، يجب أن تكون السياسة مجاله المفضل. لكن عندما يتعارض بقاؤه السياسي مع الحاجة إلى السياسة، وعندما تشكل موجة الأيديولوجيا القومية والعنصرية والأيديولوجية والمسيحانية ركيزته، تصبح التحركات السياسية تهديداً وخطراً حقيقياً. الحرب المستمرة، إذا لم تكن الأبدية، هي خياره السياسي الوحيد الممكن. حسب رأيه، هذه مسألة وجودية بالنسبة له، وليست للدولة. ثمن ذلك، وهو أرواح البشر والأموال، أقل ما سيدفعه في المسار السياسي الذي قد يقوض أسس البنية السياسية التي يزدهر فيها.

ما زالت إيران تشكل تهديداً عسكرياً وسياسياً؛ فهي تمتلك 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة

النتيجة أن نتنياهو يواجه الآن واقعاً مهد فيه الطريق لتغييرات في الشرق الأوسط، لكن هذه التغييرات تسير في دوائر مستقلة، وكأنها حركة طاردة مركزية أخرجت إسرائيل منها قسراً. تحركات إسرائيل في لبنان وسوريا يمليها ترامب، الذي يستمع جيداً لآراء الزعماء العرب. ومستقبل غزة سيحسمه البيت الأبيض. إسرائيل لا تعدّ جزءاً في أي تحالف أو أي تحالف إقليمي، سواء كان عسكرياً أو سياسياً. والأسوأ أنه تتنافس مع إيران على لقب “الدولة الأخطر في الشرق الأوسط”.

الآن “القضية الإيرانية” التي بنى عليها نتنياهو مسيرة دولية وإقليمية مدهشة، أفلتت من يديه. ربما قضت إسرائيل على القيادة الإيرانية، لكن حلم إسقاط النظام الذي سوقته لترامب تحول إلى كابوس. النظام الإيراني لم ينجُ فقط، بل إن قيادته الجديدة، الأكثر تطرفاً وتشدداً، ما زالت تملي شروط الحرب المستمرة منذ سبعة أشهر دون نهاية تلوح في الأفق. لقد لحقت بإيران أضرار جسيمة، فاقتصادها مدمر، وبنيتها التحتية متهالكة، وقدرتها العسكرية متضائلة بشكل كبير، وسيطرتها على مضيق هرمز تتلاشى، والنفط يخرج من الخليج بكميات تشبه الكميات التي كانت تسوق قبل الحرب. مع ذلك، ما زالت إيران تشكل تهديداً عسكرياً وسياسياً؛ فهي تمتلك 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة. والدول العربية التي كانت تعد لتشكيل محور مناهض لإيران مع إسرائيل، تبادر فعلياً إلى القيام بتحركات دبلوماسية مع طهران، في حين لم يكن لإسرائيل دور سوى أن تكون متفرجة.

بدأ الشرق الأوسط بتغيير وجهه، لكن ليس بالطريقة التي خططت لها إسرائيل. تمتلك إسرائيل قوة عسكرية كبيرة جداً، وهي قادرة على تغيير سير المعركة. ولكن القرارات التي ستحدد مستقبل المنطقة تتخذ من دونها أو بمعزل عنها. إسرائيل التي سعت إلى أن تكون صاحبة القرار في تشكيل الشرق الأوسط الجديد، تكتشف أنها تحولت من دولة تفرض التغيير إلى دولة مطالبة بالتكيف مع واقع يمليه الآخرون.

تسفي برئيل

هآرتس 7/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *