بعد مرور ثلاث سنوات بالضبط على ذلك يوم السبت، ما زال هجوم حماس على بلدات الغلاف والمواقع العسكرية في قطاع غزة لغزاً محيراً. كان الهجوم غير مسبوق في نطاقه، وعكست نتائجه الكارثية حجم فشل قوات الأمن وأنظمة الدولة والحكومة. وعقب ذلك، دخلت إسرائيل إلى حرب لم تحسم ولم تنته في أي جبهة. حتى قوة الضربات الشديدة التي وجهتها لأعدائها لم تنقذها من المأزق الاستراتيجي الذي وجدت نفسها فيه، ولم تشف جراح ذلك اليوم.
كان الاسم الذي اختارته حماس لخطة هجومها، “طوفان الأقصى”، مناسباً، للأسف. فقد رأى يحيى السنوار ومحمد ضيف وعدد قليل من المسؤولين الكبار في الجناح العسكري الذين شاركوا في التخطيط سراً في الهجوم، تسونامي سيخترق السدود التي بنتها إسرائيل حول قطاع غزة – الجدار الأمني والعائق التحت أرضي، ويغرق بلدات الغلاف. الفكرة الأساسية بدأت في التشكل بعد بضع سنوات على عودة السنوار إلى القطاع من السجن الإسرائيلي في العام 2011، عندما تم إطلاق سراحه في صفقة شاليط. وفي الأعوام 2016 – 2021 قامت هذه المجموعة الصغيرة بإعداد عشر صيغ للخطة العملياتية، 6 من بينها اعترضتها شعبة الاستخبارات العسكرية. وأطلق عليها الجيش اسم “سور أريحا”، لكن لم يبذل إلا القليل جداً لإحباطها أثناء تنفيذها.
يعود الإهمال الكبير في معظمه إلى ظاهرة يصفها البعض بتسامح “فشل التصور”. فقد فشل معظم أفراد الاستخبارات المعنيين في معرفة مستوى جدية حماس في خططها، وأنها ستنفذها عندما تسنح الفرصة، واتخذوا موقفاً متعجرفاً تجاه هذه المنظمة الإرهابية واستخفوا بقدراتها، وقالوا إن التفوق الاستخباري والتكنولوجي لإسرائيل سيضمن لها إنذاراً للاستعداد.
أدرك آلاف المشاركين في المذبحة – حيث قال وزير الدفاع إسرائيل كاتس أمس إن 4 آلاف من أصل 6 آلاف إرهابي ومدني شاركوا فيها قتلتهم إسرائيل – رؤية المخططين العملياتية بدقة. ففي غضون 15 – 30 دقيقة تم اختراق الجدار في أكثر من 100 نقطة على طول الحدود، وتسلل المهاجمون إلى البلدات والمواقع العسكرية (التي لم تبن كقواعد محصنة ومعدة لمواجهة أي هجوم). ووجدت القوة المدافعة، قليلة العدد، نفسها في وضع يفوقها فيه العدو من ناحية العدد بشكل كبير، بنسبة 7: 1 أو 8: 1 في أماكن كثيرة. ورغم قتالهم ببسالة واجهوا صعوبة كبيرة في وقف المذبحة.
لأن الوحدات التي تمت مهاجمتها تفاجأت تماماً، فقد قضى معظمها ساعات في محاولة صد المهاجمين من داخل المواقع العسكرية، وعجزت عن مساعدة البلدات التي أوكلت إليها حمايتها. وعندما بدأ الجيش الإسرائيلي بالتعافي وأرسل تعزيزات للجنوب، ظهرت مشكلات أخرى. فقد قامت حماس، التي كانت كما قيل على أهبة الاستعداد، بتحليل نقاط الضعف على الطرق الرئيسية ونصب الكمائن. فاجأت حماس القوات المتقدمة وألحقت بها خسائر فادحة، وأدت الفوضى التي سادت المنطقة وتردد القادة أحياناً، إلى تأخير كبير في وصول القوات إلى البلدات. وظهر السؤال الأكثر شيوعاً وإيلاماً في 7 أكتوبر، وهو أين الجيش الإسرائيلي؟ طرح هذا السؤال آلاف المرات في مكالمات هاتفية يائسة وفي مجموعات الواتساب في الكيبوتسات. وفي أكثر من مرة، كتبته أمهات بأصابع دامية، وهن يكافحن على أبواب الغرف الآمنة في البيوت على أمل إنقاذ أولادهن.
الوحدات التي تمت مهاجمتها تفاجأت تماماً، فقد قضى معظمها ساعات في محاولة صد المهاجمين من داخل المواقع العسكرية، وعجزت عن مساعدة البلدات التي أوكلت إليها حمايتها
قرأت مؤخراً أفضل شرح موجز للفوضى والغموض التي سادت المعركة في ذلك الصباح، بعد أكثر من سنتين ونصف على الهجوم، في ورقة بحث قصيرة كتبها الرائد أ، وهو ضابط في لواء “غولاني”. كان أ. يتعلم في الجامعة في وقت الهجوم، واستدعي إلى الغلاف في ذلك اليوم. الكتيبة 51 والكتيبة 13 في لوائه، التي نشرت سراياها على طول خط المواجهة، شاهدت أشد يوم في تاريخ “غولاني”. فقد قتل 73 من جنودها وأصيب المئات. وها أنا أنقل إليكم كلماته بموافقته.
كتب أ: “لقد عشت الأحداث من خلال الفضاء التكتيكي. لا أكتب بصفتي باحثاً خارجياً، بل بصفتي شخصاً واجه المفاجأة في وقتها. ومن هذا الموقع بالتحديد، يمكن للمرء أن يدرس كيف ينهار مفهوم معين على أرض الواقع، حتى قبل انهيار النظام بأكمله. في الصباح الباكر في 7 أكتوبر، وجدت نفسي أتحرك، وأنا مسلح وأحاول استيعاب ما أشاهده. لم تكن صدمة بالمعنى العاطفي، فالخوف يأتي بعد ذلك. كانت اللحظة الأولى مختلفة كلياً – الشعور بالتناقض. لم تكن الأحداث حولي تتناسب مع أي نمط أعرفه. لم يعد هذا حدثاً غير عادي أو اختراقاً لمرة واحدة. كان من الواضح أن هناك شيئاً أكبر بكثير يحدث، لكن الكلمات والمفاهيم التي كانت لدي لم تكن كافية لوصفه.
“بصفتي ضابطاً مقاتلاً، تطورت مهنياً في نظام يدرب على السيناريوهات: عمليات تسلل، مواجهات، تصعيد وإطلاق صواريخ. كل شيء مألوف ومنظم وموجه بإجراءات. مع ذلك، في ذلك الصباح، انهارت الأنماط في الزمن الفعلي، ليس بسبب عدم وجود إجراءات، بل لأن الواقع تجاوز الحدود المعقولة التي كنا نعمل بحسبها. لحظة عدم التصديق تلك ليست تجربة شخصية فقط، بل نقطة محورية لفهم المفاجأة. لم يكن 7 أكتوبر فقط فشلاً استخبارياً أو عملياتياً، بل كان فشلاً معرفياً. فلم تتم ترجمة المعلومات المتراكمة إلى تحطيم نمط معين، حتى مع بدء الحدث استغرق الأمر وقتاً حتى ينتقل النظام على كل المستويات من افتراض أن ما يحدث هو “حدث استثنائي، لكنه مألوف” إلى الإدراك بأنه حملة واسعة النطاق”.
نظرة إلى الوراء وإلى المستقبل
عند النظر إلى الوراء شرقاً، من الموقع العسكري الذي بني حديثاً على تلة علي منطار في شرق مدينة غزة باتجاه الحدود الإسرائيلية القريبة، يصبح من الأسهل فهم ما حدث هنا وما تغير منذ ذلك الحين. على اليسار تظهر هوائيات معسكر “ناحل عوز”، الذي سيطرت عليه حماس في ذلك الصباح. قتل هناك 53 جندياً ومدنياً في معركة المعسكر وتم اختطاف 10 أشخاص، عاد 7 أشخاص منهم من القطاع على قيد الحياة. نفذت العملية التي أعدتها حماس للسيطرة على المعسكر بدقة متناهية.
يقول العقيد عيدو كاتس، الضابط الذي قاد تحقيقات الجيش الإسرائيلي في معركة المعسكر: “كنت في قوة الكوماندو البحرية مدة 18 سنة، وربما لم يسبق لي الاطلاع على ملف عملية مشابه في نطاقه وعمقه للخطط التي أعدتها حماس للسيطرة على المعسكر. فقد شنوا عملية استخبارية خاصة ضدنا. هذا أمر يثير الانطباع، ومؤلم”.
على يمين المعسكر تظهر بيوت كيبوتس “ناحل عوز” بوضوح. في صباح المذبحة، لم يقاتل للدفاع عنه إلا عدد قليل من الجنود ومن أعضاء قوة الإنقاذ. لم تسمح المعركة التي تجري في المعسكر القريب بتقديم المساعدة للكيبوتس في الساعات الأولى. قتل 15 شخصاً في الكيبوتس وتم اختطاف 8 إلى قطاع غزة، وأطلق سراح 6 منهم على قيد الحياة. عاد معظم السكان للعيش هناك في السنة الماضية، لكن أعمال إعادة الإعمار ما زالت تجري على قدم وساق. ومثلما هي الحال في بلدات أخرى على الخط الأول في الغلاف، استمرت زراعة الحقول طوال فترة الحرب حتى آخر دونم قرب الجدار.
سلسلة تتكون من 40 موقعاً أقامها الجيش الإسرائيلي تفصل اليوم بين سكان الغلاف ومخربي حماس، خلافاً للوضع قبل 7 أكتوبر. وقد أقيمت معظم هذه المواقع على طول التلال التي تعرف باسم تلة 70، على بعد كيلومتر تقريباً داخل قطاع غزة. وتستمر الحرب، حتى لو كان بوتيرة أقل شدة مقارنة مع الماضي، لكنها تتركز الآن داخل القطاع. وتتناقض عمليات إعادة الإعمار واسعة النطاق في الطرف الإسرائيلي بشكل صارخ مع ما يحدث في الطرف الفلسطيني. فقد تم تدمير حي الشجاعية قرب التلة بشكل كامل، واضطر معظم سكانه إلى مغادرته، باستثناء مئات رجال المليشيات وعائلاتهم الذين يتعاونون مع إسرائيل.
في المقابل، قال رؤساء المجالس الإقليمية في الغلاف إن حوالي 90 في المئة من السكان عادوا إلى بيوتهم. ومن المرجح أن معظم من يترددون في العودة لن يعودوا. في المقابل، هناك الكثير من العائلات التي اختارت الاستقرار هناك بالتحديد بعد المذبحة. يستند قرار العودة أيضاً إلى الأمل في أن يكون الجيش الإسرائيلي قد تعلم الدرس. وإلى جانب تعزيز قواته في قطاع غزة، فقد حسن استعداداته بشكل يصعب على حماس تكرار نجاحها. لكن الشكوك والتساؤلات ما زالت قائمة. فكل من انتظر مرة واحدة في الغرفة الآمنة لساعات كثيرة جداً لن يثق بأداء الجيش في المستقبل.
مسرحية “عمليات بسيطة” على مسرح “هبيما” تعود إلى أحداث ذلك الصباح. تركز المسرحية على حياة عائلة في أحد كيبوتسات الغلاف في الأشهر التسعة في أعقاب الانقلاب النظامي والاحتجاجات التي سبقت المذبحة. وقد أحسن الكاتب المسرحي الشاب في “هبيما” يوتم غوتال صنعاً عندما اختار إنهاء أحداث المسرحية عشية 7 أكتوبر. يغادر المشاهدون المسرح دون معرفة مصير الشخصيات بعد بضع ساعات. ولكن الشعور بالاختناق يزداد مع تقدم أحداث المسرحية. وعندما يظهر عنوان فرعي على الشاشة بتاريخ 6 تشرين الأول، يسمع صوت بكاء الجمهور. عشية الانتخابات للكنيست بعد أقل من ثلاثة أسابيع، يبدو أن نفس الشعور المشؤوم الذي رافق المراحل الأخيرة في المسرحية قد عاد ليحلق في الأجواء.
عاموس هرئيل
هآرتس 7/10/2026