المخاوف من العقوبات الأمريكية تجتاح السوق العراقي



مصطفى العبيدي

بغداد ـ «القدس العربي»:  تابع العراقيون بقلق كبير موعد 30 أيلول/سبتمبر الماضي، المحدد لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، بانتظار حسم موقف الفصائل المسلحة من تسليم سلاحها إلى الحكومة أو التعرض لعقوبات أمريكية ثقيلة على البلد والشعب تعيد أيام الحصار الاقتصادي الدولي في أعقاب حرب احتلال الكويت.

وقبيل موعد 30 ايلول/سبتمبر، شهدت الأسواق العراقية ركودا غير معتاد وتوترا كبيرا وعزوف الكثير من المواطنين عن شراء السلع والخدمات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد والسلع والخدمات وسعر صرف الدولار مقابل الدينار، نتيجة المخاوف من تداعيات غير محمودة على الاقتصاد العراقي والتعرض للعقوبات الأمريكية بسبب عدم تنفيذ تعهد حكومة بغداد بنزع سلاح الفصائل.
وخلال جولة لـ«القدس العربي» في أسواق بغداد، أبدى العديد من التجار والباعة، قلقا من ضعف الحركة التجارية وقلة إقبال الناس على الشراء، وسط ميلهم إلى ادخار أموالهم تحسبا للسيناريو القادم الأسوأ.
وقال تاجر الجملة عامر العزاوي، «انه وباقي التجار، ينتابهم قلق ومخاوف حقيقية من انتهاء مهلة الـ 30 من سبتمبر/أيلول، دون حسم موضوع تسليم الفصائل للسلاح وما قد يترتب عليه من عقوبات أمريكية، ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد العراقي، إذا ما اقدمت الولايات المتحدة، على قطع وصول عائدات تصدير النفط العراقي وعجز الحكومة عن تسديد رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية وتوقف المشاريع الحكومية»، منوها إلى أن عدم تسليم سلاح الفصائل للحكومة، سيثير غضب الولايات المتحدة على العراق وخصوصا انها تتحكم بعائدات بيع النفط العراقي، وهددت بانها لن تسلمه إلى العراق إلا بعد نزع سلاح الفصائل، حسبما أعلنته الإدارة الأمريكية.
وقال العزاوي إن ركودا كبيرا يخيم على الأسواق هذه الأيام بشكل ملحوظ يتسبب بخسائر مالية كبيرة وتعطل الأعمال التجارية وضعف حركة السوق، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع والبضائع، وذلك نتيجة المخاوف من العقوبات الأمريكية المحتملة، مع ارتفاع أسعار صرف الدولار مؤخرا.
وأشار التاجر إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية كالبيض والألبان ولحوم الدجاج والسكائر، إضافة إلى أسعار الأجهزة الكهربائية وغيرها من السلع والمواد المستوردة، مؤكدا ان أصحاب المحلات في أسواق الجملة عاجزين عن تسديد إيجار محلاتهم ومعارضهم، أو دفع أقساط الديون والضرائب المطلوبة منهم، فيما عمد الكثير منهم إلى تسريح بعض العمال الذين يعملون لديهم لتقليص النفقات ولعدم القدرة على دفع أجورهم.
وذكر العزاوي «ما فائدة فتح مضيق هرمز أو زيادة تصدير النفط ما دامت أمريكا في النهاية تتحكم بعائدات بيع النفط العراقي وتستطيع وقف الأموال الناتجة عنها متى شاءت؟»، معربا عن مخاوف الكثير من الناس من ان بعض الأحزاب الحاكمة والفصائل لا تهتم إذا تعرض العراق للعقوبات الاقتصادية، وهي تفضل ان يقف العراق مع إيران بكل الأحوال دون الاهتمام بتأثير العقوبات المدمر على أوضاع الشرائح الشعبية المتعبة أصلا. وذكر مثالا عن ذلك، عندما رفض مطار النجف الذي تتحكم به الأحزاب والفصائل، تطبيق القرار الأمريكي بإيقاف رحلات الطيران الإيراني إلى دول العالم رغم التزام مطار بغداد بالقرار.
وبدوره ذكر أحمد علي، وهو صاحب معمل المنيوم، انه ذهب إلى السوق لشراء بعض المواد الأولية التي يستخدمها في صناعة الشبابيك والأبواب، ولكنه تفاجأ بارتفاع كبير غير متوقع في أسعار المواد المستوردة، وانه مجبر على تغيير أسعار البضائع التي يبيعها للزبائن، منوها أن ارتفاع أسعار الدولار منذ أيام ساهم أيضا في تعقيد المشكلة وزيادة ركود السوق.
وأكد علي بأن أجواء السوق عموما مشحونة بالمخاوف من أزمة اقتصادية مقبلة على العراق، نتيجة إعلان معظم الفصائل، رفض أو المماطلة في تسليم سلاحها إلى حكومة بغداد، مما يعني حتمية فرض عقوبات اقتصادية أمريكية على العراق، وبالتالي يجعل الناس تعزف عن الشراء عموما وتفضل تخزين أموالها للأيام الصعبة القادمة.
وانتشرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المواطنين بالتقشف وعدم الإنفاق إضافة إلى دعوات تخزين المواد الغذائية تحسبا لظروف اقتصادية صعبة متوقعة في القريب. كما لوحظ قيام بعض المواطنين بسحب ودائعهم من البنوك وخزنها في بيوتهم.
وما زاد من الأزمة المالية في العراق وركود الأسواق، ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، حيث تجاوز السعر الموازي 1560 دينارا لكل دولار، فيما السعر الرسمي هو 1300، وذلك نتيجة الإقبال على شراء الدولار من التجار والمواطنين الذي يعدون الدولار الملاذ الآمن لمدخراتهم، إضافة إلى استغلال المضاربين بأسعار الدولار للتذبذب الذي يخيم على الأسواق.
ومن أجل تطمين القطاعات الاقتصادية وحركة الأسواق والحد من ارتفاع صرف الدولار، أعلن البنك المركزي العراقي، في 19 أيلول/سبتمبر الماضي، توفر الاحتياطيات الأجنبية لتلبية الطلبات على العملة الأجنبية المخصصة لتمويل التجارة الخارجية وتسوية البطاقات المصرفية، فضلا عن تلبية طلبات المسافرين للحصول على الدولار النقدي وفق سعر الصرف الرسمي المعتمد.
وقال البنك في بيان، إن ارتفاع سعر الصرف في الأسواق المحلية يعود إلى المضاربات والتوقعات في السوق، فضلا عن استغلال الظروف الجيوسياسية في المنطقة بهدف إرباك الأوضاع الاقتصادية والمالية، بحسب البيان.
وفي خضم هذه الأزمة المالية، شهد الاقتصاد العراقي ارتفاعا في ديون الحكومة مع انخفاض في حجم الاحتياطيات المالية. حيث أظهرت بيانات للبنك المركزي العراقي، في نهاية حزيران/يونيو 2026، أن الدين الداخلي بلغ 106.072 تريليون دينار، مقابل 103.179 تريليون دينار في نهاية أيار/مايو، ما يعني ارتفاعه بنحو 2.893 تريليون دينار، أو 2.8‌ في المئة، خلال شهر واحد. لكن الزيادة تبدو أكبر عند مقارنتها ببداية العام، إذ كان الدين الداخلي يبلغ 90.515 تريليون دينار في نهاية 2025، ليرتفع بنحو 15.557 تريليون دينار خلال ستة أشهر، أي بنسبة تقارب 17.2‌ في المئة.
وفي المقابل، حذر خبراء الاقتصاد من الأوضاع الاقتصادية المتدهورة الحالية والمتوقعة ومنها انخفاض الاحتياطيات المالية للبلد.
وكشف رئيس مؤسسة «عراق المستقبل» للدراسات والاستشارات الاقتصادية، منار العبيدي، عن تدهور حاد ومقلق في المؤشرات المالية للبنك المركزي العراقي، مشيراً إلى تصاعد وتيرة الاقتراض الحكومي مقابل نزيف مستمر في الاحتياطيات الرسمية.
وأوضح العبيدي، استنادا إلى أحدث البيانات المصرفية، أن «صافي ديون (مطالبات) البنك المركزي على الحكومة العراقية سجل قفزة هائلة، حيث وصل إلى 66.6 تريليون دينار (نحو 61 مليار دولار)، مقارنة بـ 35 تريليون دينار فقط في مطلع عام 2025».
وأشار إلى أن «شهر تموز/يوليو الماضي وحده شهد خسارة نحو 10.3 تريليون دينار من حجم الاحتياطيات الأجنبية والمصرفية»، حيث كشفت الأرقام عن «تراجع حاد في صافي الاحتياطيات الرسمية للبنك المركزي، التي انخفضت إلى 102 تريليون دينار، بعد أن كانت تبلغ 130 تريليون دينار في بداية عام 2026».
وفي السياق، حذر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، من دخول العراق رسمياً في حالة «العسرة المالية»، مشيراً إلى أن الحكومة تمر بأسوأ حالاتها فيما ينتظر المواطنون استلام استحقاقاتهم المالية، مؤكدا أن: «اعتراف الحكومة أخيراً بشح السيولة في خزانتها لم يعد مفاجئاً، بعد أشهر طويلة من المكابرة والإنكار والعناد، وبعد أن أجبرها التدهور المستمر في الإيرادات على الاعتراف بالحقيقة المرة أمام الشعب».
وأكد، أن «من سوء حظ العراق أن إيراداته النفطية تُعد إيرادات مستنزفة حتى قبل وصولها إلى خزينة الحكومة»، مبيناً أن «الفاسدين ينتظرون حصتهم، والمكاتب الاقتصادية الحزبية تنتظر حصتها، وجماعات السلاح تنتظر حصتها، والدائنون ينتظرون حصتهم، والموظفون الوهميون ينتظرون حصتهم، ليأتي الموظف العراقي الحقيقي في آخر القائمة».
وشدد الهاشمي على أن «العراق لا يعاني من نقص الموارد، بل من سوء إدارتها»، داعياً الحكومة إلى «خفض الهدر، وضبط فاتورة الرواتب، وإيقاف التوظيف الوهمي، وقمع الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، وتفكيك المكاتب الاقتصادية للاحزاب، وتنمية الإيرادات غير النفطية».
ولا شك ان إصرار بعض الفصائل المسلحة على عدم تسليم سلاحها الثقيل إلى حكومة بغداد، وتمسك الأخيرة بعلاقاتها الاقتصادية والمالية مع طهران، يتعارض كليا مع الحملة الأمريكية للتضييق على الاقتصاد الإيراني، ويجعل الإدارة الأمريكية لا تتساهل في اختراق العقوبات على إيران من قبل أي جهة كانت.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن القلق من المماطلة في تسليم سلاح الفصائل، أو عدم التزام حكومة بغداد بالعقوبات الأمريكية على إيران، سيؤدي حتما إلى شمول العراق بتلك العقوبات وإيقاف ارسال عائدات بيع النفط العراقي، وهو ما يعني انهيار الاقتصاد العراقي المتعب والغارق بالأزمات أصلا. مع التأكيد ان تأثير العقوبات الأمريكية سيكون واضحا وسريعا على أوضاع المواطنين المعاشية وسيعيد سيناريو الحصار المدمر الذي تعرض له العراق بعد حرب الكويت.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *