ندعو سعيّد لعدم تعطيل قانون تجريم التطبيع ونشيد بحرص الجزائر على أمن تونس


تونس- “القدس العربي”: دعا زهير المغزاوي، الأمين العام لحركة الشعب التونسية، الرئيس قيس سعيد إلى التراجع عما اعتبره “قرار تعطيل” مناقشة مشروع قانون تجريم التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي في البرلمان التونسي.

واتهم، من جهة أخرى، أطرافا سياسية، من بينها حركة النهضة، بإخراج تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون حول تونس عن سياقها، معتبرا أن الجزائر حريصة على أمن تونس من باب حرصها على أمنها الخاص.

ويثير تواصل احتجاز نشطاء أسطول الصمود العالمي بشبهة غسيل أموال جدلا واسعا في تونس.

وقال المغزاوي، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “هذه الوضعية غير مبررة حيث لا يمكن تصديق هذه التهمة لعدة أسباب، أهمها أن هؤلاء النشطاء ليسوا نكرات أو حديثي عهد بالتحرك النضالي دعما للقضية الفلسطينية أو سائر القضايا التي تهم الشارع التونسي”.

وأضاف: “لا يمكن قبول هذه التهم بحق منسقي أسطول الصمود، خاصة أن هذا الأسطول تعرض لتضييقات كثيرة في أماكن مختلفة من العالم بفعل الضغوط التي مارسها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن تونس تحدت هذه الضغوط وبادرت باستقبال الأسطول وهيأت الظروف الملائمة لانطلاقه من تونس في اتجاه سواحل غزة”.

“مقاطعة خطاب نتنياهو خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد مدى اهتزاز صورة إسرائيل في العالم”

واعتبر أن الرأي العام في تونس “كان ينتظر تكريم هؤلاء النشطاء والاحتفاء بهم رسميا وشعبيا. لكن أن يتحول الأمر إلى اتهامهم وإدانتهم بشبهة غسيل الأموال، فهذا الأمر يثير الاستهجان ويضع السلطة في تونس في موضع المساءلة عن مدى وفائها والتزامها بمبدأ التضامن المطلق مع القضية الفلسطينية، وإسناد كل التحركات الداعمة للمقاومة والمدينة للعدوان الصهيوني المستمر”.

وكان المغزاوي اعتبر في تصريح سابق لـ”القدس العربي” أن أسطول الصمود العالمي حقق أهدافه في تحدي الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل حصار غزة، ونسف السردية الإسرائيلية (المظلومية) التي سيطرت على الرأي العام العالمي لثمانية عقود.

ويثير تأخر المصادقة على مشروع قانون تجريم التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي جدلا كبيرا في تونس، وخاصة بعد حديث رئيس البرلمان إبراهيم بودربالة عن طلب الرئيس سعيد من البرلمان إيقاف التصويت على المشروع الذي قال إنه “يشمل خطرا على أمن تونس الخارجي”، قبل أن ينفي سعيد تدخله في عمل البرلمان.

وعلق المغزاوي على هذا الأمر بالقول: “كنا جميعنا نعول على أن تظل السلطة في تونس متمسكة بالشعار الذي أطلقه الرئيس قيس سعيد في حملته الانتخابية الأولى عندما ردد بكل وضوح وقوة أن التطبيع خيانة عظمى. لكننا في حركة الشعب صدمنا بتعطيل مناقشة مشروع قانون تجريم التطبيع الذي تقدمت به كتلتنا البرلمانية، واعتبرنا أن المبررات التي قُدمت لهذا القرار غير مقنعة، خاصة في ظل حالة الحصار والإدانة الدولية المفروضة على الكيان الصهيوني المجرم”.

وأضاف: “لذلك لا زلنا ننتظر من الرئيس سعيد التراجع عن قرار التعطيل انسجاما مع الشعارات التي رفعها وجعلت قطاعات واسعة من التونسيين تدعمه إيمانا منها أن قضية فلسطين هي قضيتنا الأساسية، ولا يمكن أن نقبل من سلطة يقودها سعيد أن تعترض مناقشة البرلمان التونسي لقانون تجريم التطبيع والمصادقة عليه”.

وكانت حركة الشعب حذرت في وقت سابق من استقطاب ثنائي بين ما اعتبرته “سلطة عاجزة تمارس الإنكار في مواجهة أزمات البلاد” وقوى سياسية تعمل على “تأليب القوى الدولية واستجداء تدخلها”.

استقطاب ثنائي

وأوضح المغزاوي هذا الأمر بالقول: “الأمر لا يتعلق بمقاربة حزبية أو عملية دعائية، بل هو تشخيص لواقع سياسي مأزوم نعيشه اليوم، وعشنا واقعا مشابها له عامي 2013 و2014، حينها تشكّل استقطاب ثنائي بين حركة النهضة وحزب نداء تونس. وقدّرنا حينها أنه مغشوش لأن طرفي الاستقطاب يحملان نفس المرجعيات الليبرالية وينخرطان في نفس المحاور الإقليمية والدولية المعادية للسيادة الوطنية، لكنهما قدما نفسيهما للشارع التونسي على نحو مغالط”.

“نظام سعيد يقدم نفسه كمدافع وحيد عن السيادة الوطنية، بينما تسوق النهضة وحلفاؤها لأنفسهم كحماة للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان”

وأضاف: “النهضة كانت تدّعي حينها أنها معادية للنظام السابق وملتزمة بالعمل على قطع طريق العودة أمام فلوله و”أزلامه”، بينما نداء تونس كان يقدم نفسه على أنه راعي الحداثة في مواجهة ظلامية ورجعية النهضة وحارس الديمقراطية في مواجهة الأطروحات التيوقراطية”.

وتابع المغزاوي: “لكن ما حدث فيما بعد كشَف زيف هذه الادعاءات، حيث تحالف الطرفان وعاشت تونس في ظل حكمهما المشترك إحدى أسوأ فترات تاريخها المعاصر، حيث تفشى الفساد والمحسوبية والمحاصصة والتنكر للمطالب الاجتماعية المشروعة والتفريط في السيادة الوطنية وإغراق اقتصاد البلاد في المديونية”.

واعتبر أن تونس تعيش اليوم “واقعا شبيها نسبيا -وإن تغيرت بعض مكوناته- فالنظام القائم حاليا يقدم نفسه على أنه المدافع الوحيد عن السيادة الوطنية والسد المنيع أمام أخطبوط الفساد والمحسوبية في مواجهة دعاة الاستقواء بالخارج والمتمعشين من الفساد في مرحلة ما قبل 25 جويلية/تموز 2021. بينما يتم تقديم حركة النهضة وحلفائها في جبهة الخلاص على أنهم حماة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في مواجهة استبداد وديكتاتورية نظام قيس سعيد”.

لكنه أكد أن “الحقيقة مغايرة لذلك تماما. فالنظام يسعى إلى التغطية على فشله المتواصل في مواجهة أزمات البلاد، ويمتهن الإنكار والتسويف ويتخفى وراء مقولة التآمر واللوبيات والاحتكار ويدّعي الالتزام بالدفاع عن السيادة الوطنية. بينما النهضة وحلفاؤها ليس لديهم ما يقدمونه في الملفات الاقتصادية والاجتماعية أفضل مما قدموه سابقا من فساد ومحسوبية وتهافت على الغنيمة، ولا يخفون ترحيبهم بالتدخل الأجنبي للتخلص من سعيد ونظامه، لا لأنه يمثل خطرا على تونس، بل لأنه انتزع منهم مغانم السلطة”.

وخلص المغزاوي إلى أن الطرفين “يتشابهان في الفشل الاجتماعي والاقتصادي، ويتباينان فقط في الشعارات المغالطة التي يحاولان بها استقطاب الرأي العام الوطني”.

تصحر سياسي وإعلامي

لكنه اعتبر أنه “رغم عمق التصحر والتجريف السياسي والإعلامي والجمعياتي الذي يمارسه النظام القائم، لا يزال في المشهد السياسي الوطني قوى مؤمنة بضرورة العمل على إنهاء حالة الفشل والانهيار التي تعيشها البلاد، وقطع الطريق في نفس الوقت على دعاة الاستقواء بالأجنبي والتفريط في السيادة الوطنية، دون التخلي طبعا عن مطلب الحرية واحترام حقوق الإنسان والالتزام بمقومات الديمقراطية السليمة”.

وأكد أن حركة الشعب “انخرطت منذ فترة في حوارات مع هذه الأطراف بهدف تعميق وتوسيع أرضية الالتقاء وصياغة ورقة عمل مشتركة، رهانها الأول هو الخروج من وضعية الأزمة المركبة التي فرضها نظام سعيد بخياراته المرتجلة والشعبوية على البلاد. والأولوية المطلقة تظل للملفات الاجتماعية والاقتصادية التي لم تعد تحتمل التأجيل أو المماطلة، فالتدهور بلغ حدا أصبح يهدد الشروط الدنيا لحياة تحفظ كرامة الإنسان في تونس”.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون أثار جدلا واسعا بعدما أكد أن الجزائر ستتصدى لأي محاولة لجلب الإرهاب إلى تونس، وهو ما اعتبره بعض السياسيين تدخلا في الشؤون الداخلية لتونس.

وعلق المغزاوي على هذا الأمر بالقول: “كنا في حركة الشعب أصدرنا بيانا عندما احتدم الجدال حول تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، وعملت أطراف معلومة لدى الجميع -وفي مقدمتها حركة النهضة- على إخراجها من سياقها”.

وأضاف: “يجب أن لا ننسى أن الجزائر الشقيقة اكتوت بنار الإرهاب ودفعت أثمانا باهظة من دماء جيشها وشعبها، فضلا عن الخسائر الاقتصادية التي لا حصر لها. وأدركت دولة الجزائر -كما ندرك نحن- أن الأمن القومي ليس قضية فردية تخص كل دولة على حدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواجهة الإرهاب العابر للحدود”.

“يجب أن لا ننسى أن الجزائر اكتوت بنار الإرهاب ودفعت أثمانا باهظة من دماء جيشها وشعبها”

وتابع المغزاوي: “فالجماعات التي تشكل خطرا على أمن الجزائر وتونس معا ليست عصابات محلية، بل هي شبكات موزعة على امتداد منطقة الصحراء الكبرى وجنوبها، خاصة في ظل حالة اللا دولة التي تعيشها ليبيا وحالة الهشاشة الأمنية وعدم الاستقرار السياسي التي تعيشها أغلب دول جنوب الصحراء”.

واعتبر أن “الجزائر حريصة على أمن تونس من باب حرصها على أمنها الخاص، ونحن نتقاسم معها هذه القناعة دون تحفظ”.

كشف أكاذيب الاحتلال

على صعيد آخر، اعتبر المغزاوي أن “ما حدث خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة -عندما قاطعت أغلب الوفود كلمة المجرم المُدان دوليا، بنيامين نتنياهو، وتركوه يلقي خطابه بعنجهيته المعهودة أمام كراسٍ فارغة- يكشف جانبا مهما من الصورة التي أصبح عليها الصراع العربي الصهيوني”.

وأكد أن “إحدى أهم المكاسب التي حققها طوفان الأقصى أنه كشف الأكاذيب التي كان يروجها الكيان المجرم ليظهر على حقيقته العارية التي صدمت الرأي العام العالمي بفضل بشاعة الجرائم والمجازر التي ارتكبها في حق أهلنا في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، ضاربا عرض الحائط بكل المواثيق الدولية والقيم الكونية”.

واعتبر المغزاوي أن “صورة الكيان الصهيوني المدعوم أمريكيا اهتزت وتدهورت بشكل لا يمكن رأبه، وانكشف عجز الكيان عن ضمان أمنه أمام ضربات المقاومة دون غطاء ودعم أمريكيين، رغم كل ما يقال عن ضخامة ترسانته العسكرية وقوته الاستخبارية. وهذا العجز والتبعية الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية أصبحا أكثر وضوحا عندما تحولت المواجهة من جبهة غزة وجنوب لبنان إلى الجبهة الإيرانية”.

وأكد أن “الضربات الموجعة التي تلقاها الكيان المجرم بفعل الصواريخ والمسيرات الإيرانية، كشفت أننا نقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخ هذا الصراع، مرحلة شهدت -ولا تزال- تغيرات جوهرية في موازين القوى وقواعد الاشتباك”.

كما اعتبر المغزاوي أن “إمعان الكيان المجرم حاليا بجرائمه في غزة والضفة ولبنان واعتداءاته المتواصلة على سوريا، وإصرار بعض مكونات النظام الرسمي العربي على المضي في طريق التطبيع، لن يغير المعطيات الاستراتيجية التي فرضها طوفان الأقصى وكرستها الحرب الصهيوأمريكية على إيران”.

وأضاف: “المهم اليوم أننا ربحنا ورقة الرأي العام العالمي الذي ظل لعقود أسير الدعاية الصهيونية المغرضة، وعلينا حسن استثمار هذا المكسب”.

وتابع بقوله: “رغم ضخامة الضريبة التي تُدفع من دم الأبرياء وحياتهم وأمنهم في الأراضي العربية المحتلة، يجب أن لا نفقد الأمل والإيمان بأن مؤشر بقاء الكيان الصهيوني اتخذ مسار الانحناء، وبدأت ملامح الزوال تتضح، رغم كل مظاهر العنجهية والغطرسة التي ازدادت حدة في غمار الحملات الانتخابية التي تتنافس في استهداف الدم الفلسطيني والعربي عموما”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *