بغداد ـ “القدس العربي”: أبدت الفصائل المسلحة المنضوية في ائتلاف “المقاومة الإسلامية” مرونة في موقفها إزاء ملف حصر سلاحها ورهنه بيد المؤسسات الحكومية العراقية، مؤكدة أن الشروع بعملية “تنظيم” هذا السلاح مرهون بانسحاب جميع القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، وأن هدفها هو “حماية العراق وسيادته”، في وقتٍ يخوض فيه رئيس الحكومة، علي الزيدي، مفاوضات مع الإدارة الأمريكية في واشنطن، لإقناعهم بخطة حكومته في “نزع سلاح الفصائل” على عدّة مراحل.
لا مطالب شخصية
ويؤكد أبو آلاء الولائي، الأمين العام لكتائب “سيد الشهداء”، إحدى فصائل “المقاومة”، أن قوى المقاومة لم تطرح أي مطالب شخصية أو سياسية خلال مباحثات تنظيم السلاح وترسيخ السيادة الوطنية.
وأوضح في بيان صحافي أن “من حق شهداء المقاومة ومجاهديها وجماهيرها أن يفخروا، فالمواقف تُختبر عند المفترقات الكبرى”، مشيراً إلى أنه “في مباحثات تنظيم السلاح وترسيخ السيادة الوطنية لم تطرح قوى المقاومة أي مطلب شخصي أو سياسي، ولم تقدّم أيَّ مصلحةٍ على مصلحة العراق”.
وأضاف أن “هاجسها (الفصائل) الأساس هو سيادة العراق وقراره الوطني واستقلاله، ورفض الوصاية والتدخل الخارجي، وهي مبادئ تستحق التضحيات وتتقدم على كل الاعتبارات”، مختتماً بالقول: “حقًا هي مقاومة. حتى يكون العراق سيد نفسه”.
أعلن فصيل “أصحاب الكهف” أن تنظيم السلاح مشروط بانسحاب جميع القوات الأجنبية من العراق
في موازاة ذلك، أعلن فصيل “أصحاب الكهف”، المنضوي أيضاً في ائتلاف “المقاومة الإسلامية في العراق”، موقفه من تسليم سلاح الفصائل، مؤكداً أن تنظيم السلاح مشروط بانسحاب جميع القوات الأجنبية من العراق.
وذكر، في بيان، أن “مسألة تنظيم السلاح مشروع وطني فيه كل الخير للعراق، ولكنها تأتي بعد انسحاب كل قوة أجنبية من أرض العراق، مما تسمى قوات التحالف الدولي إلى قوات الاحتلالين الأمريكي والتركي، وإنهاء كافة أنواع الاحتلال”، على حد قوله.
واعتبر أن “الغاية الأسمى لسلاح المقاومة هي حماية العراق وسيادته”، مشيراً إلى أن “الطريق لبداية الحديث عنه وعن تنظيمه تمر من خلال إنهاء تواجد القوات الأجنبية”.
وأكد الفصيل، حسب البيان، “الالتزام التام والثقة المطلقة بقيادة أمين عام حركة النجباء أكرم الكعبي”.
وختم بيانه بالتأكيد على موقفه الرافض لـ”أي نقاش بشأن تنظيم السلاح قبل إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في العراق”.
في نيويورك الأمريكية، أطلق الزيدي تعهدات بنزع سلاح الفصائل المسلحة في العراق بحلول حزيران/يونيو 2027، مؤكداً أن الفصائل لديها 90 يوماً وبعدها ستصبح خارج القانون.
وقال الزيدي، الذي يزور الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، إن “خطة نزع السلاح ستُنفذ على مراحل”، مبيناً أن “هذه الخطوة ستكون محوراً أساسياً في إدارة العراق لعلاقاته مع حليفتيه الرئيسيتين، الولايات المتحدة وإيران، في ظل الحرب الدائرة بينهما.
أطلق الزيدي تعهدات بنزع سلاح الفصائل المسلحة في العراق بحلول حزيران/يونيو 2027، مؤكداً أن الفصائل لديها 90 يوماً وبعدها ستصبح خارج القانون
وأضاف أن “خطة نزع السلاح ليست أمراً اختيارياً، بل ضرورة”.
وتابع الزيدي، قائلاً: “آخرون تحدثوا عن هذا الأمر ثم تراجعوا، لقد خضعوا للضغوط أو لمخاوف أخرى، أما بالنسبة لي، فإن هذه القضية، إلى جانب قضية الفساد، هي مسألة شرف”.
وحسب الزيدي، “ستكون هناك أولاً فترة مدتها 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن شن أي هجمات، مع ضمان عدم تعرضها لهجمات من القوات الأمريكية، وبعد ذلك، ستبدأ الفصائل بتسليم أسلحتها، على أن تنتهي عملية نزع السلاح بحلول 30 يونيو/حزيران 2027”.
وأكد أيضاً أن هدفه هو أن “تتوقف هذه الفصائل عن الوجود ككيانات مستقلة”، مستدركاً: “ستنضم إلى قوات الحشد الشعبي بصفتها أفراداً وتندمج فيها”، فيما أفاد بأنه “بعد انتهاء المهلة، فإن أي جماعات تنشط تحت أسماء الفصائل المسلحة سيتم اعتبارها خارجة عن القانون”.
في الأثناء، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الزيدي ووزير الخارجية ماركو روبيو اتفقا، خلال لقائهما في نيويورك، على أهمية “تفكيك الميليشيات الإرهابية”، ومنع شن هجمات انطلاقاً من الأراضي العراقية، وممارسة العراق سيادته بصورة كاملة.
وقالت الخارجية، في بيان، إن “روبيو التقى الزيدي لبحث مستقبل الشراكة بين الولايات المتحدة والعراق”، مبينة أن “الجانبين اتفقا على أهمية تفكيك العراق للميليشيات الإرهابية، ومنع الهجمات من الأراضي العراقية، وممارسة سيادته بالكامل”.
في حين، أفاد بيان لمكتب الزيدي بأن الأخير أكد خلال لقائه المسؤول الأمريكي أن حكومته تعمل على “ترسيخ العلاقات العراقية الأمريكية والارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ضمن تعاون اقتصادي بنّاء يوسع مجالات العمل المشترك ويعزز المصالح المتبادلة”.
وجدد رئيس الوزراء عزم حكومته على “استكمال الاستحقاقات السيادية، والمضي في إجراءات حصر السلاح بيد الدولة، وفقاً للثوابت الدستورية والقانونية”.
وأعرب روبيو، وفق البيان العراقي، عن “دعم بلاده للعراق، حكومة وشعباً، في تكريس الاستقرار الداخلي واستدامته، وتنمية اقتصاده وتعزيز انفتاحه على العالم، إلى جانب مساندة خطوات الحكومة وقراراتها الرامية إلى استكمال مقومات الدولة وتوطيد دعائم الاستقرار والتنمية الاقتصادية”.
أعرب روبيو، عن دعم بلاده للعراق، حكومة وشعباً، في تكريس الاستقرار الداخلي واستدامته، وتنمية اقتصاده وتعزيز انفتاحه على العالم
في الأثناء، يؤكد المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، أن روبيو أبلغ الزيدي عزم واشنطن استدامة العلاقة مع بغداد والارتقاء بها إلى مستوى استراتيجي مميز.
وأفاد في تصريحات للوكالة الحكومية، أمس، بأن وفد العراق برئاسة الزيدي وصل إلى نيويورك، واستهل أعمال زيارته استعداداً للمشاركة في افتتاح وأعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأضاف أن “الوفد استهل أعماله بلقاء وزير الخارجية الأمريكي، حيث بحث الجانبان مستوى التعاون المشترك بين البلدين وسبل تطوير الشراكة”، مبيناً أن “وزير الخارجية الأمريكي أكد حرص واشنطن على استدامة العلاقة مع بغداد والارتقاء بها إلى مستوى استراتيجي مميز”.
وأشار إلى أن “رئيس مجلس الوزراء أكد أهمية جسر هذه العلاقة عبر شراكات اقتصادية واستثمارية، واستقطاب الشركات الأمريكية لتطوير الصناعة النفطية، إلى جانب تنفيذ عدد من المشاريع المهمة”.
ولفت العبودي إلى أن “المباحثات تناولت أيضاً تطورات المنطقة وتداعياتها وانعكاس الأحداث على اقتصاداتها”، مؤكداً أن “العراق حريص على إيجاد حلول دبلوماسية مستدامة تسهم في تأمين إمدادات الطاقة وسلاسل توريد النفط الخام إلى الأسواق العالمية”.
وأوضح أن “العراق يعد واحداً من أهم الدول المغذية للسوق العالمية بالنفط الخام، وأن الحكومة تطمح، وفق رؤيتها وبرنامجها، إلى رفع إنتاج العراق اليومي من النفط الخام إلى 10 ملايين برميل بحلول عام 2030”.
ووفق المتحدث الحكومي، فإن “الوفد العراقي برئاسة رئيس مجلس الوزراء سيتوجه إلى مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة للمشاركة في انطلاق أعمال دورتها الحادية والثمانين، فضلاً عن عقد لقاءات مع الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من رؤساء الحكومات وقادة الدول والمسؤولين الدوليين”.
وأكد أن “العراق سيشارك في أعمال الجمعية العامة برؤيته ورسالته إلى العالم، ولا سيما ما يتعلق بتطورات المنطقة وأوضاعها الأمنية والاقتصادية”.
وذكر العبودي أيضاً أن “الزيارة تأتي أيضاً في إطار استكمال ما تحقق خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء إلى واشنطن في منتصف تموز/ يوليو الماضي، والتي شهدت تأسيساً لهوية جديدة للعلاقة بين البلدين، ولا سيما مع اقتراب العراق من موعد 30 أيلول/سبتمبر، المحدد لانتهاء وجود قوات التحالف الدولي”، مبيناً أن “العراق يتجه إلى الانتقال بالعلاقة مع الولايات المتحدة من الجانب الأمني إلى علاقات اقتصادية مستدامة”.
وعلى هامش الزيارة، استقبل الزيدي، في مقرّ إقامته في نيويورك، رئيس مجلس الوزراء اللبناني، نواف سلام، حسب بيان عراقي، أشار إلى بحث الجانبين “العلاقات الثنائية بين العراق ولبنان، وسبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات، ولا سيما في الجوانب الاقتصادية والتجارية”.
وأكد رئيس مجلس الوزراء، حسب البيان، “عمق العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع البلدين والشعبين الشقيقين، وحرص العراق على مواصلة دعم لبنان وتعزيز التعاون المشترك بما يخدم مصالح البلدين”.
ووفق البيان، فإن الجانبين بحثا “التطورات والظروف التي تشهدها المنطقة، وأكدا أهمية تنسيق المواقف والجهود والعمل المشترك، من أجل الوصول إلى حلول تحفظ أمن دول المنطقة واستقرارها، وتدعم مسارات التهدئة ووقف الصراعات”.
كذلك، استقبل الزيدي في نيويورك أيضاً، الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي.
الزيدي: العراق يلتزم بسياساته ومواقفه المبدئية إزاء القضايا العربية الأساسية، ودعوته لتغليب لغة الحوار
وشهد اللقاء “استعراض الأوضاع الراهنة في المنطقة العربية، والأزمات والتحديات التي تمر بالشرق الأوسط، فضلاً عن البحث في واقع العمل العربي المشترك، ومسارات تفعيله لمصلحة التنمية الوطنية المستدامة لكل الدول العربية”.
وأكد رئيس الحكومة العراقية، حسب بيان منفصل، أن “العراق يلتزم بسياساته ومواقفه المبدئية إزاء القضايا العربية الأساسية، ودعوته لتغليب لغة الحوار”، مشيراً إلى “انفتاح الحكومة على كل مبادرات الشراكة والاستثمار الاقتصادي البناء، الداعمة للتكامل العربي في مختلف المجالات، ولما فيه مصلحة الشعب العراقي والشعوب العربية الشقيقة”.
تحقيق تنمية عربية
وبيّن أن “العراق يدعم المهام والأدوار التي تضطلع بها جامعة الدول العربية، ويسعى إلى تفعيل المزيد من البرامج معها، وصولاً إلى تحقيق تنمية عربية مستدامة، تعالج أبرز المشاكل والتحديات التي تواجهها الدول والمجتمعات العربية”.
فيما أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية عن “دعمه لجهود العراق وسياساته، على المستويين الداخلي والخارجي”، مشيداً بـ”الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز سلطة القانون، ومكافحة الفساد، فضلاً عن الدور الذي يضطلع به العراق في دعم القضايا العربية، وجهوده في تهدئة الأوضاع في المنطقة، والإسهام في معالجة الأزمات الراهنة بما يعزز الأمن والاستقرار”.