طرابلس ـ «القدس العربي»: دخل اتفاق لجنة الحوار المصغر «4+4» في ليبيا مرحلة جديدة من اختبار قدرته على التحول من تفاهم سياسي مكتوب إلى خطوات قابلة للتنفيذ، بعدما جدد أعضاء اللجنة التزامهم بالمضي في تطبيق بنوده والوصول إلى انتخابات وطنية، بالتزامن مع تحركات تقودها بعثة الأمم المتحدة لتوسيع قاعدة التأييد للاتفاق، في ظل استمرار الخلاف بشأنه داخل عدد من المؤسسات السياسية الليبية.
وعقد أعضاء لجنة «4+4»، الأحد، اجتماعا في العاصمة التونسية برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه، وبمشاركة نائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري، لمتابعة تنفيذ الاتفاق الذي وقعته الأطراف في طرابلس في 30 آب/أغسطس الماضي. وجدد أعضاء اللجنة التزامهم بتنفيذ مقتضياته وصولا إلى تنظيم انتخابات وطنية في ظل مؤسسات موحدة وشرعية.
ويعد الاجتماع التاسع ضمن سلسلة اجتماعات الحوار المصغر، لكنه الأول منذ توقيع الاتفاق النهائي، ما يمنحه أهمية خاصة باعتباره بداية مرحلة متابعة التنفيذ بعد شهور من المفاوضات التي تنقلت بين عدة عواصم وانتهت بالتوقيع الرسمي في طرابلس.
وخلال الاجتماع، استعرض أعضاء اللجنة المواقف التي صدرت بشأن الاتفاق منذ توقيعه، وخصوصا الدعم الذي تلقاه من مجلس النواب، إلى جانب الموقف الدولي الداعم للمسار. واتفق المشاركون على مواصلة التواصل مع بقية الأطراف المحلية بهدف حشد أكبر قدر ممكن من الدعم، فيما أعلنت البعثة الأممية أن اجتماعا جديدا للمتابعة سيعقد خلال الأسبوع الأول من تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
ويأتي الاجتماع بعد نحو ثلاثة أسابيع من توقيع الاتفاق في مقر بعثة الأمم المتحدة بالعاصمة طرابلس في 30 آب/أغسطس، بحضور ممثلين عن أطراف ليبية وسفراء وأعضاء من مجلسي النواب والدولة. وينص الاتفاق على مسار لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرا، إلى جانب إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة عدد من نقاط الخلاف في القوانين الانتخابية.
ويمثل الاتفاق محاولة لمعالجة أولى القضايا التي وضعتها خريطة الطريق الأممية أمام الأطراف الليبية، بعد تعثر مجلسي النواب والدولة في الوصول إلى تفاهم بشأنها. وقالت تيتيه خلال مراسم التوقيع، إن عمل المجموعة المصغرة جاء بعد ثمانية أشهر لم يحقق خلالها المجلسان تقدما يذكر بشأن الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق.
ومن بين أبرز التعديلات التي تضمنها الاتفاق معالجة شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، إلى جانب الفصل بين نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية. كما نص على أن يتولى البرلمان المنتخب مستقبلا معالجة ملف الدستور الدائم، بما في ذلك مسألة اعتماده، ووضع ترتيبات تتعلق بعمل المؤسسات المنتخبة والسلطة التنفيذية. لكن الاتفاق، رغم التوقيع عليه، لم ينه الخلاف السياسي بشأن الطريق إلى الانتخابات، بل فتح جولة جديدة من الجدل حول شرعية آلية اعتماده ومدى تمثيل المشاركين فيه للمؤسسات السياسية الرئيسية. وفي 14 أيلول/سبتمبر، وافق مجلس النواب على الاتفاق، وأبلغ رئيس المجلس عقيلة صالح المبعوثة الأممية هانا تيتيه رسميا بأن المجلس اطلع على الوثيقة المحالة إليه من البعثة وقرر الموافقة عليها.
في المقابل، برزت اعتراضات داخل المجلس الأعلى للدولة على الاتفاق وطريقة التوصل إليه. وكانت اللجنة السياسية بالمجلس قد ناقشت عقب توقيعه أبعاده القانونية والمؤسسية ومدى اتساقه مع المرجعيات والتوافقات الليبية، قبل أن يواصل المجلس مناقشة موقفه من المخرجات. وتصاعد الخلاف لاحقا مع اعتراض رئيس المجلس محمد تكالة على الاتفاق. وأمام هذا الانقسام، كثفت تيتيه خلال الأيام الأخيرة اتصالاتها مع الأطراف الليبية، والتقت أعضاء في المجلس الأعلى للدولة لمناقشة الاتفاق والمواقف المختلفة داخله، إلى جانب التقدم في خريطة الطريق الأممية. وشدد اللقاء على ضرورة بناء توافق بشأن القضايا السياسية وسبل المضي قدما، في مؤشر على محاولة البعثة احتواء الاعتراضات قبل انتهاء المهلة المخصصة للمؤسسات المعنية.
وكانت البعثة الأممية قد أحالت الاتفاق إلى رئاستي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ومنحتهما شهرا من تاريخ توقيعه للموافقة عليه. وفي حال تعذر ذلك، يتضمن الاتفاق مسارا بديلا يقوم على السعي إلى اعتماده وطنيا من خلال آليات تمثيلية واسعة، مع تأمين دعم دولي له عبر مجلس الأمن.
ولا يقتصر التحدي على الحصول على موافقة المؤسسات السياسية، إذ يربط الاتفاق إجراء الانتخابات بوجود سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، ما يعيد إلى الواجهة واحدة من أعقد قضايا الأزمة الليبية، وهي كيفية تجاوز الانقسام التنفيذي القائم وتهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بإجراء الانتخابات في مختلف أنحاء البلاد.
وبذلك ينتقل اتفاق «4+4» من مرحلة التفاوض والتوقيع إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتعلق بمدى قبول الأطراف المختلفة به وقدرتها على تنفيذ التزاماتها. وبين موافقة مجلس النواب، والاعتراضات القائمة داخل مجلس الدولة، ومساعي البعثة الأممية لتوسيع دائرة التوافق، ستكون الفترة حتى اجتماع المتابعة المقرر مطلع تشرين الأول/أكتوبر مؤشرا مهما على اتجاه المسار، وما إذا كان الاتفاق سيتمكن من فتح طريق جديد نحو الانتخابات أم سيواجه العقبات السياسية نفسها التي عطلت الاستحقاق الليبي خلال السنوات الماضية.