باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة أدت إلى تغيير بنية الأسر في القطاع، إذ أصبحت نحو أسرة واحدة من كل أربع أسر تدار الآن من قبل امرأة.
وتجد عشرات الآلاف من الفلسطينيات أنفسهن وحيدات في إطعام أطفالهن، والبحث عن المساعدة والمأوى في بيئة خطرة.
“أنا أبقى على قيد الحياة من أجل أطفالي، لكن حياتي أنا انتهت”.. هكذا تصف حنان عبد العال حياتها منذ مقتل زوجها أشرف. هذه الأم لأربعة أطفال، المنحدرة من رفح، المدينة الواقعة جنوب قطاع غزة والتي تحولت إلى أنقاض بفعل الجيش الإسرائيلي، وجدت ملاذاً في مخيم يستقبل الأرامل وأطفالهن.
تبلغ هذه الأم من العمر 35 عاماً. ومن خلال صوتها عبر الهاتف – وهو الوسيلة الوحيدة للحصول على شهادات من غزة، حيث تمنع إسرائيل الصحافة الأجنبية من الدخول منذ ما يقرب من ثلاث سنوات – يمكن للمرء أن يظن أنها أكبر سناً. فصوتها أجش، ويكشف عن مدى الإنهاك الذي تعانيه.
وأضافت الصحيفة الفرنسية موضحة أن حنان واحدة من عشرات الآلاف من الفلسطينيات اللواتي أصبحن المسؤولات الوحيدات عن أسرهن منذ مقتل أزواجهن خلال الحرب التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة.
بحسب دراسة للأمم المتحدة نُشرت في سبتمبر/أيلول 2026، يبلغ عدد النساء الأرامل 86,290 امرأة، ويمثلن 23% من إجمالي الأسر، أي ما يقرب من ضعف العدد الذي كان قائماً قبل أكتوبر/تشرين الأول عام 2023
بحسب دراسة للأمم المتحدة نُشرت في سبتمبر/أيلول 2026، يبلغ عدد النساء في هذه الوضعية 86,290 امرأة، ويمثلن 23% من إجمالي الأسر، أي ما يقرب من ضعف العدد الذي كان قائماً قبل أكتوبر/تشرين الأول عام 2023. وقد يكون العدد الحقيقي أكبر من ذلك.
فالدراسة تحصي الأسر التي تتولى النساء رسمياً إدارتها، وليس تلك التي تدار فعلياً من قبلهن: فعندما يختفي الزوج – وما تزال آلاف العائلات في غزة تجهل مصير أحد أفرادها، وفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر – أو يكون محتجزاً أو مصاباً أو غير قادر على أداء دوره السابق، تصبح المرأة غالباً المسؤولة الرئيسية عن الأطفال والمال والطعام والحصول على المساعدات، مع بقائها غير مرئية في الإحصاءات.
“في غزة.. نحن جميعاً أيتام”
قبل الحرب، لم تكن حنان تعمل، كان زوجها، الموظف في السلطة الفلسطينية، يؤمّن الجزء الأكبر من دخل الأسرة، بينما كانت هي تهتم بالمنزل والأطفال. وتقول: “كانت حياتنا متواضعة جداً، لكن على الأقل كان بإمكاننا أن يساعد بعضنا بعضاً مع عائلة زوجي. أما الآن، فلم يعد أحد قادراً على الاهتمام بالآخر. عندما أطلب المساعدة وأقول إنني أرملة ولدي أطفال أيتام، يجيبونني: “في غزة، نحن جميعاً أيتام”، ثم تنفجر بالبكاء.
وتابعت صحيفة لوموند الفرنسية موضحة أن حنان وزوجها أشرف وأطفالهما الأربعة، حنين ومحمد وجنى وشريف، عاشوا معاً أهوال الحرب: تدمير منزل الأسرة في رفح وسبع عمليات نزوح. لكن بالنسبة إلى حنان عبد العال، بدت الحياة ما تزال قابلة للتحمل ما دام “هما اثنان”.
في يوم 4 ديسمبر/كانون الأول 2024، وبينما كانت الأسرة تعيش في مأوى مؤقت مصنوع من البطانيات في المواصي، على شاطئ البحر، قرر أشرف، البالغ من العمر 38 عاماً، الذهاب لاستعادة الدقيق من بقايا منزلهم في رفح.
تقول: “كنا نمر بفترة مجاعة، ولم يكن لدينا شيء. كان يصر على الذهاب رغم أن المنطقة كانت تحت الاحتلال وتحت نيران القصف. قلت له: “لا تذهب، الأمر خطير جداً”. فأجابني: “أريد أن يأكل أطفالي”. وفي النهاية أعادوا إليّ جثته مقطعة إلى أشلاء. عُثر عليه ميتاً، وكيس الدقيق إلى جانبه. لقد قتله صاروخ”.
صوت حنان عبد العال بالكاد يُسمع، إذ يغطي عليه ضجيج الخيام المحيطة. وفي هذا الاكتظاظ، أصبحت الخصوصية مفهوماً بعيد المنال. الطبخ والأكل والاستحمام والنوم: كل ذلك يتم داخل الخيمة نفسها. ومع ذلك، وجدت قدراً من الأمان في مخيم البركة، حيث تعيش 166 أسرة: أرامل مع أطفالهن، إضافة إلى أيتام قُتل والداهم. وبالمجموع، أُقيمت أربعة مخيمات تضم 800 أسرة في المواصي، بمبادرة من مواطنين أرادوا توفير مكان آمن لهذه الفئات الضعيفة.
وتواصل الصحيفة الفرنسية وصف الوضع، وتنقل عن محمود، البالغ من العمر 46 عاماً، قوله: “وجدت كل هؤلاء النساء أنفسهن مضطرات إلى النزوح بمفردهن مع أطفالهن. كنّ يجدن أنفسهن على الطرقات، تائهات تماماً، ولا يعرفن إلى أين يذهبن. طموحنا هو أنه في يوم من الأيام، وبعد إعادة الإعمار، تصبح هذه المدينة مدينة حقيقية مبنية من مواد صلبة”.
على الرغم من أن أزمة السكن تطال الغالبية العظمى من سكان غزة، الذين دُمرت منازلهم بشكل منهجي على يد الجيش الإسرائيلي، تُظهر بيانات الأمم المتحدة أن 68% من الأسر التي تديرها نساء تفيد بوجود احتياجات غير ملباة في مجال السكن، مقابل 55% من الأسر التي يديرها رجال
وعلى الرغم من أن أزمة السكن تطال الغالبية العظمى من سكان غزة، الذين دُمرت منازلهم بشكل منهجي على يد الجيش الإسرائيلي، تُظهر بيانات الأمم المتحدة أن 68% من الأسر التي تديرها نساء تفيد بوجود احتياجات غير ملباة في مجال السكن، مقابل 55% من الأسر التي يديرها رجال. كما أفادت 67% منها بوجود احتياجات مالية غير ملباة. وهي أيضاً أكثر عرضة بمرتين للإبلاغ عن عدم تلقي أي مساعدة: 18.3% مقابل 8.7% من الأسر التي يديرها رجال.
يضاف إلى ذلك خطر التحرش، في ظل الانهيار العام للبيئة الأمنية. وقد اختبرت حنان عبد العال ذلك بنفسها. وخلال الأشهر الثلاثة التي أعقبت وفاة زوجها، تقول إنها لم تغلق عينيها في خيمتها الممزقة: “أصوات القنابل، والخوف من الاقتحامات، والحيوانات، وكل الأفكار التي كانت تملأ رأسي”. وهي في حالة من الضعف النفسي، لجأت إلى طلب المساعدة من كل من يمكن أن يمد لها يد العون، لكنها وجدت نفسها في مواجهة عروض ومضايقات مخزية.
تقول: “وعدني رجال بمساعدتي في تأمين احتياجات أطفالي، ثم كانوا ينتهون إلى إرسال صور فاضحة إليّ أو دعوتي إلى مواعيد في أماكن خاصة. لم أخضع لذلك قط، فهذا عار. إضافة إلى الفقر، يجب أن نواجه أيضاً أولئك الذين يستغلونك”.
وهي تؤمّن اليوم الاحتياجات الأساسية لأطفالها بفضل كشك صغير تبيع فيه رقائق البطاطس والبسكويت والشوكولاتة.
“أنا الرجل والمرأة وأفعل كل شيء”
قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت نجوى، البالغة من العمر 44 عاماً، تدير صالوناً لتصفيف الشعر والتجميل في رفح، حيث كانت تعيش مع زوجها رجا، العامل في مجال البناء، وأطفالهما الخمسة، “في شقة مساحتها 220 متراً مربعاً”. وتقول: “كانت لدينا حياة أسرية جميلة، حياة هادئة”.
لكن الهجوم الإسرائيلي على المدينة الجنوبية أجبرهم على مغادرة منزلهم في مايو/أيار 2024، فدمر في البداية مشروعها الصغير، ثم، بعد يومين من مغادرتهم، منزلهم.
وبينما كانوا نازحين في خيمة في المواصي، كان رجا الشمالي، مثل العديد من سكان رفح، يعود بانتظام إلى المنطقة لاستعادة بعض الأغراض العائلية. وفي 12 يونيو/حزيران 2024، غادر في نحو الساعة التاسعة صباحاً برفقة أفراد من عائلته، ولم يعد أبداً. ولعدة أيام، لم تكن نجوى تعرف ما حدث لزوجها، إلى أن أُبلغت بأن جثته وجثث أقاربه موجودة بالقرب من المنزل، في منطقة كان من الخطر الشديد الوصول إليها. ولم تُستخرج جثة رجا إلا في 3 يوليو/تموز. كان يبلغ من العمر 39 عاماً.
ووجدت الأم نفسها وحيدة مع مؤمن وإبراهيم ونهاد وسماح وسامي، الذين تتراوح أعمارهم اليوم بين 7 و15 عاماً. تقول: “كان ذلك أكبر صدمة في حياتي. لكن كان عليّ أن أعمل على نفسي حتى لا أنهار. كان عليّ أن أربي أطفالي الخمسة. وكان يجب فوراً أن أجد ما نعيش منه”.
اضطرت إلى التخلي عن العودة إلى مهنتها في تصفيف الشعر: فمن دون كهرباء، ومع تحول المعدات إلى شيء باهظ الثمن، أصبح الأمر مستحيلاً. وساعدتها إحدى الجمعيات على تعلم الحياكة.
أدى الانفجار في عدد الأسر التي تديرها نساء إلى تغيير عميق في توزيع المسؤوليات المرتبطة بالبقاء على قيد الحياة في غزة
وهي تصنع الآن القبعات والأوشحة والوسائد والملابس للأطفال، وتبيعها في أحد مخيمات البركة، حيث وجدت هي أيضاً ملاذاً. لكن النشاط موسمي. وفي الصيف، تكمل دخلها من خلال التنقل إلى منازل النساء لتصفيف شعرهن.
وأدى الانفجار في عدد الأسر التي تديرها نساء إلى تغيير عميق في توزيع المسؤوليات المرتبطة بالبقاء على قيد الحياة في غزة. وتصف نجوى ذلك قائلة: “أصبحت الآن الرجل والمرأة، وأنا أفعل كل شيء بيدي”.
وفي ذروة المجاعة، خلال صيف عام 2025، قطعت مسافات طويلة حتى أقصى جنوب القطاع للحصول على طرود غذائية كانت توزعها مؤسسة غزة الإنسانية، وهي منظمة مثيرة للجدل لتوزيع المساعدات أُنشئت في مايو/أيار 2025 من قبل إسرائيل، وشهدت عملياتها مقتل أكثر من ألف شخص بالقرب من مواقعها.
تقول: “كنت أمشي لساعات تحت الشمس. كان الناس يُقتلون ويسقطون أمام عيني في الطريق. لكن كان عليّ أن أواصل السير بحثاً عن الطعام للأطفال. لا يمكن لأحد أن يتخيل ما عشناه وما نعيشه هنا في غزة”.
بدأ مؤمن، ابنها الأكبر البالغ من العمر 15 عاماً، العمل. فهو يعيد بيع الملابس ويكسب بالكاد 15 شيكلاً، أي 4.30 يورو، في اليوم. ولم يعد يريد العودة إلى المدرسة.
تقول والدته: “أريده أن يذهب إليها، لكنه يرفض. يريد أن يكون سنداً لي ولإخوته وأخواته”. أما الآخرون فيواصلون تعليمهم بفضل الدروس التي تُقدّم داخل المخيم، ولا سيما على أيدي أرامل كنّ يعملن مدرسات.
وتعرضت حنان هي الأخرى لهذا الانتقال في المسؤوليات. وتقول: “منذ 4 ديسمبر/كانون الأول 2024، تغيرت حياتي بنسبة 100%. الآن أشعر بكل الثقل الذي كان زوجي أشرف يحمله على كتفيه. لقد بدأ العام الدراسي في غزة، وأطفالي يطلبون مني مستلزمات مدرسية. أطلب منهم الانتظار، على أمل أن يتكفل بهم أحد يوماً ما”.