يصادف هذا العام الذكرى 250 لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، شن رؤساؤها المتعاقبون خلالها 500 حرب (أي حوالي حربين كل عام)، ومرور ربع قرن على واقعة 11 سبتمبر. واندلاع الحرب الامريكوـ إسرائيلية على إيران، باتفاق سري بين مجرم الحرب والإبادة الجماعية رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
هذه الحرب التي كانت تهدف إلى إسقاط نظام الملالي، خلال أول يومين من الضربات، حسب المخططات السرية للشريكين بعد اغتيالات الزعامات السياسية، وضرب المفاعلات النووية. لكن النظام لم يسقط، بل لا يزال صامدا منذ حوالي عام، ونجح في إغلاق مضيق هرمز وتمكين أنصار الله في اليمن من السيطرة على باب المندب، وخلق أزمة طاقة عالمية، وهكذا وجد ترامب نفسه في ورطة لم تكن في الحسبان، بعد أن سمع وسوسات نتنياهو، ما جعل شعبيته تنخفض إلى أدنى مستوى، وينتظر أن يخسر الانتخابات النصفية قريبا.
قصة دون كيشوت دو لا مانشا تتكرر اليوم على مستوى دولي، فهناك من يرى في كل دولة لا تخضع له عدوا، فيعلن عليها الحرب لفظا أو فعلا.. والاسم الجديد: «دون دونالد ترامب دو لا ماغا»
في الولايات المتحدة ومنذ نشأتها، هناك هواية تغوي رؤساءها، وقل من لم ولا يمارسها: هواية شن الحروب الخاسرة، (وأورد بعض مغامرات رؤساء أغوتهم الحروب في بحث عن الأمجاد، على سبيل المثال لا الحصر، يمكن أن تعمم على الكثير من الحالات)، إذ لم ينته الرئيس هاري ترومان من حربه في اليابان وتدمير مدينتي هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين نوويتين، أودتا بحياة مئات الآلاف من المدنيين في نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى توجه في عام 1950 إلى شبه الجزيرة الكورية، حيث زج في كوريا الجنوبية قوات أمريكية لصد الجيش الكوري الشمالي (الشيوعي المدعوم من الاتحاد السوفييتي) من احتلال كوريا الجنوبية، وبعد حرب دامت ثلاث سنوات، راح ضحيتها 5 ملايين كوري، وخسرت أمريكا 50 ألف جندي و120 ألف مصاب، توقفت الحرب بتوقيع هدنة من دون معاهدة سلام، إذ لا تزال كوريا الشمالية في حالة حرب مع كوريا الجنوبية إلى اليوم، بل أصبحت قوة نووية تعادي واشنطن وتهددها، وليس مستبعدا أن تندلع الحرب مرة أخرى بين الكوريتين، بعد قرار سيوول العمل على امتلاك أسلحة نووية. بعد حرب كوريا الفاشلة لم تنته معارك ترومان في شرق آسيا فبعد دعمه لفرنسا في حربها في فيتنام جاءت معركة «دين بين فو» لتقصم ظهر البعير وتخسر فرنسا الحرب بعد مقتل أكثر من 10 آلاف جندي فرنسي في هذه المعركة، رغم الدعم الأمريكي المستمر، حلت إدارة آيزنهاور محل فرنسا بعد انسحاب قواتها منها في المستنقع الفيتنامي، لتنزلق أمريكا شيئا فشيئا فيه عبر إدارة جون كنيدي قبل اغتياله عام 1963 الذي اتبع النهج نفسه، الذي بدأ بمساعدات كبيرة لفيتنام الجنوبية لمواجهة فيتنام الشمالية (الشيوعية)، (كما حصل في كوريا تماما). صعّد بعده ليندن جونسون من انخراط الجيش الأمريكي في الحرب الفيتنامية بإرسال قوات إضافية، وتبعه ريتشارد نيكسون في زج عشرات الألوف من القوات الأمريكية لدعم جيش الفيتكونغ في سايغون ضد قوات الفييت مين في هانوي (فيتنام الشمالية) ولكن دون جدوى، وانتهت الحرب بانتصار الفييت مين ودخول سايغون وانسحاب الجيش الأمريكي منها، وهروب السفير الأمريكي ومساعديه في اللحظة الأخيرة بحوامة رست فوق السفارة بعد أن كلفت هذه الحرب أمريكا حوالي 60 ألف جندي وإصابة عشرات الآلاف ومقتل ما لا يقل عن مليون فيتنامي، وخسارات فادحة في الأموال والعتاد.
في عام 2001 وبعد عملية 11 سبتمبر قرر جورج بوش جونيور شن الحرب على حكم الطالبان «الإرهابي» (كما كان يصفه) في أفغانستان بذريعة ان الطالبان يقدمون الحماية لتنظيم «القاعدة»، الذي ارتكب «العملية الإرهابية» ضد مركز التجارة العالمي (صدر عن العديد من المحللين والخبراء والتسريبات بأن هذه العملية كانت خدعة كبيرة ومدبرة) ورفض الطالبان تسليم أسامة بن لادن زعيم التنظيم. وبدأ الهجوم بمساعدة بريطانيا ثم حلف الناتو، واستمرت الحرب عشرين عاما كانت خلالها الخسائر فادحة، وصلت إلى 3500 جندي أمريكي، وعشرات الآلاف من الأفغان، عدا عن الخسائر المادية والمعدات العسكرية التي تركت على الأرض والانسحاب من أفغانستان على عجل في 14 أغسطس 2020 في مشهد مريع يشبه الانسحاب من فيتنام بعد القرار المفاجئ للرئيس جو بايدن. والأنكى من ذلك أن إدارة بايدن جلست إلى طاولة المفاوضات مع الطالبان التي كانت الإدارات الأمريكية تصفهم «بالإرهابيين».
لم يكن جورج بوش جونيور قد بدأ الحرب على أفغانستان حتى قرر شن حرب ثانية على العراق، وإسقاط نظام صدام حسين بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل (مع أن كل التقارير الدولية أكدت عدم وجودها)، بعد أن شن جورج بوش الأب عاصفة الصحراء لتحرير الكويت من الغزو العراقي، وفرض عقوبات على العراق (كما يحصل اليوم في إيران)، وانتهت هذه الحرب باحتلال بغداد وإعدام صدام حسين، وتقسيم العراق سياسيا ومناطقيا، وفتح الباب عريضا أمام إيران لتهيمن عليه عبر ميليشيات شيعية محلية. اليوم وبعد ربع قرن تقريبا تنسحب أمريكا من العراق بعد مقتل حوالي مليوني عراقي، وأزمات كبيرة تعصف بالعراق سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا.
مع إدارة دونالد ترامب تصاعدت وتيرة الحروب العسكرية منها والاقتصادية، والمنتظرة منها فترامب يرى الأعداء في كل مكان، في فنزويلا للاستيلاء على النفط بحجة تهريب المخدرات، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في ليلة ظلماء. وتدمير إيران بحجة نيتها امتلاك السلاح النووي، ثم يصرح بالاستيلاء على نفطه، وتهديد بقصف عمان لسبب يجهله حتى العمانيون، وتهديد بضم كندا، وتسمية بحيرة أونتاريو بالبحيرة الأمريكية، والتهديد بالاستيلاء على المكسيك. والاستحواذ على غرينلاند بالمال، أو الاحتلال بالقوة، وتهديد بريطانيا بعد فوز حزب العمال بالانتخابات. والسيطرة على قناة بنما، وتحويل غزة إلى ريفييرا الشرق الأوسط، وشن حرب التعريفات الجمركية على العالم أجمع، خاصة على حلفائه الأوروبيين، وكندا وأستراليا. لقد توهم الرجل النبيل دون كيشوت دو لا مانشا بطل رواية ميغيل سيرفانتس المولع بكتب الفروسية ويصدق كل كلمة من هذه الكتب، رغم أحداثها غير الواقعية على الإطلاق.. قصة دون كيشوت دو لا مانشا تتكرر اليوم على مستوى دولي فهناك من يرى في كل دولة لا تخضع له عدوا، فيعلن عليها الحرب لفظا أو فعلا. والاسم الجديد: «دون دونالد ترامب دو لا ماغا».
كاتب سوري