صدر حديثا كتاب «الثورة والخيبة: اليسار الجديد وقيود التحرر» للباحث فادي بردويل، بترجمة حسام عيتاني، متناولا تجربة اليسار اللبناني الجديد منذ ستينيات القرن الماضي، وصعود آماله الثورية ثم انحسارها، من خلال استعادة أرشيفه الفكري والسياسي ومسارات عدد من مثقفيه ومناضليه.
والكتاب ترجمة لعمل بردويل Revolution and Disenchantment: Arab Marxism and the Binds of Emancipation، الصادر بالإنكليزية عن مطبعة جامعة ديوك عام 2020، ويجمع بين التاريخ الفكري والبحث الأنثروبولوجي في إنتاج النظرية الثورية والنقدية وتداولها واستخدامها، مع تركيز خاص على تجربة «لبنان الاشتراكي» وأحد أبرز منظريه وضاح شرارة.
ولا يهدف بردويل إلى استعادة أرشيف لم يحظ بما يكفي من الدراسة فحسب، بل يتخذ من التجربة مدخلا إلى مساءلة العلاقة بين النظرية والممارسة، وكيفية انتقال الأفكار الثورية وإعادة صياغتها في سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة.
ويعود الكتاب إلى جيل من المثقفين والمناضلين الذين واجهوا أسئلة يرى المؤلف أن بعضها استعاد راهنيته في أعقاب الثورات العربية والحركات المناهضة للرأسمالية في العالم. ومن أبرزها سؤال الفاعل الثوري، وأشكال التنظيم السياسي، والعلاقة بين المثقف والجماهير، والحدود التي قد يتحول عندها مشروع التحرر إلى سلطة تقيد مبادرات الناس باسمهم.
كما يناقش الكتاب قدرة الحركات السياسية على التعامل مع الاختلاف، وموقع التضامن الأهلي في المشروع الثوري، وإمكان بناء سياسة طبقية في مجتمعات تتداخل فيها الانقسامات الطائفية والمناطقية والعائلية مع بنية الدولة ومؤسساتها.
ويركز بردويل على ثلاثة محاور رئيسية شغلت أجيالا من الماركسيين: دور المثقفين بوصفهم حاملين للنظرية الثورية، والتنظيم السياسي بوصفه وسيطا بين النظرية والممارسة، ثم أشكال التضامن القومية والأهلية وما إذا كانت تشكل عائقا أمام الممارسة الثورية أو جزءا من شروطها.
ويتتبع الكتاب تشكل التجربة النظرية لـ «لبنان الاشتراكي» خلال الستينيات، ويتوقف عند أثر هزيمة حزيران/يونيو 1967، والنقاشات المرتبطة بالماوية والثورة والتنظيم، ثم التحولات التي صاحبت الحرب الأهلية اللبنانية وما أعقبها من مراجعات وخيبات فكرية وسياسية. كما تمتد فصوله إلى قضايا تتصل بابن خلدون والاستشراق والثورة الإيرانية وانتقال النظرية بين سياقات مختلفة.
ومن خلال هذه المسارات، يقرأ «الثورة والخيبة» الانتقال من زمن الأمل بإمكان التغيير الثوري إلى زمن المراجعة وخيبة الأمل، من دون تقديم تجربة اليسار الجديد بوصفها وصفة جاهزة للحاضر. فاستعادة تلك التجربة تتيح، بحسب أطروحة الكتاب، إعادة طرح أسئلة التحرر والتنظيم والنظرية وعلاقة المثقف بالممارسة السياسية.
وقد حظي الكتاب باهتمام أكاديمي منذ صدور نسخته الإنكليزية، وحصل على تنويه ضمن جائزة نيكي كيدي للكتاب التي تمنحها جمعية دراسات الشرق الأوسط. وفادي بردويل باحث في الأنثروبولوجيا والفكر العربي الحديث وأستاذ مشارك في جامعة ديوك، وتتركز أبحاثه على الفكر النقدي العربي والحركات السياسية والعلاقة بين النظرية والممارسة. أما مترجم الكتاب حسام عيتاني، فهو صحافي وكاتب لبناني، صدرت له مؤلفات وترجمات عدة، من بينها «على قلق»، و«هويات كثيرة وحيرة واحدة»، و«الفتوحات العربية في روايات المغلوبين».