فلسطيني يعيد زرع شجرة زيتون اقتلعتها جرافات الاحتلال في قرية اللبن الشرقية في أبريل الماضي (أ.ف.ب)
رام الله – «القدس العربي»: «الإخوة مزارعو الوجه الغربي المحترمون… تحية وبعد… نظراً لوجود البؤرة الاستيطانية في الوجه الغربي، وما يعانيه المزارعون من صعوبة الوصول إلى أراضيهم، ولقرب موسم الزيتون، تدعو البلدية جميع المزارعين إلى الحضور لمناقشة الاتفاق على الآلية التي سيتم العمل بها من أجل قطف ثمار الزيتون هذا الموسم…».
ما سبق هو جانب من نص إعلان نشرته بلدية بلدة ديرستيا شمال مدينة سلفيت وسط الضفة الغربية من أجل تنسيق تحركات المزارعين الجماعية في موسم قطف الزيتون لعام 2026.
ويأتي تنسيق المواقف لتحديد أيام القطف، وتحديداً يومي الجمعة والسبت، لضمان مشاركة جميع المزارعين وأصحاب الأراضي وحضورهم معاً فيما يعرف اليوم بـ»القطف الجماعي»، وهو أحد الاستراتيجيات المقترحة التي تعمل عليها وزارة الزراعة الفلسطينية وعشرات المؤسسات الشريكة في محاولة لإنقاذ موسم الزيتون الذي أصبح «على الأبواب»، كما يصف البعض.
وقررت وزارة الزراعة الفلسطينية في رام الله، التي تشرف على عمل لجنة تجمع كافة الشركاء ويطلق عليها «حملة قطف الزيتون 2026»، العمل على جعل أنشطة الحملة الجماهيرية لا مركزية، في ظل صعوبة تغطية كافة مناطق بلدات وقرى الضفة الغربية، وتحديداً في ظل تزايد ما يعرف بـ»النقاط الساخنة» التي يتوقع أن تشهد مواجهات بين مواطنين ومستوطنين متطرفين مدعومين من قوات جيش الاحتلال، حسب سمير سمارة، مدير عام وزارة الزراعة ورئيس اللجنة العليا لحملة قطف الزيتون.
يقول سمارة في حديث لـ»القدس العربي» إن الحملة فكرت مع مختلف الشركاء («الهلال الأحمر»، والحكم المحلي، والدفاع المدني، والارتباط المدني والعسكري، ومختلف مؤسسات المجتمع المدني.. إلخ) في الطريقة المثلى لتقليل خسائر الموسم لهذا العام، في ظل تنامي هجمات المستوطنين وتزايد البؤر الاستيطانية.
وهو أمر دفعها إلى فك مركزية عمل اللجنة، بحيث تكون هناك لجنة في كل محافظة تعمل على تشكيل لجان فرعية في كافة البلدات والقرى الفلسطينية، بحيث تعمل على تنسيق الجهود بشكل جماعي داخل الوحدة الجغرافية الواحدة.
ويشدد سمارة على أن موسم الزيتون من أهم المواسم التي ترفد الحقل الاقتصادي، «عليه يعتمد شعبنا، سواء في تحقيق الأمن الغذائي أو الاستفادة مادياً من مخرجات الموسم، فهو يحقق نوعاً من الاكتفاء الذاتي اقتصادياً لغالبية المزارعين، وبالتالي ينتظر الجميع الموسم على أحر من الجمر».
وزارة الزراعة لـ”القدس العربي”: 200 ألف دونم مهددة
ويشير إلى أن العمل كان قبل عام 2025 يقوم على جهود مشتتة ومن دون تنسيق محلي، وبالتالي كانت الجهود غير موحدة، أما العام الماضي فشهد تحولاً في المواقف، حيث وحدنا الجهود وجمعنا المبادرات وكافة الأطراف، ونظمنا نحو 37 فعالية جماهيرية، لكن ذلك لم يعد كافياً في ظل تزايد وتيرة عنف المستوطنين وتنامي أعداد المناطق الساخنة».
وقبل أعوام، كان هناك نحو 10 نقاط ساخنة في كل محافظة، أما العام الماضي فزاد العدد، حيث وصل إلى ما يقرب من 20 نقطة ساخنة، ومن المتوقع أن يزيد العدد لهذا الموسم حسب توقعات وزارة الزراعة الفلسطينية.
ويتابع سمارة: «اليوم أصبح لدينا لجنة عليا مركزية اجتمعت قبل أيام، وهي ترتبط بلجان في كافة المحافظات على مستوى الوطن، وترتبط الأخيرة بلجنة في كل بلدة أو قرية فلسطينية برئاسة البلدية أو المجلس القروي وعضوية كل من الجمعيات والتنظيمات وفصائل العمل الوطني والمتطوعين».
وتتنوع الاعتداءات بحق المزارعين من وقوع هجمات عنيفة بحقهم إلى منعهم من الوصول إلى حقولهم، وصولاً إلى سرقة محصولهم وتدمير أشجارهم.
آلية العمل في المناطق الساخنة
وحول دور اللجان الفرعية، يشير سمارة في حديثه إلى أنها ستعمل على التواصل مع المواطنين، وتحديداً في المناطق المستهدفة (الساخنة)، ويطلب منها أن تحدد برنامج عمل جماعياً، وتحديداً يومي الجمعة والسبت، ويعلن لعامة المواطنين، حيث يطلب منهم الحضور في حقولهم في الوقت نفسه، أو حضور المتطوعين والمؤسسات الشريكة.
ويشرح فكرة الحملة أن وجود عشرات الأسر في منطقة أو جبل، في الوقت نفسه، يعني أن هناك نحو 400 مواطن معاً، وهذا يضمن ألا يستفرد المستوطنون بعدد قليل من المزارعين، وفي حال نفذ المستوطنون الهجمات فإن الأعداد تضمن ألا تكون الخسائر كبيرة، لا سمح الله، فتزايد أعداد المواطنين في المنطقة المستهدفة يجعل التدخلات أسرع والاستجابة أفضل.
ويشدد سمارة على أن الهدف الأول للحملة هو توفير أقصى درجات الحماية للمزارعين وممتلكاتهم، وثانياً، تمكين المزارعين من قطف أكبر مساحة ممكنة في كل محافظة.
وجاء الموسم العام الماضي ضعيفاً، حيث أنتجت الأراضي نحو سبعة آلاف طن، وبالتالي حرمت معظم الأسر من الزيت، وهو ما يجعل من الموسم الحالي، الذي يقدر بنحو 80% من حجم الإنتاج، موسماً وفيراً شريطة تمكن المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
وحسب صلاح الدين البابا، مدير عام الإرشاد في وزارة الزراعة، فإن الموسم الحالي أكثر من جيد، حيث من المتوقع أن ينتج المزارعون نحو 21 ألف طن زيت في محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتبدو الأرقام السابقة مجردة من أي معطيات سياسية أو ميدانية، فهي تقريبية، لكنها لا تستحضر أثر حجم المخاطر الاحتلالية على عملية قطف المحصول، حيث يشدد البابا: «نحن نمر بظروف استثنائية.. ووضعنا لا نحسد عليه».
ويضيف البابا في حديث صحافي أنه كان من المتوقع أن يكون الموسم هذا العام «ماسياً» مقارنة مع الموسم الماضي الذي شهد أدنى مستوى له منذ أعوام.
وتقدر الجهات الرسمية كمية الاحتياج الفلسطيني بنحو 15 ألف طن من زيت الزيتون سنوياً.
وغالباً ما تحرص وزارة الزراعة على تحديد يوم 15 من الشهر القادم موعداً لقطف المحصول، لكن الموعد هذه المرة لا يمكن حسمه في ظل وقائع ميدانية تجعل المزارعين يسبقون التواريخ الرسمية.
سياسات احتلالية جديدة
ويوم أمس، نشرت هيئة البث الإسرائيلية (رسمية) تقريراً قالت فيه إن ما وصفته بـ»التوتر» في الضفة الغربية سيترتب عليه عدم السماح للفلسطينيين بقطف الزيتون في أراضي الدولة، وسيسمح لهم فقط في الأراضي المصنفة أراضي خاصة في منطقتي «أ» و»ب»، وهذا يعني للفلسطينيين خسارة متوقعة في مناطق «ج» التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.
وقالت هيئة البث إن «جنود الجيش الإسرائيلي لن يشاركوا، بتوجيهات من وزير الدفاع، في إخلاء البؤر الاستيطانية، وستُنقل المسؤولية إلى حرس الحدود والشرطة»، وهذا يعني أن معدل السخونة في مناطق هجمات المستوطنين سيكون أكبر من التوقعات الفلسطينية.
بدورها، قالت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية، اليوم الجمعة، إن الجيش الإسرائيلي سيغير سياسته تجاه موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية، مؤكدة أنه، للمرة الأولى، سيمنع الفلسطينيين من قطف الزيتون في الأراضي التي تصنفها إسرائيل «أراضي دولة».
وأضافت الصحيفة أن القرار الإسرائيلي الجديد سيطبق في مختلف أنحاء الضفة الغربية، مشيرة إلى أن منع الفلسطينيين من دخول ما تسميها «أراضي الدولة» سيشمل مناطق تضم أشجار زيتون اعتادوا قطف ثمارها خلال السنوات الماضية.
وقالت إن السماح للفلسطينيين بقطف الزيتون سيستمر في الأراضي ذات الملكية الخاصة وفق تنسيق أمني مسبق، مضيفة أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقول إن القرار يستهدف تقليص الاحتكاكات بين الفلسطينيين والمستوطنين، على حد زعمها.
مخاطر في 200 ألف دونم
يتحدث سمارة بلغة الأرقام، حيث يقول إن الفلسطينيين يمتلكون حوالي 900 ألف دونم مزروعة بأشجار الزيتون، لكن في ظل الوقائع الميدانية وهجمات المستوطنين والمناطق الأمنية والمناطق القريبة من الطرق الالتفافية والقواعد العسكرية ومناطق البؤر الاستيطانية، فإن عملية القطف في نحو 200 ألف دونم ستشهد هجمات أو مشاكل أو إجراءات منع احتلالية.
ويستدرك سمارة حديثه قائلاً: «علينا أيضاً التوقف عند نحو 60 ألف دونم تقع خارج جدار الفصل العنصري، وقد يُمنع الفلسطينيون من الوصول إليها».
استهداف أشجار الزيتون قبل الموسم
ورغم التحضيرات الشعبية والرسمية للموسم، إلا أن مناطق كثيرة بدأت فيها الهجمة الشرسة على حقول الزيتون قبل الموسم بأشهر. وتعتبر مدينة جنين، في شمال الضفة، إحدى المدن التي تعاني من عمليات اقتلاع لمئات الدونمات من أشجار الزيتون بفعل نشاط الاستيطان المتنامي هناك.
ففي بلدة عرابة جنوب مدينة جنين، قامت جرافات الاحتلال بتدمير نحو 250 دونماً من أشجار الزيتون المعمرة خلال الأيام الماضية.
وتشهد المحافظة هذه الأيام مجزرة كبيرة بحق أشجار الزيتون، حيث تم استهداف الحقول في بلدات كثيرة، وهو ما دفع المواطنين إلى قطف ثمار أشجارهم المقطوعة قبل أن تنضج، في نوع من المواساة لأنفسهم أمام قلة الحيلة وضعف ذات البين.
وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن الموسم الذي يقترب من موعده في الضفة شهد أعلى نسبة هجمات استهدفت الأشجار، حيث طالت الاعتداءات نحو 49 ألف شجرة خلال 8 أشهر من 2026، وهي أكبر عملية استهداف مقارنة مع الأعوام الثلاثة الماضية، حيث شهد عام 2023: 18,964 عملية استهداف، وعام 2024: 10,459 عملية استهداف، وعام 2025: 26,988 عملية استهداف.