المعارضة تدين الدعوات للمأمورية الثالثة وتؤكد أنها تؤثر على الاستقرار وتحذر من قمع الحريات وتأثيره على الحوار الوطني


نواكشوط – «القدس العربي»: حذر قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية الذي يضم 14 حزبا، مما وصفه بـ»تلازم مسارين خطيرين» يهددان مستقبل الحوار الوطني ودولة القانون والاستقرار السياسي في موريتانيا، وفي مقدمتها الدعوات العلنية والمباشرة لانتهاك المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمأمورية الرئاسية، بما يفتح الطريق أمام تمكين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من مأمورية ثالثة، إلى جانب ما وصفه الائتلاف بتصاعد قمع الحريات الأساسية.
وطالب الائتلاف بالوقف الفوري للحملة الداعية إلى المأمورية الثالثة، واتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية المناسبة بحق المسؤولين والسلطات الذين يصرون، بحسب تعبيره، على «التحريض على الانقلاب على النظام الدستوري للبلاد»، كما دعا إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين السياسيين.
وتأتي هذه المواقف في وقت تستعد فيه السلطات السياسية لإطلاق حوار وطني طال انتظاره، ما جعل قضية المأمورية الثالثة والحريات العامة في صدارة النقاش حول الظروف السياسية التي يفترض أن ينطلق فيها الحوار، ومدى قدرته على بناء الثقة بين السلطة والمعارضة ومختلف الفاعلين.
وأكد ائتلاف المعارضة خلال ندوة صحافية أن عددا من المسؤولين والمنتخبين من أحزاب الموالاة، إلى جانب سلطات محلية، دأبوا خلال الأسابيع الأخيرة على إطلاق أو رعاية دعوات علنية وصريحة لصالح مأمورية رئاسية ثالثة، معتبرا أن هذه الدعوات تتعارض بصورة واضحة مع أحكام الدستور المتعلقة بمدة المأمورية الرئاسية وعددها.
ويرى الائتلاف أن توقيت هذه الدعوات، بالتزامن مع الحديث عن قرب انطلاق الحوار الوطني، يثير شكوكا حول جدية المسار ومصداقيته، ويحمل مخاوف من أن يتحول الحوار إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على مشروع سياسي يكون قد اتخذ بشأنه القرار مسبقا.
كما استغرب الائتلاف ما وصفه بـ»المفارقة الصارخة»، والمتمثلة في أن الدعوات إلى مأمورية ثالثة، والتي يرى أنها قد تنطوي على تحريض على انتهاك أحكام الدستور، كما أن السلطات لا تواجهها بإجراءات أو متابعات مماثلة لما تتعرض له شخصيات من المعارضة.
وسجل الائتلاف كذلك ما وصفه بتصاعد المتابعات القضائية والاعتقالات التي تستهدف مناضلين وقيادات في المعارضة، مستشهدا بحالة اللواء المتقاعد لبات ولد فياه ولد المعيوف، القيادي بحزب «موريتانيا إلى الأمام».
واعتبر أن هذه الممارسات تمس، من وجهة نظره، مبادئ أساسية لدولة القانون، وفي مقدمتها حرية التعبير وقرينة البراءة واستقلال القضاء.
وفي الوقت نفسه، أكد الائتلاف انفتاحه على حوار حقيقي وجاد وشامل، لكنه شدد على أن نجاح أي حوار يتطلب مناخا سياسيا هادئا وسليما، تسوده الطمأنينة والثقة، إلى جانب احترام الالتزامات والتعهدات التي سبق أن التزم بها مختلف الفاعلين السياسيين ومكونات المجتمع المدني.
وبالتوازي مع موقف المعارضة، قدم الصحافي سيد أحمد الخضر قراءة تربط تصاعد الدعوات للمأمورية الثالثة بتنافس داخل الأغلبية، وخصوصا بين الوزير الأول المختار ولد اجاي ووزير الداخلية محمد أحمد ولد احويرثي.
وأوضح الخضر إلى أن الرئيس ومعاونيه يدركون، بحسب قيادي في الأغلبية نقل عنه الكاتب، صعوبة تعديل الدستور، وأن بعض المبادرات الداعية إلى المأمورية الثالثة قد تكون مرتبطة بمحاولات بعض الشخصيات تعزيز مواقعها السياسية والتموضع استعدادا لمرحلة ما بعد انتهاء المأمورية الحالية.
واستند الكاتب إلى انتشار المبادرات الداعية إلى بقاء الرئيس في مناطق يرتبط بها سياسيا عدد من المسؤولين، خصوصا لعصابة ولبراكنة، كما يشير إلى مشاركة شخصيات سياسية محسوبة على جناحي الوزير الأول ووزير الداخلية في هذا الحراك. وتظل هذه القراءة في إطار التحليل السياسي والإعلامي، ولا تمثل موقفا معلنا للوزير الأول أو وزير الداخلية بشأن المأمورية الثالثة أو مستقبل الرئاسة.
كما أشار الخضر إلى اختلاف المواقف في بعض المناطق، مستشهدا بالحوض الشرقي وكوركول، حيث تحدث عن تحفظ شخصيات ووجهاء ومنتخبين على الدعوات إلى تعديل الدستور أو تمديد المأمورية.
ويربط التحليل ذاته الجدل حول المأمورية الثالثة بوضع حزب الإنصاف، الحزب الحاكم، وبالتحضير للانتخابات البرلمانية المقبلة.
ويرى الخضر أن الحزب يواجه تحديات تتعلق بتماسكه ومستقبله السياسي، مستندا إلى الفارق بين عدد المنتسبين الذي أفرزته حملة الانتساب السابقة والنتائج التي حصل عليها الرئيس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
كما يرى أن عدم وضوح مستقبل السلطة قد يدفع بعض النافذين ورجال الأعمال إلى إعادة حساباتهم السياسية، الأمر الذي قد ينعكس على وضع الحزب في الاستحقاقات المقبلة.
في المقابل، سبق للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن أكد احترامه للدستور والقسم الذي أداه، وتحدث عن تسليم السلطة في نهاية مأموريته لمن يختاره الناخبون.
وقال إن كل ما يخالف الدستور أو لا يحظى بإرادة الشعب لا يمكن أن يكون محل دعم منه، مؤكدا أن تركيزه سيكون، حتى آخر يوم من مأموريته، على مواصلة تنفيذ البرنامج الذي انتخب على أساسه. ويشكل هذا الموقف المعلن عنصرا أساسيا في قراءة الجدل الحالي، خصوصا مع استمرار مبادرات سياسية وشعبية تطالب بمأمورية ثالثة.
الحوار وإصلاح النظام السياسي
ولا يقتصر النقاش حول الحوار الوطني على قضية المأمورية الثالثة، ففي هذا الخضم، طرح الإعلامي محمد محمود بكار، في سلسلة مقالات، أسئلة حول طبيعة الحوار وآليات تنظيمه والمواضيع التي ينبغي أن يتناولها.
ويتساءل بكار عن تخصيص فترة قصيرة للحوار مقارنة بالمدة الطويلة التي استغرقها التحضير له، خصوصا في ظل رفع شعار «لا يستثني أحدا ولا موضوعا».
ويرى أن الإصلاحات المطلوبة في موريتانيا تتجاوز النقاشات السياسية الآنية، داعيا إلى إشراك الخبرات الوطنية والمتخصصين، خصوصا في المجالات القانونية والاقتصادية، وعدم حصر النقاش في الطبقة السياسية.
كما طرح إصلاح الحياة الحزبية، وشروط الترشح، وتنظيم تمويل الحملات الانتخابية، ومراجعة وضعية اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، باعتبارها ملفات أساسية ينبغي أن تكون ضمن أجندة الحوار.
ويعتبر أن تنظيم تمويل الحملات وتطبيق القوانين ذات الصلة يمكن أن يقللا من تأثير المال السياسي، ويعززا دور البرامج والخطاب السياسي في المنافسة الانتخابية.
الحوار أمام اختبار الثقة
ويضع الجدل حول المأمورية الثالثة والحريات العامة الحوار الوطني المرتقب أمام اختبار سياسي مهم؛ فالمعارضة تربط نجاح الحوار بوقف ما تعتبره مساسا بالدستور والحريات، بينما تربط تحليلات إعلامية أخرى هذه الدعوات بالتنافس داخل الأغلبية وبالتحضير لمرحلة ما بعد الرئيس الحالي.
وفي المقابل، يبقى الموقف المعلن للرئيس بشأن احترام الدستور وتسليم السلطة في نهاية مأموريته عنصرا أساسيا في فهم المشهد.
وبين هذه المواقف، تتجه الأنظار إلى الحوار المرتقب، وما إذا كان سيتمكن من تجاوز الجدل حول ترتيبات السلطة نحو نقاش أوسع بشأن الإصلاحات السياسية والاقتصادية والقانونية، وبناء قواعد أكثر استقرارا للممارسة السياسية في موريتانيا، هذا البلد الذي اشتهر بالانقلابات العسكرية والذي يواجه حاليا اختبارا صعبا في مجال التناوب على السلطة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *