عاموس شوكن
مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد في حزيران 1945، وقع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو. وتضمن إعلان استقلال إسرائيل في أيار 1948 طلباً للانضمام إلى المنظمة وتعهداً بالالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
تم تبرير إنشاء المنظمة بالمعاناة الإنسانية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى والثانية، والحاجة إلى التأكيد على الإيمان بحقوق أساسية للإنسان وكرامته، والمساواة بين الرجل والمرأة، فضلاً عن ضرورة إرساء العدالة القائمة على القانون الدولي، بما يتيح التقدم الاجتماعي، وتحسين ظروف المعيشة، وتعزيز الحرية. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، على الدول أن تتحلى بالتسامح، وتعيش معاً كجيران صالحين، وتوحد جهودها للحفاظ على السلام والأمن.
ينص الميثاق أيضاً على أن أعضاء المنظمة الذين يسيطرون على أراض لم يحصل سكانها بعد على حكم مستقل، عليهم العمل بما يخدم مصالح السكان واحترام حقوقهم الإنسانية وثقافتهم، وأسلوب حياتهم وحمايتهم واعدادهم للحكم المستقل.
ورغم تعهد إسرائيل بالالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، فإنها فعلت وما زالت تفعل عكس ذلك، حيث سمحت لـ “غوش إيمونيم” بالاستيطان في الأراضي التي خصصت في قرار التقسيم للأمم المتحدة لدولة عربية. ويحظر القانون الدولي، لا سيما اتفاق جنيف الرابع، على أي قوة احتلال نقل عدد من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. أيضاً يحظر طرد أو نقل السكان قسراً من الأراضي المحتلة، لكن إسرائيل انتهكت هذه المحظورات وما زالت تنتهكها.
وكان مشروع الاستيطاني حجر الزاوية في نظام الفصل العنصري الوحشي، الذي ألحق ضرراً كبيراً بالشعبين. وقد تجاهلت إسرائيل تماماً قرارات مجلس الأمن، التي أوضحت في أكثر من مناسبة المعارضة الدولية للمستوطنات.
إن الحكومة الحالية ترتكب جرائم ضد الفلسطينيين وتتجاهل ترامب الذي صرح بأنه لن يوافق على ضم الأراضي الفلسطينية لإسرائيل. وقد اتخذت الحكومة طوال فترة ولايتها خطوات واضحة لضم هذه الأراضي لإسرائيل.
إن احتجاز ملايين الفلسطينيين لحوالي ستين سنة مع حرمانهم من حقوق الإنسان وحق تقرير المصير والحرية والكرامة، يظهر حقيقة إسرائيل وقيادتها ومواطنيها اليهود. يقال “ما تكرهه لنفسك لا تفعله لصديقك”، ولكننا ندمر حياة أجيال من الفلسطينيين عندما نحرمهم من أي فرصة للحرية وحقوق الإنسان والعيش بكرامة وتقرير المصير، ونجبرهم على العيش تحت نظام فصل عنصري. فبدلاً من حمايتهم ومنحهم حياة كريمة، تلحق بهم إسرائيل الأذى باستمرار.
في وثيقة الاستقلال، أعلن الموقعون: “من حق الشعب اليهودي الطبيعي أن يكون كشعب، شعباً قائماً بذاته، في دولة ذات سيادة”. إذا كنا قد وافقنا على ميثاق الأمم المتحدة القائم على مبادئ المساواة وحق الشعوب في تقرير المصير، فعلينا أن ندرك بأنه لا فرق بين الفلسطينيين وبيننا في حق تقرير المصير. فهم يستحقون الحقوق التي نطالب بها لأنفسنا، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إقامة دولة فلسطينية. إن الدولة الفلسطينية هي السبيل لمنح الفلسطينيين ما حصل عليه اليهود عندما قررت الأمم المتحدة إقامة الدولة اليهودية: تقرير المصير، الكرامة، المسؤولية عن مصيرهم، الحرية والحقوق المدنية. ومع الإدارة السليمة للعلاقات بين الدولتين سيجلب وجود دولة فلسطينية فوائد كثيرة للطرفين.
سيغضب مجرمو “غوش ايمونيم”، لأن الأرض الفلسطينية المسلوبة عندهم أهم من حياة أي إنسان، عربي أو يهودي. من شأن هذه الخطوة أن تحرر إسرائيل من جرائم المستوطنين الذين سيطروا على استراتيجيتها لعقود، والذين يجبروننا على العيش على حد السيف. صحيح أنه في ظل قيادة متطرفين مثل أوريت ستروك ودانييلا فايس ويغئال لفنشتاين وسموتريتش وبن غفير وأمثالهم من الحاخامات، يجب علينا أن نكون يقظين كي لا يتكرر اغتيال رابين.
أدرك إسحق رابين وأريئيل شارون وإيهود أولمرت، عندما كانوا رؤساء وزراء، ضرورة وجود طريقة أخرى، واتخذوا خطوات نحو المصالحة مع الفلسطينيين. أما نتنياهو فقد فعل العكس، وتسبب بالكوارث التي وقعت بيننا وبين الفلسطينيين، بما في ذلك أحداث 7 أكتوبر.
على الحكومة القادمة أن تدعم، بالتعاون مع السلطة الفلسطينية، الحل الإنساني الأمثل، وهو إقامة دولة فلسطينية. ستظهر هذه الخطوة إسرائيل كدولة تعترف بالقانون الدولي وتعلي شأن الأخلاق الإنسانية، وستعزز مكانها بين مواطنيها العرب ومواطني الدول الإسلامية المحيطة بها. لن يقتصر السلام بعد الآن على الحكام فقط، بل سيشمل الشعوب أيضاً. سيتفاخر يهود العالم بإسرائيل من جديد، وستشيد بها الدول الـ 142 التي دعمت الأمم المتحدة في هذه العملية، وستتيح هذه الخطوة خفض ميزانية الدفاع بشكل كبير. وبفضل الأموال الطائلة التي ستنفق، يمكن استثمارها في المجتمع وتعويض الفلسطينيين الذين استولى القيم على شؤون الغائبين على ممتلكاتهم دون تعويض.
قبل ستة أشهر، نشر هنا مقال لمحمد شريف عودة، رئيس الجماعة الإسلامية الأحمدية في الأراضي المقدسة. استشهد بوعود سفر التكوين: “لنسلك أعطيت هذه الأرض” و”كل الأرض التي تراها أعطيها لك ولنسلك إلى الأبد”. وهنا أوضح: “كلمة نسل تشير إلى كل ذرية إبراهيم. ووفقاً لتراث التوراة، فإن إسماعيل هو ابن إبراهيم ولا يقل شأناً عن إسحق، وهو أيضاً يستحق البركة الإلهية والوعد. عملياً، عاش نسل إسماعيل (الشعب العربي) لأجيال كثيرة في المنطقة الواسعة بين النيل والفرات. واستمرار وجودهم على الأرض دليل على أن الوعد الإلهي قد تحقق وما زال يتحقق. هذا ليس وعداً لفئة واحدة فقط، بل وعد شامل لذرية إبراهيم جميعاً. يجب أن نتعلم من هذا الوعد أهمية التعايش بين أبناء إبراهيم بمحبة وسلام وأمان، بدلاً من إثارة العداء وتأجيج نار الانقسام”.
هذا هو القرار الصحيح الذي يجب على إسرائيل اتخاذه. لا يجب النظر إلى الفلسطينيين كأعداء، الذين يلزموننا بميزانية دفاع تبلغ 180 مليار شيكل (أمر يصعب تصديقه)، بل كإخوة يعيشون كجيران في دولتين بين النهر والبحر. وفي هذا السياق، ينبغي لإسرائيل بوصفها الدولة الأكثر ثراء، أن تساعد الفلسطينيين.
هآرتس 18/9/2026