في كل مرة تقوم فيها الميليشيات الوكيلة لإيران في العراق، باستخدام المسيّرات أو الصواريخ لقصف أهداف أمريكية، أو عراقية داخل العراق، أو قصف أهداف خارجه، تقوم الحكومة العراقية بحركات استعراضية تتضمن تغييرا في القيادات العسكرية والأمنية في المناطق التي انطلقت منها تلك المسيرات أو الصواريخ (ليعاد تدويرهم لاحقا لاستلام مناصب أخرى)، والحديث عن لجان تحقيقية لا يرى أحد نتائجها، وهذا بعد أن تفشل في إنكار الوقائع!
يوم 10 أيلول/ سبتمبر 2026 تعرض خط أنابيب شرق ـ غرب السعودي لعدة استهدافات بمسيّرات، وقالت وزارة الخارجية السعودية في بيان لها أن الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية. في اليوم نفسه، تحدث المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي عن تشكيل مجلس تحقيقي بحق قيادات عمليات ميسان، وأمر بإعفاء قائد العمليات، بعد «ثبوت انطلاق الاعتداءات التي طالت الأشقاء في المملكة العربية السعودية من أحد المواقع داخل المحافظة»، من دون أن نعرف حتى اللحظة من أطلق تلك المسيرات!
في 26 حزيران/ يونيو 2020، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب عن عملية أمنية أسفرت عن اعتقال 15 عنصرا من ميليشيا كتائب حزب الله، والذين ينتمون في الوقت نفسه إلى الحشد الشعبي/ اللواء 45، في منطقة الدورة جنوب بغداد، كانت تستعد لإطلاق صواريخ تستهدف السفارة الأمريكية في بغداد. بعدها بثلاثة أيام فقط، أطلق القضاء العراقي سراح المعتقلين، ليقوم المعتقلون أنفسهم بتظاهرة داسوا فيها على صورة القائد العام للقوات المسلحة بأحذيتهم العسكرية التي توفرها لهم الدولة!
وفي يوم 24 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه، أعلن وزير الداخلية العراقي أن قواته اعتقلت أحد مطلقي الصواريخ باتجاه السفارة الأمريكية في بغداد، وأن التحقيق مستمر معه. وأضاف أن قواته أفشلت «عددا من المخططات لاستهداف المنطقة الخضراء والبعثات الدبلوماسية»، ولم يسمع أحد خبرا آخر عن هذا المعتقل بعد ذلك، ولم يقدم لأي محاكمة!
وفي 14 كانون الأول/ ديسمبر 2023، أعلنت السلطات العراقية عن اعتقال عدد من منفذي الهجمات الصاروخية على السفارة الأمريكية في بغداد. يومها قال بيان المتحدث الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية إن الأجهزة الأمنية العراقية تمكنت من تحديد هوية المهاجمين بعد جهد فني واستخباري مكثف، واعترف البيان أن قسما من المنفذين على صلة ببعض الأجهزة الأمنية دون تحديدها كالعادة. وأضاف أن البحث جار للوصول إلى كل من أسهم في هذا الاعتداء، ليمثِلوا أمام المحاكم المختصة، وينالوا جزاءهم العادل وفقا للقانون. لينتهي الأمر عند حدود هذا البيان، فلم يسمع أحد عن محاكمة لهؤلاء مطلقا!
وسبق لرئيس مجلس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني، أن أعلن في تصريح رسمي بتاريخ 29 تموز/ يوليو 2025 في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، بأن القوات العسكرية والأمنية العراقية أحبطت 29 محاولة لإطلاق صواريخ ومسيّرات من الأراضي العراقية ضد إسرائيل، وضد قواعد عراقية تضم قوات أمريكية، لكن لا أحد سمع عن اعتقالات 29 مجموعة، ولم يسمع أحد عن محاكمتهم!
فجأة في حزيران/ يونيو 2026، وفي سياق محاولات بعض الأطراف العراقية الحصول على شهادات حسن سلوك من الإدارة الأمريكية! ولإظهار انصياعهم للشروط الأمريكية المتعلقة بالميليشيات الوكيلة لإيران في العراق! أعلن مجلس القضاء الأعلى توجيها، نشره على موقعه الرسمي، للمحاكم المختصة بتطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 على كل من يصنع أو يستخدم أو يحوز الطائرات المسيرة التي تستخدم لأغراض مخالفة للقانون.
ثم تفاجأنا في 31 آب/ إغسطس 2016 بقرار صادر من المحكمة الجنائية العراقية في الرصافة بالحكم بالسجن 15 عاما على متهمين إثنين وفقا لاحكام المادة الرابعة/ 1 وبدلالة المادة الثانية 1 و 3 و 6 من قانون مكافحة الإرهاب عن جريمة قيامها بتاريخ 7 آذار/ مارس 2026 بإطلاق الصواريخ على السفارة الأمريكية في بغداد، كما جاء في منطوق الحكم.
ثم صدر قرار ثان في 3 أيلول/ سبتمبر 2026 من المحكمة الجنائية العراقية في الكرخ بالحكم بالسجن لمدة 15 عاما على ثلاثة متهمين بالسجن لمدة 15 عاما وفقا لأحكام المادة الرابعة/ 1 وبدلالة المادة الثانية/ 7 من قانون مكافحة الارهاب وذلك عن جريمة قيامهم بإطلاق صواريخ كاتيوشا على معسكر K1 في كركوك، كما جاء في منطوق الحكم.
في كل مرة تقوم فيها الميليشيات في العراق، باستخدام المسيّرات لقصف أهداف أمريكية، تقوم الحكومة العراقية بحركات استعراضية تتضمن تغييرا في القيادات
بعيدا عن أن المادة الرابعة/ 1 نصت على أنه «يعاقب بالإعدام كل من ارتكب بوصفه فاعلا أصليا أو شريك عمل أيا من الأعمال الإرهابية»، ومن بينها « الاعتداء بالأسلحة النارية … على القطاعات العسكرية الوطنية أو إمداداتها أو خطوط اتصالاتها أو معسكراتها أو قواعدها بدافع إرهابي»، و»الاعتداء بالأسلحة النارية وبدافع إرهابي على السفارات والهيئات الدبلوماسية في العراق»! ومن ثم، فإن الأحكام القضائية لم تلتزم بصحيح القانون! لكن توقيت صدور هذه الأحكام من جهة، وتعاملها مع المتهمين بوصفهم أفرادا وليس أعضاء في ميليشيات، يؤكد أن منهجية تواطؤ الدولة مع هذه الميليشيات، لا تزال هي السائدة، وأغلب الظن أن هؤلاء الخمسة سيتم الإفراج عنهم عند تمييز هذه القرارات كما جرت العادة!
طوال السنوات التي تلت الظهور الرسمي للمليشيات الشيعية في العراق، تحديدا بعد حزيران/ يونيو 2014، كان ثمة تواطؤ صريح للدولة العراقية، بجميع سلطاتها ومؤسساتها، معها. بدأ ذلك مع شرعنة وجود هذه الميليشيات وتمويلها لمدة تقارب 30 شهرا دون وجود أي غطاء قانوني لها (تشكلت هذه الميليشيات بموجب أمر ديواني غير دستوري وغير قانوني في حزيران/ يونيو 2014 ولم يشرع قانون هيئة الحشد الشعبي إلا في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016)! ثم الصمت عن جرائمها وانتهاكاتها الموثقة، ثم التواطؤ مع تغولها في المناطق ذات الغالبية السنية، والتغافل عن تحولها إلى مؤسسات اقتصادية لها حصتها القسرية من مشاريع تلك المحافظات، فضلا عن عمليات الابتزاز والأتاوات التي تفرضها على المواطنين، وأخيرا التواطؤ معها في مسألة تمويلها بالصواريخ والمسيرات الإيرانية، واستخدام تلك الأسلحة لمهاجمة المصالح الأمريكية في العراق أولا، ثم مهاجمة إقليم كردستان، وصولا إلى مهاجمتها لأهداف تابعة للدولة العراقية نفسها (كما حصل في قصف مبنى جهاز المخابرات العراقي)، وأخيرا تواطؤ الدولة عن حقيقة استخدام إيران لها كذراع عسكري في صراعاتها!
اللافت هنا أن الفاعل السياسي الشيعي لم يعد حريصا حتى على التغطية على هذا التواطؤ، بل أصبح يتعامل معه كأمر طبيعي، في سياق احتكاره المطلق لقرار السلاح الموازي أو «الدولة الموازية» التي تمثلها هذه الميليشيات، بسبب أنه يعدّ هذه الميليشيات خط الدفاع الأول عن وهم الحاكمية الشيعية، من أجل ذلك بعث الإطار التنسيقي وفدا لغرض «إقناع» هذه الميليشيات بالقبول بالشروط الأمريكية الخاصة ونزع سلاحها، ثم عمد رئيس مجلس الوزراء إلى احتكار قرار هذا السلاح بعيدا عن مجلس الوزراء !
المفارقة هنا، أن الفاعلين السياسيين السنة والكرد قبلوا بكل سلاسة بهذا الاحتكار، وقبلوا بأن يكون قرار هذا السلاح قرارا شيعيا بحتا، وليس قرارا عراقيا، وكأنهم مجرد «أتباع» لا يحق لهم التدخل بهكذا قرار يتعلق بمستقبل العراق نفسه!
٭ كاتب عراقي