قبل الغرب كان لبنان: كيف تشكّلت شخصية جبران؟


يظهر البحث في المراجع التي أرّخت لسيرة جبران خليل جبران، أنّ أغلب الروايات تنسب سرّ نجاحه إلى الغرب، حيث وجدت أعماله صدىً واسعاً واستحساناً لافتاً. ولا غرابة في ذلك، فقد بصر كتابه «النبي» نور الحياة هناك، ولا يزال حتى يومنا هذا في طليعة الكتب الأكثر انتشاراً في العالم. بيد أنّ هذه النظرة، على وجاهتها، لا تبدو منصفة، إذ تُغفل جانباً جوهرياً من حياته: سنوات طفولته المبكرة في لبنان، وأثر الشرق العميق في نفسه وإبداعه.
البشرُ أشبهُ بالأشجار التي مهما علت تيجانها، وارتفعت أغصانها، واشتدّت صلابةً في وجه الرياح التي تعصف بها، تظلّ أسيرةَ جذورها الراسخة في عمق التربة المحيطة بها. وهو ما ينطبق فعلاً على جبران، فحتى إنْ لاح نجمه في سماء العالم الجديد، يظلّ بماضيه مرتبطاً بالشرق الذي صقل شخصيته ووسّع خياله، وغرس فيه بذور الإلهام والإبداع. ففي جبل البِشْرِي في لبنان، وُضعت اللبنات الأولى لرجلٍ أبدع لاحقاً تحفته الخالدة «النبي».

البيئة الشرقية مصدر إلهامه

قبل أن يصبح واحداً من أكثر الكتّاب قراءةً وانتشاراً في العالم، كان جبران طفلاً من أطفال جبل لبنان. وُلد في السادس من يناير/كانون الثاني 1883 في بلدة بشري شمالي لبنان، وقضى سنوات طفولته الأولى في بيئة خلابة تزخر بالجبال والوديان والأنهار والغابات. كان لهذه البيئة عميق الأثر في حياته الروحية ومسيرته الأدبية لاحقاً؛ كانت الوديان الصخرية والجداول والشلالات التي تحيط بقريته أكثر من مجرد مصدرٍ للإلهام؛ كانت ملجأ منعزلًا يلوذ به من ضغوط الحياة العائلية والاجتماعية. وهكذا غدت الطبيعة مصدرا لإلهامه وينبوعا لطاقته وفضاء لخياله وغذاء لفلسفته. كانت أشجار الأرز العتيقة، في نظر القرويين، رمزا للإيمان والمقاومة والصمود، أما في نظر جبران، فكانت تعبيرا عن الجمال الإلهي الكامن في الطبيعة، وهو ما أشار إليه جان جبران وخليل جبران في كتابهما «خليل جبران: حياته وعالمه»، حيث قالا إنّ جبران كان «يستشعر القدسية المنبعثة من المياه الصافية كالكريستال ومن الخضرة الأبدية للغابات».
فضلا عن الجبال والغابات، كان للبحر أيضا بالغ الأثر في حياته؛ فمن بين ذكرياته المبكرة ذكرى عاصفة عاتية خلفت في نفسه أثرا لازمه مدى العمر. حين لمح البحر الأبيض المتوسط لأول مرة من أحد الممرات الجبلية، فُتن بسحر مشهدِ تعانُقِ زرقةِ البحر وزرقة السماء. وهكذا، قبل أن يكتشف العالم جبران في أمريكا، كان يحيا في لبنان، على بعد أكثر من خمسة آلاف ميل، يستلهم من جباله وأنهاره وغاباته وسواحله. فقد غذّت المناظر الطبيعية مخيلته، وأرست في نفسه أسس النجاح في أعماله الإبداعية التي طبعها الجمال والخلود والنزعة الإنسانية.

معاناة من الفقر والاضطرابات العائلية

لم تكن طفولة جبران في بشري نعيما خالصا، إذ عاش بين جمال الطبيعة ومرارة الحرمان في آنٍ واحد. كان والده، خليل، يعمل جابي ضرائب، لكن القمار وإدمان الخمر أفسداه. تراكمت عليه الديون، وفي النهاية، ألقت السلطات العثمانية القبض عليه بتهمة الاختلاس. سُجن وصودرت ممتلكات الأسرة، فأصبحت الحياة أشدّ قسوة بين ليلة وضحاها. تكفلت أمّه كاميلا بالأسرة خلال تلك السنوات. كانت تبيع الدانتيل، ثم فتحت متجرا صغيرا. كان عليها أن تعمل ليلا ونهارا لإطعام أطفالها وحمايتهم. ورغم كل ما بذلته من جهد، ظل شبح الفقر يطارد الأسرة.
كانت هذه التجارب خير معلم لجبران، حيث عمّقت فهمه للمعاناة وزادته تعاطفا مع الفقراء والمحرومين. كتب لاحقا: «يختبئ الفقر في الفكر قبل أن يستسلم للمال». كما لاحظ: «الفقر حجاب يحجب وجه العظمة، والنداء قناع يغطي وجه البؤس». تكشف هذه التأملات عن مدى تأثير الفقر والمعاناة الإنسانية في وجدانه.
في خضم هذه الطفولة الصعبة، أصبحت العزلة ملاذا له. كان كثيرا ما يلجأ إلى الجبال والغابات المحيطة بقريته للتأمل والتدبر. صار العالم الطبيعي مصدرا لراحته ومساحةً لنمو خياله. وهكذا، قبل أن يتأثر جبران بالعالم الغربي، كان الشرق قد صقل شخصيته؛ فبين فقرٍ مرير، وفقدان سند والده، وشقاء والدته، تشكّلت تجاربه الأولى في الحياة. وعلى الرغم من تحسّن أوضاعه المالية في المهجر لاحقا، لم يمحُ ذلك تلك الذكريات، بل ظلّت تتلاطم كالأمواج في داخله، فتتدفق عبر كتاباته سيول من العطف والحنان والتأمل، وشعور بوجع الإنسان.

حرمان من التعليم الرسمي

ليس من شك في أن الذين عرفوا جبران خليل جبران من خلال مؤلفاته، وليس من خلال سيرته الذاتية يعتقدون أنه بلغ مستوى دراسيا عاليا، وأنه كان يتقن اللغات التي كان يكتب بها، غير أنّ الواقع بعيد كل البعد عن ذلك؛ فجبران لم يدخل مدرسة قط. ففي بشري، في أواخر القرن التاسع عشر، كانت فرص التعليم محدودة، استفادت منها فئة قليلة من الصبية، تعلّمت القراءة والكتابة ومبادئ الدراسات الدينية على أيدي رجال الدين المحليين. وإن كان بعض أصدقاء جبران وأقاربه قد حظوا بتلقي التعليم النظامي، فقد حُرم منه هو، وهذا ما أشار إليه كتاب «خليل جبران: حياته وعالمه»: «تبقى الحقيقة أن تعليمه الابتدائي لم يخضع قط لصرامة معلم ولا لانتظام فصل دراسي، وطوال حياته لم يتعلم الشاعر الإملاء بشكل صحيح». غير أنّ هذا الحرمان لم يوقف مسيرته؛ إذ عوّض عن غياب التعليم الرسمي بتعليم نفسه بنفسه، فكانت مدرسته البديلة مصادر متنوعة: قساوسة مارونيون كانوا يزورون بيته فيلقّنونه الإنجيل، وطبيب عالم محلي يدعى سليم ظاهر أبدى اهتماما به فعلّمه مبادئ العربية والتاريخ والفن، واتصال عميق بالطبيعة غذّى خياله الصوفي ورؤيته الفلسفية. كان لغياب التعليم الرسمي مزايا ومساوئ معا. فبتحرره من الأنظمة الأكاديمية الجامدة، نمّى استقلالية فكرية. ويُعتقد أنه استوعب النصوص المقدسة، مما أثرى كتاباته بإيقاع نبوي وعمق روحي وأسلوب متميز عن الأشكال الأدبية التقليدية. وفي المقابل، لا يمكننا إنكار مساوئ ذلك؛ فقد عانى من صعوبات في الإملاء والقواعد طوال حياته. وفي بوسطن، وجد صعوبة في تعلّم اللغة الإنكليزية والتأقلم مع البيئة الأكاديمية، وهو ما دفعه إلى الاعتماد على الموجهين، ولا سيما ماري هاسكل في الكتابة باللغة الإنكليزية. ولولا هذه المساعدة لما كتب «النبي» وحقق العالمية. فأسلوب جبران الديني لم يكن مجرد اختيار كما هو مسلّم به، بل ضرورة تفسّر بعدم إتقانه اللغة التي كتب بها مؤلفون من أنحاء العالم، بما في ذلك في عصره، وهو موضوع يستحق أن أعرضه بتفصيل لاحقا عند تطرقي إلى حياته في أمريكا.

أثر الوادي المقدس والتراث الماروني

لم يكن المشهد الذي شكّل شخصية جبران طبيعيا فحسب، بل دينيا أيضا. تقع بشري على حافة وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدس، أحد أهم مراكز المسيحية المارونية. على مرّ القرون، عاش الرهبان والنساك والجماعات الدينية بين منحدراته وكهوفه وأديرته، وارتبط تاريخ المنطقة وهويتها ارتباطا وثيقا بالإيمان. في هذه البيئة نشأ جبران؛ فكانت الكنائس والأديرة جزءا من الحياة اليومية، بينما شكّلت القصص التوراتية والقديسون والتقاليد ثقافة المجتمع. ولم تقتصر الأفكار الروحية على العبادة فحسب، بل شملت أيضا العادات والتقاليد والذاكرة الجماعية. وفي هذا العالم، كانت العزلة تُقدَّر، والتأمل يُشجَّع، وهو ما سمح لجبران باستعاب تأمل الروح، والغاية الإنسانية، وعلاقة الإنسان بالخالق.

تأثير المقدسات امتد ليشمل اللغة التي ينطقها ويكتب بها الإنسان، إذ يُعتقد أن صدى هذا الإرث تردد في أعمال جبران اللاحقة؛ فكثير من النقاد يعتقدون أن كتاباته حملت طابعا دينيا ونبرة نبوية، لا سيما في كتاب «النبي»، أحد أكثر الكتب مبيعا في القرن العشرين. وبينما يعكس العمل العديد من التأثيرات اللاحقة، فإن جذوره العميقة تكمن في الثقافة الروحية للوادي المقدس والعالم الماروني ـ الوسط الذي نشأ فيه جبران. وهكذا، لم تكن أهمية الوادي المقدس دينية فحسب، بل شكلت جزءا من البيئة الثقافية والروحية التي صاغت رؤية جبران للعالم؛ فقد علّمته الجبال التأمل والدهشة، وعلّمته مشاقُ الطفولة التأثر والرحمة، وشجّعته تقاليد الوادي على التأمل والتفكير في مسائل تتجاوز حياة الدنيا.

إسهامات لبنان في صنع شخصية جبران

عندما وصل جبران إلى أمريكا في يونيو/حزيران 1895، كان في الثانية عشرة من عمره. وصل إلى هذه الديار صبيا، لكنه لم يصل إليها صفحةً بيضاء. فقد حمل معه من لبنان ذاكرةً مثقلة بالصور والتجارب والانطباعات التي سترافقه طوال حياته. ففي لبنان، بين جبال بشري ووادي قاديشا، بدأت ملامح شخصيته تتشكل، وتكوّنت نظرته إلى الإنسان والطبيعة والروح. لا شك في أن الغرب فتح أمامه آفاقا جديدة، ووسّع مداركه الفكرية، ومنحه فرصا لم تكن متاحة له في وطنه الصغير. لكن قبل ذلك، كان لبنان قد منحه المادة الخام التي صاغ منها رؤيته الأدبية والإنسانية. فمن جبال بشري استمدّ إحساسه بالطبيعة والجمال، ومن الفقر والحرمان تعلّم التعاطف مع الإنسان وآلامه، ومن عزلته المبكرة اكتسب نزعته التأملية ورغبته في البحث في المعاني العميقة للحياة. أما الوادي المقدس وتراثه الماروني، فقد أمدّاه باللغة الروحية والخيال الديني اللذين يرى كثير من النقاد أنهما طبعا كثيرا من أعماله اللاحقة.
بناءً على ما سلف ذكره، يعسر علينا النظر إلى جبران على أنه نتاج الغرب وحده. فالعالم الجديد منح صوته انتشارا عالميا، لكنه لم يخلق ذلك الصوت من العدم. لقد غُرست البذور الأولى في الشرق، وترسخت جذورها في تربة لبنان، قبل أن تعلو أغصانها لاحقا لتمتد إلى بقية العالم. ومن تلك الجذور تحديدا خرج ذلك المفكر الذي لم يكتب عن الإنسان بوصفه ابن أمة أو دين أو زمان ما، بل بوصفه إنسانا فحسب.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *