الجمعية المغربية لمكافحة الرشوة تضع البرامج الانتخابية للأحزاب تحت مجهر محاربة الفساد


الرباط – «القدس العربي»: على بعد أيام قليلة من توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لحسم اختياراتهم في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 أيلول/ سبتمبر، تصاعدت حدة الخطابات الحزبية خلال الحملات الانتخابية، وتحولت الوعود إلى ما يشبه العسل الانتخابي، جرّت على أصحابها الكثير من الانتقادات، خاصة الأحزاب المشكّلة للتحالف الحكومي. في المقابل، حافظت أحزاب المعارضة على خطابها السابق الذي ركز على ما تعتبره فشلا لحكومة عزيز أخنوش في تدبير خمس سنوات من الشأن العام.
وتبقى تهمة التقاعس عن محاربة الفساد، بل وحماية المفسدين وفق خطاب بعض الخصوم السياسيين، من التهم الجاهزة في الحملات الانتخابية. ولم تعد هذه التهمة حكرا على المعارضة، بعدما دخلت أحزاب من الأغلبية نفسها على الخط، وصار كشف الاختلالات أحد المرتكزات التي تحضر في مهرجانات خطابية انتخابية لأحزاب تنتمي إلى التحالف الحكومي. ولعل النقاش حول استيراد الأغنام، ودعم مربي الماشية، وحماية ما بات يعرف بـ «الفراقشية»، مثال واضح على ذلك، وهو مصطلح كان يحيل، في الذاكرة الاجتماعية المغربية، على لصوص الماشية، قبل أن يتوسع استعماله اليوم ليشمل كل منتهزي الفرص ومستغلي الأزمات.
وتهمة أخرى التصقت بالحكومة طيلة السنوات الخمس الماضية، وهي تهمة «تضارب المصالح». وفي ذلك اجتهدت أحزاب المعارضة، وركزت على صفقات بعينها نالتها شركات تعود لرئيس الحكومة أو لوزراء في حكومته أو لأشخاص مقربين منهم، بحسب ما ظل يتردد في الخطاب السياسي والنقاش العمومي خلال الولاية الحكومية المنتهية.
لذلك، شكل موضوع محاربة الفساد خلال الاستحقاقات الانتخابية أحد أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام الفاعلين السياسيين والمدنيين، بالنظر إلى ما يمثله الفساد من تحديات تؤثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات.
في هذا السياق، جاءت قراءة الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبارنسي المغرب» للبرامج الانتخابية التي قدمتها الأحزاب المشاركة في هذه المحطة، بهدف الوقوف على مكانة قضايا النزاهة والشفافية والحوكمة داخل هذه البرامج، والكشف عن طبيعة الالتزامات التي تعهدت بها الأحزاب في مجال مكافحة الفساد.
واعتبرت الجمعية أن المرحلة الانتخابية تمثل مناسبة أساسية لاختبار مدى استعداد الأحزاب السياسية لتبني إصلاحات حقيقية في هذا المجال، باعتبار أن البرامج الانتخابية لا ينبغي أن تكون مجرد وثائق لتقديم الوعود، وإنما يفترض أن تشكل، في نهاية المطاف، تعاقدا سياسيا وأخلاقيا مع المواطنين.
وخلال مؤتمر صحافي عُقد الأربعاء في الرباط، أكدت «ترانسبارنسي المغرب» أن قضايا النزاهة ومحاربة الرشوة والفساد وتضارب المصالح أصبحت تحتل موقعا مهما داخل البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المغربية، غير أن حضورها يختلف من حزب إلى آخر، سواء من حيث المساحة المخصصة لها، أو من حيث مستوى التفصيل في الإجراءات المقترحة لتنزيلها على أرض الواقع.
ورصدت الجمعية تفاوتا واضحا في المقاربات التي اعتمدتها الأحزاب السياسية لمعالجة ملف الفساد وتعزيز منظومة النزاهة. فبينما اختارت بعض الأحزاب تخصيص محاور أو فصول مستقلة لمحاربة الفساد، فضلت أحزاب أخرى إدراج هذه القضايا ضمن محاور أوسع، مرتبطة بالحوكمة والشفافية والتنمية الاقتصادية وتحديث الإدارة.
وبحسب العرض الذي قدمته الجمعية، فإن خمسة مكونات سياسية أفردت محاور خاصة لمحاربة الفساد، وهي حزب «الاستقلال» و»تحالف اليسار» و»التقدم والاشتراكية» و»الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و»العدالة والتنمية». وتناولت هذه الأحزاب ملفات من قبيل الرشوة والريع وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع واسترجاع الأموال المنهوبة، مع اختلاف في طبيعة الالتزامات والإجراءات المقترحة.
كما أشارت إلى أن أحزابا أخرى فضلت دمج موضوع محاربة الفساد ضمن محاور أشمل، تتعلق بالحوكمة والشفافية والمنافسة الاقتصادية والقدرة الشرائية وتحديث الإدارة. ولاحظت في الوقت نفسه تفاوتا في مستوى التفصيل الذي قدمته البرامج بشأن الآليات العملية لمحاربة الفساد والرشوة.
ورغم اختلاف المقاربات الحزبية، رصدت «ترانسبارنسي المغرب» أربعة محاور مشتركة تتقاطع حولها غالبية البرامج الانتخابية. ويتمثل المحور الأول في الدعوة إلى تجريم تضارب المصالح والإثراء غير المشروع، وتوسيع نطاق التصريح الإجباري بالممتلكات. أما المحور الثاني فيتعلق بتقوية هيئات الحوكمة والرقابة والعدالة، بما في ذلك الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومجلس المنافسة، والمجلس الأعلى للحسابات، إضافة إلى مقترحات لإحداث قضاء متخصص في جرائم المال العام. أما المحور الثالث فيتعلق بتعميم الرقمنة على الإجراءات الإدارية والصفقات العمومية، بهدف الحد من السلطة التقديرية وتقليص فرص الفساد، بينما يركز المحور الرابع على تفكيك اقتصاد الريع، من خلال إرساء قواعد أكثر شفافية في منح الرخص والامتيازات.
وفي مقابل الأحزاب التي أفردت حيزا واضحا لقضايا النزاهة ومحاربة الفساد ضمن برامجها الانتخابية، لفتت «ترانسبارنسي المغرب» الانتباه إلى محدودية حضور هذا الملف في المقتطفات التي اعتمدتها من برنامج حزب «التجمع الوطني للأحرار». فقد ركزت هذه المقتطفات، في المقام الأول، على ملفات ذات طابع اجتماعي واقتصادي، من قبيل تحسين القدرة الشرائية وتجويد الخدمات العمومية وتعزيز الاستثمار، دون أن تمنح مكافحة الفساد المكانة نفسها التي حظيت بها في برامج أحزاب أخرى. وهذه الملاحظة تكتسب دلالتها السياسية من كون «التجمع الوطني للأحرار» يقود الحكومة المنتهية ولايتها، ومن كون قضية تضارب المصالح ظلت حاضرة بقوة في النقاش السياسي والعمومي خلال السنوات الخمس الماضية. ولم تمر هذه الملاحظة مرور الكرام، فقد تلقفها خصوم الحزب، كما ركز عليها عدد من المتابعين للشأن السياسي، خاصة في ظل استمرار النقاش حول تضارب المصالح، والصفقات التي أثيرت بشأنها انتقادات سياسية وإعلامية خلال الولاية الحكومية المنتهية.
وكانت «ترانسبرانسي المغرب» قد أطلقت مبادرة لمساءلة الأحزاب السياسية حول عدد من القضايا المرتبطة بمحاربة الفساد، شملت المقتضيات القانونية المتعلقة بجرائم المال العام، وتجريم الإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح وآليات الوقاية منه. وبحسب ما كشفت عنه الجمعية، فقد وجهت مراسلات إلى 12 حزبا ممثلا في البرلمان، إلا أنها لم تتلق أجوبة سوى من أربعة أحزاب، هي «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، و»التقدم والاشتراكية»، و»فدرالية اليسار الديمقراطي»، و»الحزب الاشتراكي الموحد».
ويطرح هذا المعطى بدوره سؤالا حول مدى استعداد الأحزاب السياسية للانخراط في نقاش عمومي جدي حول مكافحة الفساد، خصوصا أن الأمر لا يتعلق فقط بمواقف انتخابية ظرفية، وإنما بملفات تشريعية ومؤسسية ظلّت مطروحة على طاولة النقاش السياسي منذ سنوات. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في أن تتضمن البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية هذه القضايا، وإنما في القدرة على تحويل الوعود والشعارات إلى سياسات عمومية وإجراءات عملية قابلة للتنفيذ والمحاسبة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *