مجلة «شعر» والحرب الباردة.. أين ينتهي الدليل وتبدأ الشبهة؟


يقدم الكاتب رسول عدنان، في مقاله المنشور في جريدة «القدس العربي» في عددها ليوم 7 سبتمبر/ 2026، قراءة لمسار الحداثة الشعرية العربية، متوقفا عند تجربة مجلة «شعر» وصلتها بالسياقات الثقافية والسياسية التي أحاطت بها، ولا سيما ما يتصل بالحرب الباردة الثقافية، وشبكات مؤتمر الحرية الثقافية. غير أن القراءة التي يقدمها تثير، في تقديري، إشكالاً منهجيّاً يتصل بالانتقال من الوقائع التاريخية إلى استنتاجات وأحكام تتجاوز أحياناً ما تسمح به تلك الوقائع.
وأنا هنا لستُ بصدد الدفاع عن مجلة «شعر»، ولا نفي ريادة حسين مردان في قصيدة النثر، وإنما أسعى إلى قراءة ما جاء في المقال ومناقشة أحكامه، ولا سيما ما أرى أنه ابتعد في بعض مواضعه عن مقتضيات التحليل النقدي الموضوعي، واستند إلى افتراضات واستنتاجات لا تنهض عليها، في تقديري، معطيات واضحة وكافية.
فالحديث عن مجلة «شعر» يمكن أن يتم عبر أكثر من مستوى: تاريخ ظهورها، ومشروعها الشعري والنقدي، وعلاقاتها الثقافية، وموقعها في الصراع بين التيارات الفكرية العربية، ثم علاقاتها بالمؤسسات الثقافية الغربية في زمن الحرب الباردة. ولكل مستوى أسئلته وأدواته، ولا يصح دمج هذه المستويات في نتيجة واحدة، تجعل الاختلاف الشعري دليلًا على المؤامرة السياسية، أو تجعل وجود صلة بمؤسسة ثقافية موضع شبهة دليلاً كافياً على وجود مشروع لتخريب الشعر العربي.
إن أسبقية الشاعر العراقي حسين مردان في كتابة ما اعتبره رسول «قصيدة نثر»، رغم أن الشاعر ذاته وصفها «بالنثر المركز» (الأرجوحة /9)، لا شك في أنها تستحق التقدير والتوثيق، غير أن السبق الزمني وحده لا يحسم مسألة الريادة في ظاهرة أدبية واسعة ومعقدة. فثمة فارق بين أن يكون الشاعر سابقا إلى كتابة نصوص تنتمي إلى تجربة معينة، وأن تتحول تلك التجربة إلى مشروع شعري له تصوراته الجمالية ومقولاته النقدية وشروطه الفنية، ثم ينتقل أثره إلى مساحة عربية أوسع. وهذا التمييز لا ينتقص من تجربة حسين مردان، كما لا يمنح مجلة «شعر» حقا مطلقا في الريادة. إنه فقط يمنع اختزال مفهوم الريادة في تاريخ كتابة النص الأول.
إن اختزال الحداثة الشعرية العربية في لحظة واحدة، أو في مجلة واحدة، لا يعبر عن رؤية موضوعية تستقرأ المخاض التاريخي بعمق. فقد شهد الشعر العربي، منذ بدايات القرن العشرين، محاولات متعددة لإعادة النظر في البناء الموروث، وفي علاقة القصيدة بالإيقاع واللغة والصورة والتجربة الشعرية.
وتكشف دعوات ميخائيل نعيمة في «الغربال»، ورشيد الشعرباف في مقاله المنشور في مجلة «لغة العرب» عام 1929، وما ارتبط بهما من مراجعات نقدية وشعرية، عن وجود نزوع مبكر إلى تجاوز عدد من المسلمات التي حكمت القصيدة العربية. كما ظهرت تجارب أخرى حاولت إعادة بناء العلاقة بين الشعر والشكل، وصولاً إلى التحولات التي شهدها الشعر العراقي في أواخر الأربعينيات، مع قصيدة التفعيلة، ثم التجارب التي أخذت تبحث عن أشكال أكثر تحرراً من النظام الخليلي. ومن ثم فإن ظهور مجلة «شعر» جاء داخل مسار حداثي كان قد بدأ قبلها، كما أن وجودها لا يعني أنها أوقفت ذلك المسار أو استولت عليه.
فالأمر إذن أكثر تعقيداً من ثنائية: حداثة عراقية أصيلة في مواجهة مشروع لبناني مشبوه. فالتاريخ الأدبي لا يتحرك عادة في خط واحد، ولا تنتقل التجارب من مركز واحد إلى بقية المراكز في صورة خطية. تتجاور التجارب وتتقاطع وتتعارض وتتأثر، وقد تظهر الظاهرة نفسها في أكثر من مكان ضمن شروط ثقافية مختلفة.
إن تعامل الكاتب مع تجربتي حسين مردان ومجلة «شعر» ينبني على رؤية متناقضة، ففي الوقت الذي يحكم بأصالة التجربة في أسبقية الشاعر العراقي، يؤسس أحكامه على نظرية المؤامرة على اللغة والإرث القومي العربي في تجربة «شعر» من خلال علاقاتها الثقافية والسياسية الخارجية. وهذا يخلق معيارين مختلفين للحكم على تجربتين شعريتين: معيار السبق بالنسبة إلى تجربة مردان، ومعيار النيات والعلاقات السياسية بالنسبة إلى تجربة «شعر». وكان الأجدى والأدق أن تخضع التجربتان للمعايير نفسها.
لقد اعتمد شعراء مجلة «شعر» على ترجمات وتجارب شعرية غربية، واستفادوا من تجارب قصيدة النثر الفرنسية، ومن تنظيرات سوزان برنار وغيرها. وهذه حقيقة تدخل في صميم مشروع المجلة، ولا أرى موجباً لإنكارها أو التقليل من أهميتها. غير أن الاستفادة من تجربة أدبية أجنبية، لا تعني بالضرورة نقلها بصورة حرفية، كما أن اختلاف التجربة العربية عن الفرنسية لا يمثل دليلاً على تعمد تشويهها. فالمثاقفة تقوم أصلاً على الأخذ والتحويل وإعادة الإنتاج. وحين تنتقل فكرة أدبية من بيئة ثقافية إلى أخرى فإنها تدخل في شروط اللغة الجديدة، والذاكرة الأدبية الجديدة، والذائقة الجديدة، والأسئلة التي تفرضها البيئة المستقبلة.
إن اختلاف قصيدة النثر العربية عن نموذجها الفرنسي، ينبغي عدم النظر إليه على أنه دليل على وجود نية لتخريب الشعر العربي. وإنما العمل على تحليل وكشف الأثر الجمالي، الذي نتج عن هذا الاختلاف. وجعل التقارب الشكلي أو الأسلوبي مع النموذج الغربي دليلاً على خطأ أو صواب التجربة هو حكم يفتقر إلى الرؤية المنهجية وموضوعية التحليل النقدي.
لا شك في أن انكشاف العلاقات السرية بين مؤتمر الحرية الثقافية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يفتح باباً مشروعاً للبحث في الشبكات الثقافية، التي نشطت خلال الحرب الباردة، كما أن البحث في علاقة مجلة «شعر» بهذه الشبكات موضوع يستحق الدراسة والتوثيق.
لكن وجود دعم أو شراء نسخ من مجلة، أو مشاركة مثقفين في مؤتمر نظمته مؤسسة ثبتت صلتها بالمخابرات الأمريكية، وإن كان يثير التساؤلات ولكن في أطار توثيق الأدلة وفهم سياق التعاون. أما الانتقال من هذه الواقعة إلى القول إن المجلة كانت أداة مقصودة لتخريب الشعر العربي وضرب العروبة، فهو انتقال آخر يحتاج إلى أدلة مستقلة تثبت وجود الهدف وآلية تنفيذه. فليست كل المقدمات تفضي إلى النتائج اليقينية أو المؤكدة. فيمكن أن يتلقى مشروع ثقافي دعماً من مؤسسة ذات أهداف سياسية، من دون أن يكون ما ينتجه المشروع جزءاً من تلك الأهداف، أو خاضعاً لتوجيه الجهة الداعمة، أو على علم بمصدر الدعم. وما ينبغي التحقق منه هو إمكانية إثبات وجود علاقة سببية بين التمويل، والتحولات التي حدثت في خطاب المشروع المدعوم، وبهذا ينتقل السؤال من دائرة الشبهة إلى دائرة البرهان.
ثم يفترض المقال إن مجلة «شعر» شاركت في مشروع يستهدف الحداثة الشعرية العربية، وإن هذا المشروع كان جزءاً من مواجهة القومية العربية والمد الناصري. وهذا ما يدعونا إلى طرح جملة من الأسئلة الملحة والتعجبية. ما الذي يجعل قصيدة التفعيلة أو القصيدة العمودية تمثل بالضرورة جوهر العروبة؟ وهل يؤدي تجاوز الوزن الخليلي إلى تقويض القومية العربية؟ وهل يمكن اختزال الهوية القومية في الشكل الشعري؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ذلك يحتاج إلى بناء نظري وتاريخي يشرح هذه العلاقة. أما افتراض أن القصيدة العمودية تمثل عماد القومية العربية، وأن ضربها يؤدي إلى ضرب العروبة، فهو افتراض لا يكفي وحده لإثبات وجود مشروع سياسي خلف التحول الشعري.
لقد ظلت القصيدة العمودية حاضرة، وظهرت قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، واستمرت الأشكال الثلاثة في المشهد العربي. ولم يؤد ظهور شكل جديد إلى اختفاء الأشكال السابقة. وهذا يدل على أن تطور الأشكال الشعرية لا يعمل بالضرورة وفق منطق الإحلال الكامل، وإنما يسمح بالتجاور والتفاعل والتنافس.
إن تاريخ الحداثة الشعرية العربية، أكثر اتساعاً من أن يُختزل في صراع بين (وطنيين) و(متآمرين)، وأكثر تعقيداً من أن تُفسر تحولات القصيدة العربية كلها بمؤسسة أو مجلة أو شبكة سياسية واحدة.
والسؤال الأجدى في النهاية ليس: من سرق الحداثة من من؟
وإنما: كيف تشكلت الحداثة الشعرية العربية من تفاعل التجارب العراقية واللبنانية والعربية، ومن احتكاكها بالتراث وبالثقافات الأخرى، ومن الصراعات الجمالية والفكرية التي صاحبت تحول القصيدة العربية في القرن العشرين؟

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *