بناء مؤسسات توازي حجم الطموح


تُعد إعادة إعمار قطاع الطاقة في سوريا من أكثر مشاريع الطاقة أهمية في العالم العربي اليوم. فبين منتصف عام 2025 وربيع عام 2026، تعهدت حكومات ومؤسسات متعددة الأطراف ومستثمرون من القطاع الخاص بما يزيد على عشرة مليارات دولار لتوليد الكهرباء ونقلها والاستكشاف في سوريا. التزمت قطر وشركاؤها بسبعة مليارات دولار لمحطات تعمل بالغاز بقدرة 4,000 ميغاواط وطاقة شمسية بقدرة 1,000 ميغاواط. وخصصت السعودية حزمة بقيمة 2.8 مليار دولار. ووافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار. ووقّعت شركة سيمنس عقودا لتوريد توربينات بقدرة 2,000 ميغاواط. ودخلت شركة شيفرون وشركة UCC القطرية في اتفاقية استكشاف بحري.
وبمقاييس التعافي بعد النزاعات، يمثل هذا ثقة إقليمية ودولية بمسار سوريا في ظل حكومتها الانتقالية، ويشكّل فرصة نادرا ما تتكرر، يتبقى على سوريا استغلالها بأفضل الطرق وتوخي الحذر، لأن هذه الثقة يلزمها ما يتبعها من سياسات وإجراءات ومؤسسات تضمن سير عملية البناء بشفافية وانضباط وسلاسة.
وقد تحدثت السلطات السورية نفسها بصراحة عن الفجوة بين ما تم التعهد به وما هو قيد التشغيل فعليا. ومع استمرار معظم البلاد بتلقي بضع ساعات فقط من الكهرباء يوميا، تُستشعر هذه الفجوة بشكل حاد — وهي تُعالَج بجدية من قبل وزراء ورثوا قطاعا دمّرته الحرب لأكثر من عقد. والسؤال المطروح اليوم في دمشق وفي عواصم الجهات المانحة على حد سواء، هو: كيف يمكن سد هذه الفجوة بالسرعة الكافية للاستمرار في منح الثقة التي تُمنح لسوريا الآن؟ والجواب، من وجهة نظرنا، لا يكمن فقط في رأس المال ولكنه يكمن بدرجة أكبر في المؤسسات والقوانين والإجراءات التي يعبر من خلالها رأس المال ليتحول إلى بنية تحتية متينة.

ما الذي تطلبه الجهات المموّلة؟

يعمل تمويل إعادة الإعمار — سواء جاء من صندوق ثروة سيادي، أو مُقرض متعدد الأطراف، أو مستثمر استراتيجي — ضمن انضباط يجب أن يُقدَّر داخل وخارج الغرف التي تُتخذ فيها قرارات التمويل. فالمؤسسات المالية الدولية والمستثمرون الأجانب يبحثون عن الثقة في المؤسسات والأنظمة والإجراءات التي يتعاملون معها كما يبحثون عن بيئة يسهل فيها التنبؤ. فموظف المنح في البنك الدولي، ومدير المشروع في مؤسسة التمويل الدولية، ولجنة الاستثمار في صندوق خليجي — كلهم يطرحون السؤال نفسه قبل الالتزام بالصرف: هل قواعد اللعبة مكتوبة، هل هناك قوانين وأنظمة وتعليمات واضحة، وهل تُطبَّق بشفافية على الجميع، وهل ترتبط المسؤولية بمؤسسة محددة ويمكن مساءلتها عندما حدوث خطأ ما؟ كل ذلك يعني أنه يجب وجود المتطلبات التالية:

الشفافية والقابلية للتنبؤ والمساءلة والحوكمة السليمة ليست شروطًا مسبقة مفروضة من الخارج؛ بل هي الشروط التي يتحول بموجبها رأس المال إلى بنية تحتية صلبة، قادرة على الاستمرار وقادرة على التطور

أولا: جهة تنظيمية، مستقلة هيكليا عن الجهات المشغّلة التي تشرف عليها (هيئة تنظيمية)، تنظّم قطاع الطاقة وتحدد التعرفات وتمنح التراخيص وتُلزم بالمعايير الفنية، وذلك أشبه بهيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن في الأردن.
ثانيا: مرفق عام له حسابات مدققة وميزانية عمومية موثوقة، مثل شركة الكهرباء الوطنية في الأردن، لتتعاقد معه تلك المؤسسات.
ثالثا: نظام مشتريات قادر على طرح العقود وإحالتها بكل شفافية وبشروط تصمد أمام التدقيق.
رابعا: إطار قانوني يمنح المستثمر حق لجوء قانوني قابل للتنفيذ على مدى عمر الأصل الممتد عشرين أو ثلاثين عاما.
خامسا: نظام إدارة مالية عامة يمكن من خلاله تتبع الأموال من التزام الجهة المانحة، إلى فاتورة المقاول المنفذ، إلى قراءة العداد، ويتبع ذلك طبعا كل المؤسسات المسؤولة عن ذلك، وقد تكون في البداية مديريات في جهات حكومية تكون كل منها مسؤولة عن إحدى هذه المهام.
سادسا: ضمانات مالية حكومية، وخاصة في البدايات حيث تكون المخاطر عالية.
وهذه هي نفس المتطلبات التي تطبقها وتضمنها أي حكومة — بما في ذلك الحكومة الأردنية — لمثل هذه المشاريع الكبيرة. فالشفافية والقابلية للتنبؤ والمساءلة والحوكمة السليمة ليست شروطا مسبقة مفروضة من الخارج؛ بل هي الشروط التي يتحول بموجبها رأس المال إلى بنية تحتية صلبة، قادرة على الاستمرار وقادرة على التطور.
وقد كان البنك الدولي صريحا بشأن ما يعنيه هذا لسوريا اليوم. فمشروعه الطارئ لكهرباء سوريا بقيمة 146 مليون دولار لا بد أن يُنفَّذ بالتعاون مع مستشار هندسي خارجي يمثل المالك (Owner’s Engineer) يعمل جنبا إلى جنب مع مشغّل الشبكة السورية، ومع جهة رقابة خارجية طرف ثالث للتحقق من تدفق الأموال. وهناك منحة منفصلة بقيمة 20 مليون دولار مخصصة لإعادة بناء أنظمة الإدارة المالية العامة في سوريا — العمود الفقري المالي الذي يعتمد عليه كل صرف لاحق. وهذا إقرار بأن أي دولة خارجة من الظروف التي مرّت بها سوريا تحتاج إلى وقت ودعم فني وشراكة لإعادة بناء الإدارة المؤسسية كما هو الحال في أي دولة.

التحدي البنيوي لإعادة الإعمار بعد النزاع

هناك نمط في إعادة إعمار قطاع الطاقة بعد النزاعات يمكن للحكومة السورية وشركائها دراسته عن كثب، فهو نمط لا تختاره أي دولة لكن كل دولة معرّضة له بعد انتهاء الحرب، وهذا النمط مدروس وموثق في أدبيات الاقتصاد السياسي.
فحين يُدمَّر قطاع بفعل الحرب ثم يُعاد بناؤه على عجل، فإن من أبقوا الأنوار مضاءة خلال النزاع — غالبا عبر ترتيبات غير رسمية، واستيراد عبر الحدود، وارتجال — هم أيضا الأشخاص المؤهلين لتولي المؤسسات العامة الجديدة. وكفاءتهم التشغيلية حقيقية ولا غنى عنها. لكن ما لم تلحق البنية القانونية بالركب بسرعة، فإن الإغراء الطبيعي في أي اقتصاد ما بعد النزاع هو أن تصبح الجهة التنظيمية، والجهة المشغّلة، والطرف المقابل من القطاع الخاص، من دوائر متداخلة من نفس هؤلاء الأشخاص، مما يفقد القدرة على الحوكمة الرشيدة التي يطلبها أي ممول في هذه المرحلة. وهذا ليس عيبا أو تقصيرا، بل هو أمر واقعي غالبا ما يحدث في الدول بعد الحروب، تُنتجه سرعة الانتقال، ولكنه في ذات الوقت أحد المخاطر الرئيسية التي تُصمَّم برامج الإصلاح لإدارتها، وتُسنّ القوانين التي تنظم القطاع لتفاديها قبل فوات الأوان.
والدرس المستفاد من الحالات السابقة في العراق وليبيا ولبنان هو درس توقيت. فالنافذة الزمنية لإنشاء المؤسسات التنظيمية هي السنتان إلى الثلاث سنوات التي تلي مباشرة أي انتقال سياسي (كما تشير أدبيات الاقتصاد السياسي لمراحل الانتقال بعد الحرب) حين تكون شرعية الحكومة الجديدة في ذروتها، ويكون الاهتمام الدولي مركّزا، وسوريا الآن قد تجاوزت الشهر التاسع عشر داخل تلك النافذة. فما يزال هناك وقت. لكنه ليس وقتا لا حدود له.

أجندة إصلاح تستحق رأس المال

الواقع المشجّع هو أن الأجندة اللازمة لتحويل التعهدات إلى مشاريع مفهومة جيدا، وأن النظراء السوريين في وزارة الطاقة ووزارة المالية يتعاملون معها بالفعل. وينقسم هذا العمل إلى ثلاث مراحل متسلسلة، تهيّئ كل واحدة منها المخرج المؤسسي اللازم للانتقال إلى المرحلة التالية.
المرحلة الأولى هي القدرة على تنظيم المشتريات بشفافية وإدارة المشاريع. فوحدة تنسيق انتقالية داخل وزارة الطاقة، تعمل جنبا إلى جنب مع المهندس المالك، يمكن أن تضمن طرح عقود إعادة تأهيل النقل الفورية وترسيتها عبر عمليات تفي بالمعايير الائتمانية الدولية. وهذا هو أقرب مفتاح لفتح باب الصرف، ويمكن تحقيقه خلال أشهر لا سنوات، وهو يبني أساسا متينا لنظام المشتريات الذي سيُعتمد عليه في البداية.
المرحلة الثانية هي الأساس القانوني للتنظيم المستقل. فهيئة تنظيمية مستقلة للطاقة، تُنشأ بقانون وتُفصل هيكليا عن وزارة الطاقة، من شأنها أن تمنح سوريا الأداة المؤسسية التي تحتاجها لترخيص المشغّلين، وتحديد تعرفات تعكس التكلفة، وإلزام قانون الشبكة، ومراقبة جميع الفاعلين في القطاع، وحماية المستهلكين. ولا يلزم أن تكون الهيئة مكتملة الكادر من اليوم الأول؛ فما يهم هو أن يُسنّ القانون لإنشائها ولاستقلاليتها بينما لا تزال النافذة السياسية مفتوحة. وهذا أيضا هو الأساس الذي يتيح تحويل مذكرات التفاهم الثنائية (الحزمة القطرية التركية بقيمة 7 مليارات دولار، وعقود سيمنس، وبرنامج الاستثمار السعودي) إلى اتفاقيات قابلة للتنفيذ وموحّدة المعايير، تحمي في آنٍ واحد السيادة السورية ورأس مال المستثمر.
أما المرحلة الثالثة فهي التكامل التشغيلي. ويشمل ذلك تفعيل صلاحيات الجهة التنظيمية في الترخيص وتحديد التعرفات، واستكمال قانون الشبكة الوطني، والتفاوض على الاتفاقيات التجارية التي تتيح استئناف تبادل الطاقة عبر الحدود. وهذه هي المرحلة التي تدخل فيها طاقة التوليد الجديدة حيّز التشغيل فعليا.
لا شيء من هذا جديد. إنه التسلسل نفسه الذي يتبعه، بشكل أو بآخر، كل قطاع طاقة ناجح عامل في المنطقة. والمميز في اللحظة السورية هو التقاء الانفتاح السياسي مع توفر رأس المال مع استعداد الشركاء الإقليميين للمساعدة. وهذه فرصة يجب استغلالها. وهو الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه تعافٍ حقيقي. ولكنها نافذة يجب التعامل معها بشفافية ووضوح، وبالقوانين والإجراءات التي تضمن استمراريتها وتضمن حقوق جميع الأطراف المعنية.

التجربة الأردنية: ماذا يمكن لسوريا أن تأخذ منها؟

تجربة الأردن الخاصة في حوكمة قطاع الطاقة ليست نموذجا مصقولا يُصدَّر بالكامل. إنها قصة تقدّم حقيقي، نجاحات أحيانا ونكسات في أحيان أخرى، وتسويات ما زلنا نعمل على معالجتها. وهي تجربة حقيقية على أرض الواقع لها ما لها وعليها ما عليها، تجربة تستحق أن تستفيد منها سوريا وهي على أبواب إصلاح لقطاع الطاقة.
أسس الأردن هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن كهيئة مستقلة، ومع الوقت نضجت لتصبح مؤسسة موثوقة تحدد التعرفات، وترخّص المشغّلين، وتراقب القطاع، وتصوغ القواعد والأنظمة، وتتفاعل بشكل بنّاء مع الشركاء الدوليين. وقد طورت شركة الكهرباء الوطنية (نيبكو) قدراتها على إدارة الشبكة الكهربائية والتحكم بها مكّنت الأردن من دمج جميع منتجي الكهرباء المستقلين العاملين حاليا في الأردن، سواء كانوا يشغّلون محطات كهرباء تقليدية أو مزارع طاقة شمسية أو رياح. وتشغّل نيبكو اليوم واحدة من أكثر الأنظمة ترابطا في بلاد الشام. وهذه إنجازات نحن محقّون في الاعتزاز بها.
كل إنجاز حققناه جاء بدرس؛ وكذلك كل خطأ ارتكبناه. ومهمة سوريا الآن هي أن تأخذ بكليهما — دون أن تدفع الثمن نفسه الذي دفعناه لتتعلمهما. ونحن نشارك هذا لأن أكثر تبادل مفيد بين الأردن وسوريا هو حوار صريح بين جارين: حول ما نجح معنا، وما لم ينجح، وكيف يمكن تجنيب سوريا بعض الدروس الأقسى التي اضطررنا لتعلمها. وخط الربط الكهربائي الأردني-السوري، الجاري تأهيله حاليا، هو التجسيد الفعلي لشراكة الطاقة؛ نحن في الأردن أول من بدأ بالتعاون مع سوريا لإعادة تفعيل خط الكهرباء الأردني السوري منذ عام 2021.
أما بالنسبة للإخوة في سوريا فإن التسلسل المؤسسي الذي تم ذكره وتم التركيز على أهميته هو ليس تشتيتا عن إعادة الإعمار، بل الشرط المسبق لإعادة الإعمار — وأساس السيادة والمصداقية اللتين ستقوم عليهما المرحلة التالية من التعافي السوري. فرأس المال حقيقي، وحسن النية حقيقي، والنافذة الزمنية حقيقية. وما تبقى بناؤه هو البنية المؤسسية التي يتحول عبرها كل ذلك إلى كهرباء تصل لكل منزل في سوريا.

 وزيرة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية سابقا
وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني سابقا



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *