حين تصبح الشهادة جريمة!


ثمة أفلام تنتهي مع انطفاء الشاشة، وثمة أخرى تظل عالقة في الرأس، كأنها لم تعرض أمامنا، إنما فتحت داخلنا.
فيلم «نازا» من هذا النوع. ما جاء بحكاية لا يعرفها أحد، لكنه وببساطة شديدة أعاد الحكاية من الداخل، عبر شهادات خرجت من المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية نفسها، لتتحدث عمّا تقول إنه آليات اختيار الأهداف في غزة، واستخدام أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحساب أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم في الغارات.
فجأة لا يعود الموت رقماً في شريط الأخبار، بل قرار له مسار وشاشة ومعلومة وشخص يعرف وآخر ينفذ، وثالث يروي لاحقاً ما حدث.
حتى اسم الفيلم يحمل قسوته. «نازا» مأخوذ من اختصار عسكري يشير إلى ما يسمّى «الأضرار الجانبية»، أي عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة ما. وربما يكفي هذا المصطلح وحده لفتح باب الأسئلة: كيف تتحول حياة إنسان إلى خانة؟ كيف يصبح طفل كان قبل دقائق يلعب في البيت جزءاً من حساب؟ وكيف تستطيع اللغة أن تخفف وقع الموت حين تسمي الضحايا «أضراراً»، وكأنهم هامش زائد في حكاية لا تخصهم؟
يتحدث الفيلم، حسب ما عرض عنه، عن شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، بعض أصحابها أخفوا هوياتهم، ويقدّم روايات عن المراقبة والتجسس والاستماع إلى ما يجري داخل البيوت، حتى اللحظات الأخيرة لأناس يعرفون أنهم قد يكونون على وشك الموت. وهنا لا تعود الحرب مجرد قصف، تصبح اقتحاماً للخصوصية نفسها، دخولاً إلى آخر مساحة ظن الإنسان أنها ما زالت تخصه وحده.

أما الذكاء الاصطناعي، فيضيف طبقة أخرى من الأسئلة، فالخوارزمية لا تشعر بالندم، ولا تعرف معنى أن يعود أب فلا يجد بيته، أو أن تبقى أم تنادي اسماً لن يجيبها، هي تحسب وتفرز وتقترح، لكن المسؤولية تبقى بشرية، قد تمنح التكنولوجيا القرار مسافة، لكنها لا تمنحه البراءة.

حين عرض الفيلم في مهرجان البندقية، وقف الجمهور مصفقاً طويلاً، ربما كان ارتباكاً إنسانياً أمام قسوة العرض، ومحاولة للتعبير حين تصبح الكلمات أقل من المشهد، لكن الحدث الحقيقي بدأ خارج قاعة السينما، عندما تحوّل الفيلم إلى قضية سياسية، وارتفعت أصوات تتهم صانعيه بالخيانة وتطالب بمعاقبتهما وسحب جنسيتهما.
وهنا خرجت الحكاية من الفيلم إلى سؤال أكبر: متى تصبح الشهادة خيانة؟ ومتى يتحول الصمت إلى شرط للمواطنة؟

حين يصبح الوطن أكبر من الصمت

ثمة أوطان تطلب من أبنائها أن يحبّوها، وثمة أوطان تطلب منهم أن يصمتوا كي يثبتوا هذا الحب، وبين الإثنين مسافة هائلة.

الحب الحقيقي لا يقوم على إنكار العيوب، والوطنية لا تعني أن نغطي المرآة كي لا نرى ما يؤلمنا، ربما تكون الوطنية، في أكثر صورها شجاعة، هي أن يستطيع الإنسان أن يقول لبلده: أنا منك، ولذلك أرفض أن يرتكب الخطأ باسمي.
قوة «نازا» لا تأتي فقط من مضمون شهاداته، بل من مصدرها. فمن السهل على أي دولة أن ترفض اتهاماً آتياً من الخارج، وأن تصفه بالعداء أو التضليل. أما حين يأتي الكلام من أشخاص عملوا داخل المؤسسة نفسها، تصبح المسألة أكثر إزعاجاً، لأن الراوي لا يقف بعيداً عن المشهد، هو يتحدث من داخله.
وهنا أيضاً تظهر قسوة الحروب الحديثة، لم يعد القتل يحتاج دائماً إلى أن يرى القاتل وجه ضحيته. هناك شاشة، هدف، خوارزمية، تقدير، ضربة. كل خطوة تبدو تقنية ومحايدة، حتى يمكن للإنسان أن ينسى أن ما يظهر كنقطة على الخريطة قد يكون مطبخاً كانت فيه أم، أو سريراً نام عليه طفل، أو كتاباً بقي مفتوحاً على صفحة لم يكملها صاحبه.
المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، هي في اللغة أيضاً. حين يصبح القتيل «ضرراً جانبياً»، يبدو موته أخف على الورق. وحين يتحول المدنيون إلى أرقام متوقعة، يصبح من الأسهل اتخاذ القرار من بعيد، لكن الاسم لا يغيّر الحقيقة، وراء كل رقم إنسان كان يعيش حياة كاملة قبل أن يتحول إلى رقم.
ولعل أخطر ما كشفه الجدل حول الفيلم ليس ما يقوله عن الحرب فقط، إنما ما يقوله عن علاقة الدولة بالحقيقة. حين يهدَّد صحافي أو فنان بسبب ما يرويه، يصبح السؤال عن قدرة المجتمع على احتمال صوت مختلف من داخله، فالدولة التي لا تحتمل النقد لا تحمي نفسها بقدر ما تحمي روايتها عن نفسها.
قد تناقش تفاصيل الفيلم، وقد تناقش مصادره، وقد ترفض بعض استنتاجاته، وهذا حق أي جهة وإن كانت الجرائم بحق أطفال غزة تعجز مناقشتها. لكن الرد على الشهادة يجب أن يكون بالشهادة، وعلى الدليل بالدليل، لا بمحاولة محو صاحب الصوت،
سحب جنسية لا يسحب سؤالاً، ولا يمكن إعادة ما خرج إلى الضوء بسهولة إلى العتمة.
في النهاية، لا تكمن قيمة «نازا» في أنه يمنح المشاهد حكماً جاهزاً إنما في أنه يضع المشاهد أمام أسئلة يصعب الهروب منها: ماذا حدث؟ من عرف؟ من قرر؟ ومن صمت؟

 كاتبة لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *