أعراس تيبازة في إسطنبول


التقيتُ فوندا الباهرة في مكتبها بمحض الصدفة. كنتُ على موعد مع صديقتي ميرفا هناك. تعارفنا سريعا، من قبيل: أهلا، من أين أنتِ؟ وكيف جئتِ إلى هنا؟ وما إن عرفت أنني من الجزائر حتى سألتني عنها. قالت إنها لم تتشرف بزيارتها بعد، ثم فاجأتني بأنها تعرف تيبازة. لفتني نطقها لاسم المدينة الساحرة، ولاحظت دهشتي، فقالت ببساطة: «أعرفها من ألبير كامو».
غاصت فوندا في حاسوبها مثل مايسترو يعرف آلته، وبدأت تقرأ، بذكاء وانتقاء لافت، عن الجزائر، عن تاريخها وثقافتها، وتعرض صور تيبازة لصديقتي ميرفا ولأحد طلابها الحاضرين ذلك المساء. لم يكن غريبا أن تفعل ذلك؛ فهي واحدة من الأسماء المهمة في المشهد السينمائي التركي.
تيبازة، ألبير كامو، وفوندا ألب، وأنا في إسطنبول… هكذا وجدتني، على نحو لم أخطط له، أمام ذلك الخيط الغامض الذي يصل الأمكنة بعضها ببعض، ويؤكد مرة أخرى أن الأدب العظيم لا يعرف الاندثار. كم مضى على رحيل ألبير كامو؟ ستة وستون عاما منذ رحيله عام 1960، وما زالت كلماته قادرة على أن تشعل في قلوب القراء دهشة الأمكنة القديمة، وأن تجعل مدينة جزائرية على المتوسط تستعيد حضورها في مكان بعيد، في إسطنبول، وعلى لسان امرأة لم تزر الجزائر قط. «أعراس في تيبازة» ليست مجرد نص جميل عن مدينة أثرية. إنها شهادة حسية على علاقة كامو بالعالم؛ عالم تسكنه الشمس والبحر والجسد والخرائب، عالم تصبح فيه الطبيعة لغة أخرى للحياة.
يقول كامو: «في الربيع، تسكن الآلهة تيبازة». ثم يترك هذه الآلهة تتحدث عن الشمس ورائحة الشيح، وعن البحر والسماء والخرائب المغطاة بالزهور، وعن الضوء المتدفق بين أكوام الحجارة. لم يرَ كامو في تيبازة أطلالا رومانية صامتة فحسب؛ رأى مكانا حيا، مكانا يتزاوج فيه الإنسان مع العالم، وتصبح فيه الحواس طريقا إلى المعرفة. ولعل أكثر ما يختصر علاقته بالمكان قوله: «في تيبازة، أن أرى يساوي أن أؤمن». عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل شيئا من نظرته إلى الوجود: أن نختبر العالم بحواسنا، أن نراه ونلمسه ونعيشه، بدل أن نبحث دائما عن معنى بعيد عنه.
بقيت تيبازة خالدة في نصوص كامو، وخلّد كامو بدوره ذكراها. ولعل أجمل ما يفعله الأدب أنه يكشف لنا علاقة الإنسان بأمكنته: بمدنه وحاراته وأزقتها وحجارتها، برائحة طعامها وهوائها وألوانها وموسيقاها. فالأمكنة، حين تدخل الأدب، لا تعود جغرافيا فقط؛ تصبح ذاكرة وحياة وتجربة إنسانية. يمنحنا النص الأدبي تلك الفرصة النادرة: أن نزور مدينة لم نزرها، وأن نحب مكانا لم نمشِ في شوارعه، فقط لأن كاتبا أحبه وترك لنا أثره فيه. نعبر الزمن والمكان عبر الكلمات، ونكتسب، من خلال رهافتنا تجاه النص وكاتبه، تجربة إنسانية مفعمة بالذوق والحب والجمال.
ربما ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو إحساسي العميق بإسطنبول، المدينة التي أشعر أحيانا أنها سكنتني منذ عقود، رغم أنني لم أعش فيها كل هذا الزمن. بعض المدن لا نحتاج إلى تأشيرة، ولا إلى جواز سفر كي نعبر إليها؛ يكفي إحساس عميق ومرهف بتفاصيلها، وبناسها، وبضوئها، وحتى بضجيجها المؤنس لي؛ ذلك الصخب الذي يبدو أقرب إلى حفلة موسيقية منه إلى شيء آخر. تتعالى الأصوات من كل جهة في جيهنغير، أحاديث وقهقهات تعكس أنس الجالسين في مقاهي الطرقات وهم يحتفون بالحياة التي يستحقونها. ذلك كله جزء من الأثر الذي تتركه إسطنبول فيّ. نعم، إنها إسطنبول، الغارقة في العراقة والقدم والجمال، والمستشرفة بحذر نحو الغد. ولعل هذا الحب للأماكن، لذاتها وروحها وذاكرتها، من أجمل المشاعر الإنسانية وأكثرها رهافة. كان كامو قد عاش تيبازة، ثم شهد لها بالكتابة. وبعد عقود طويلة، وجدتها أنا تعبر إلى إسطنبول، إلى مكتب فوندا، وإلى امرأة تركية لم تزر الجزائر بعد، لكنها تعرف مدينة جزائرية أحبها كاتب، وترك لها من كلماته ما يكفي كي تسافر أبعد منه. ربما لهذا لا يموت الأدب؛ لأنه لا يحفظ الكلمات وحدها، بل يحفظ الأماكن التي أحبها أصحابها، ويمنحها حياة جديدة في قلوب من لم يروها بعد. ومن تيبازة إلى إسطنبول، تواصل المدن التي أحبها كتّابها سفرها، عابرة الزمن والحدود، لتصل إلى أناس لم يعرفوا أنها كانت تنتظرهم.
*كاتبة جزائرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *